Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تراجيديا دفع لبنان إلى "الانتحار الوطني"

"بحركة من اليد تستطيع أن تصنع غيوماً وبحركة ثانية يمكن أن تصنع مطراً"

ما يخيفنا، يقول غابرييل غارسيا ماركيز "ليس الموت بل الظروف"، الظروف في مئوية لبنان الكبير تقود إلى اكتمال "التراجيديا اللبنانية"، أزمات ضاغطة وسط سياسات تعمل على توظيفها وسياسات تمارس تعميقها، وشعب متروك لقدره، وسلطة عاجزة ومرتبكة ومرتكبة، ومعارضة في مواقع منفصلة بلا خطة ولا قدرة على أن تكون البديل، وثورة شعبية سلمية تواجه العنف وتستمر في مهمة مستحيلة هي الدق على جدران السلطة لتحقيق مطالبها.

وليس الانتحار المدوي الذي أقدم عليه علي الهق وسالم حبلي، وقبلهما جورج زريق وناجي الفليطي وداني أبي حيدر وبسام حلاق مجرد خيارات فردية في مواجهة ظروف خانقة، فالبلد كله في ظروف خانقة، بعضها البطالة والعوز وانهيار العملة والجوع، وبعضها الآخر ضربة سلطة لا تذرف علينا حتى دموع التماسيح، لأن كثيرين ممن فيها تماسيح بلا دموع، وهم نوعان: واحد لا هم له سوى مصالح جماعته والحؤول دون أية محاسبة تكشف فضائحه ومنع أي إصلاح يحدّ من قدرته على نهب المال العام، وآخر لا شيء يتقدم على حماية موقعه ومشروعه وموقفه ضد أصدقاء لبنان التقليديين ولو كان الثمن أكبر من قدرتنا على التحمل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في بدايات العقد الحالي، أحرق التونسي محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على إهانته ومصادرة مصدر رزقه، فاشتعلت النار في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا، لا فقط بسبب المأساة الشخصية بل أيضاً لأن الأوضاع وصلت إلى الحد الأقصى من الاحتقان، وباتت الظروف ناضجة للانفجار الشعبي، وكانت ثورات ما سمي "الربيع العربي" الذي عمل أكثر من طرف على توظيفه، إذ صار اسمه "الشتاء الإسلامي" ثم "فصول الحرب الأهلية".

الجيش على الحياد

في تونس، حيث وقف الجيش على الحياد، هرب الرئيس زين العابدين بن علي وسقط النظام، ثم عجزت حركة "النهضة" الإسلامية عن الاستئثار بالحكم على الرغم من فوزها في الانتخابات، لأن قوة المجتمع المدني أجبرتها على المشاركة والتسليم بالديمقراطية.

في مصر، لعب الجيش دوره كجيش وطني مصري لا كجيش النظام، فاستقال الرئيس حسني مبارك، ثم سطا الإخوان المسلمون على الثورة والسلطة قبل أن يستعيدهما الجيش.

وفي ليبيا وسوريا واليمن، حيث لعب الجيش دور جيش النظام، وقعت البلدان الثلاثة في حروب أهلية وإقليمية ودولية، أما الموجة الثانية من "الربيع العربي" فإنها أسقطت نظام الإخوان المسلمين في السودان لأن الجيش انضم إلى ثورة الشعب، ولم تصل إلى غايتها في الجزائر، لأن الجيش هو صاحب السلطة أصلاً، ولم يسمح إلا بتغيير رئيس الجمهورية.

الاوضاع أصعب

اليوم تبدو الأوضاع أصعب والظروف أشد نضجاً للتغيير، لكن القوى التي لعبت بثورات "الربيع العربي" كانت ولا تزال تلعب بلبنان، سلطة ومعارضة وثورة شعبية، وهي، بالتعاون مع قوى في الداخل، تربط الوضع اللبناني باللعبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إذ علينا أن ننتظر الحل الكبير في المنطقة، سلماً أو حرباً، لكي نكون جزءاً منه، وهذه قصة طويلة عمرها عقود من السنين، تتغيّر فصولها ويتبدّل لاعبوها وتبقى اللعبة نفسها، أما التسويات الصغيرة التي في أيدينا، فإنها ضد مصلحة التركيبة السياسية، وأما الثورة، فتحتاج إلى صبر إستراتيجي وخطة تحوّل كبير نحو تشكيل كتلة شعبية وطنية تقلب موازين القوى لمصلحة التغيير.

ذلك أن التركيبة السياسية لا تزال تتصرف كأن الإصلاح المطلوب شعبياً وعربياً ودولياً نوع من "الانتحار السياسي" لها، وهي ترفض النظر في المرآة والقراءة في الظروف التي تقود إلى حوادث الانتحار، ولا شيء يمنعها من الهرب ممّا تسميه "الانتحار السياسي" من دفع لبنان إلى "الانتحار الوطني" في مئوية لبنان الكبير.

يقول مثل صيني "بحركة من اليد تستطيع أن تصنع غيوماً، وبحركة ثانية يمكن أن تصنع مطراً"، وما نفعله نحن بحركة من الإصبع هو صنع صحراء.

المزيد من تحلیل