Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يعيد السلام لدارفور سيرتها الأولى؟

"نزع السلاح من الأفراد والجماعات ووضع خطة متكاملة بمشاركة الأطراف كافة"

تظاهرة احتجاجاً على حوادث القتل والنهب أمام نقابة المهنيين السودانيين في العاصمة الخرطوم (أ ف ب)

آمن سياسيون وقانونيون سودانيون بأن عودة الحياة إلى دارفور، وتدفقها بشكل طبيعي كسابق عهدها الذي اشتهرت به كنموذج للتسامح والتعايش، فضلاً عن كونها منارة ثقافية ودينية، يمكن حدوثه إذا ما تحقق السلام العادل، المقرون بالعدالة الناجزة. وذلك بأن يأخذ كل صاحب حق حقه، وأن ينال كل من ارتكب جريمة العقاب الرادع، إضافة إلى جبر الضرر، وتوفر الخدمات والمرافق في مناطقها كافة التي أصابها الدمار بسبب الحرب.

وأشاروا في حديث إلى "اندبندنت عربية" إلى أهمية تنفيذ متطلبات سكان دارفور، والتي تتمثل في إيجاد خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى لبناء الإقليم والنهوض به من حالة الخراب التي أصابت كل شبر فيه، إلى موطن نموذجي في كل شيء.

نزع السلاح

وفي ها الشأن، يقول رئيس هيئة محامي دارفور محمد عبد الله الدومة، "في نظري ليس هناك شيء مستحيل لعودة دارفور سيرتها الأولى، لكن توجد عقبات عدة لتحقيق ذلك من أهمها إحداث السلام والاستقرار في البلاد، لأن في النهاية كان يجمع أهل دارفور علاقات وصلات حميمية ومتجذرة، إلا أن تدخل الحكومة المركزية في الخرطوم خلال فترة النظام السابق، وما أحدثته من دمار وخراب زعزع الأمن والنسيج الاجتماعي في هذا الإقليم، وعمّق من حجم التحديات التي جعلت إنسان دارفور مشرداً بين معسكرات النازحين واللجوء بحثاً عن المأوى والأمان بعد أن فقد كل شيء من ثروته في موطنه". وأكد أن التوصل إلى سلام شامل وعادل في ربوع السودان كافة ومنها دارفور، هو بداية حقيقية لعودتها إلى مكانتها الطبيعية التي اشتهرت بها منذ القدم.

وأضاف "لا بد بحسب بنود السلام أن يكون هناك سلام اجتماعي، وهذا ليس بعيد المنال، لكن يجب أن ينال كل من ارتكب جريمة العقاب العادل المنصوص عليه في القانون الجنائي السوداني، وأن تأخذ العدالة مجراها، والتي تشمل أيضاً جبر الضرر كتعويض لكل من فقد شيئاً من ممتلكاته، سواء مالاً أو ثروة حيوانية أو مزرعة وغيرها. وبعد ذلك يتم التفكير في التنمية الشاملة وفق معايير محددة، لكن من متطلبات الاستقرار أن يُنزع السلاح من الأفراد والجماعات، على أن يكون محتكراً عند الحكومة فقط من دون أي جهة أخرى". وشدد على أهمية وضع خطة متكاملة لما بعد السلام بمشاركة الأطراف كافة حكومية وشعبية، وأن يتم تنفيذها بموجب أولويات تحددها تلك الجهات، بحسب الحاجة والمعطيات المتفق عليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلق بالدور الذي يمكن أن تلعبه الحركات المسلحة في عملية ما بعد السلام، يجيب الدومة "الحركات المسلحة جزء من نسيج دارفور الاجتماعي، وكذلك جزء من المشكلة التي قادتها لحمل السلاح، بالتالي لا بد أن يكون لها دور فاعل في إرساء دعائم السلام والاستقرار في هذا الإقليم، من خلال المشاركة في عملية نزع السلاح المنتشر بكثافة في مناطق دارفور كلها، ودمج أفرادها في أجهزة الدولة والمجتمع كل بحسب مؤهلاته. ولا بد أن يكون لهذه الحركات أيضاً رؤية فاعلة كمشارك رئيسي في الحرب والسلم"، مبيناً أنه باتّباع هذه الخطوات ستعود الحياة إلى دارفور كما كانت في سابق عهدها، أو مقاربة لها، على أقل تقدير خلال الأجيال المقبلة.

وأوضح أن دارفور تتمتع بموارد كثيرة ومتنوعة نظراً لتنوع مناخها من الصحراوي إلى السافنا والإستوائي، وتشمل في مجال التعدين الذهب والرصاص والحديد، كما تضم أكبر كتلة للثروة الحيوانية في البلاد تفوق عدد سكانها بخمسة أضعاف، أي ما بين 20 إلى 30 مليون رأس من الأبقار التي تنتشر في حزام جنوب دارفور، وكذلك الضأن والإبل والماعز التي تتواجد في منطقة شمال دارفور، لكن للأسف تُهرّب أعداد كبيرة منها بطريقة غير شرعية إلى الأسواق الخارجية. فضلاً عن توفر مساحات زراعية كبيرة فيها منها زراعة الفواكه مثل البرتقال والمانغو والبطيخ والتفاح والليمون، إضافة إلى المحاصيل الزراعية ممثلة في الذرة والقمح والبرسيم والدخن والفول المصري.

تسيس القبيلة

وفي سياق متصل، قال الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن، "كما هو معلوم لكل أبناء السودان، أن النظام البائد كان سبباً في تفتيت النسيج الاجتماعي لإقليم دارفور، من خلال استخدامه أدوات عدة، منها قيامه باستغلال رمزية القبيلة وتسييسها لإضعاف الولاءات الحزبية، وأصبحت الممارسة السياسية والارتقاء للمناصب العامة والحصول على المزايا والعطايا من ضمن وسائل القبيلة، لذلك كثرت المنازعات والمشكلات القبلية التي صارت سمة سلبية ومهدداً أمنياً خطيراً لاستقرار الإقليم، فلا يمر وقت قليل إلا تفجرّت مشكلة قبلية تؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى، وفي كثير من الأحيان تُحرق قرى ومزارع كحالة انتقامية".

وأضاف "في اعتقادي أنه في ظل الوضع الحالي ليس من المتوقع إعادة الحياة في دارفور إلى سيرتها السابقة، من شتى النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، بل قد ترث الأجيال التي نشأت وترعرعت في دولة الفساد والهوس الديني وغيرها من الممارسات التي أقعدت الوطن، وأدت إلى تفتيته وانفصال أجزاء منه، وكذلك الأجيال اللاحقة، جملة من الأزمات التي لا تحصى ولا تعد في نواحي الحياة كافة"، مؤكداً أن الوضع سيكون معقداً للغاية خصوصاً على الصعيد المعيشي والاقتصادي، لذلك فالمطلوب في إطار الجهود المحلية والدولية المصاحبة لمفاوضات السلام القائمة بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، وضع خطط في ضوء بنود اتفاقية السلام المتوقع التوصل إليها خلال الأيام المقبلة، تؤدي إلى تقوية التماسك الاجتماعي وتعزيز العلاقات الإنسانية، باعتبارها المدخل الرئيسي لمعالجة كل المشكلات والأزمات في الوضع الراهن والمستقبل.

الوضع الأمني

وفي الاتجاه ذاته، قال القيادي في "قوى الحرية والتغيير" بدوي موسى، "بلا شك، أن عودة الحياة إلى مجراها الطبيعي التي كانت قبل الحرب، خصوصاً من الناحية الاجتماعية وترابطها المشهود به وسط المجتمع الدارفوري، ممكنة لكن الأمر ليس سهلاً، نتيجة تغيير الظروف والبيئة والأجيال، لا سيما أن هناك الآلاف من الأشخاص خصوصاً صغار السن حتى أعمار الشباب، الذين عاشوا في بيئات مختلفة عمّا هو موروث في مجتمع دارفور، لكن إذا تحسن الوضع الأمني في الإقليم بشكل كبير، وهو أهم عامل مشجع لعودة النازحين واللاجئين، وذلك على ضوء اتفاقية السلام التي ستوقع بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، وجهود بعثة السلام التي وافق عليها مجلس الأمن بناء على طلب حكومة السودان، وكذلك مساعي الاتحاد الأفريقي، قد تكون هناك بارقة أمل لاسترداد دارفور دورها ومكانتها الاجتماعية والاقتصادية، وما كان يعرف عنها بأنها منبع الأمن والسلام".

وزاد "متطلبات سكان دارفور معروفة، وهي أن تكون هناك خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى لبناء الإقليم والنهوض به من حالة الخراب الذي أصاب كل شبر فيه، ومن الضروري بمكان توفر الخدمات الأساسية بأسرع ما يمكن، كمياه الشرب الذي يكلف جلبها في بعض القرى أكثر من أربع ساعات يومياً، وكذلك توفر خدمات الصحة والتعليم والكهرباء، والعمل على التوسع في هذه الخدمات والمرافق مع تزايد أعداد العائدين من النازحين واللاجئين، فضلاً عن بسط القانون والعدالة وهيبة الدولة في أنحاء الإقليم كافة حتى يشعر المواطن بأن المساواة تسود المجتمع، وأن القانون هو سيد الموقف في المعاملات كلها، ولا أحد فوق القانون كما كان سائداً في النظام السابق. ومن هنا يبدأ المجتمع يستعيد بعض أخلاقياته التي تلاشت، ونسيجه الاجتماعي الذي تصدّع، وعودة روح الآخاء والمحبة والتكافل بشتى أنواعه وصوره، ورويداً رويد سنجد دارفور في أحسن حالاتها، بل نموذجاً يُحتذى به".

تاريخ الحرب

اندلعت الحرب في إقليم دارفور، الذي يعد أكبر أقاليم السودان بمساحة تبلغ 493 ألفاً و180 كلم مربع، في فبراير (شباط) 2003، حين نشب قتال بين مجموعات مسلحة والحكومة السودانية في عهد نظام الرئيس السابق عمر البشير، تسبب في مقتل حوالى 300 ألف قتيل، ونزوح أكثر من مليوني شخص في معسكرات داخل السودان بعدما هجروا مناطقهم، بينما يعيش أكثر من 650 ألف لاجئ في البلدان المجاورة لإقليم دارفور، من بينهم 300 ألف لاجئ قامت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستيعابهم في 12 مخيماً يقع في شرق تشاد، في حين يتوزع العدد المتبقي بين دولتي جنوب السودان وإفريقيا الوسطى وغيرها.

ويتوقع أن تتوصل الحكومة الانتقالية الحالية في الخرطوم مع الحركات المسلحة إلى اتفاق سلام قريب في ضوء المفاوضات الجارية بين الطرفين منذ أكثر من ثمانية أشهر برعاية دولة جنوب السودان.

المزيد من العالم العربي