Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يلقي بثقله على عمالة الأطفال في الوطن العربي

الفيروس يقيد رصد الأرقام الراهنة وأعمارهم تتراوح بين 5 و17 عاما واليمن يحتل المرتبة الأولى

من المتوقع أن ترتفع معدلات عمالة الأطفال في المرحلة المقبلة (أ ف ب)

فاقم انتشار فيروس كورونا ظاهرة عمالة الأطفال في عدد من الدول العربية، بينها الأردن ولبنان والعراق واليمن والمغرب ومصر، خصوصاً مع الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها الجائحة العالمية، وسط مطالبات من قِبل منظمات حقوق الإنسان والمراقبين لاتخاذ إجراءات قانونية صارمة.

ورغم أن الأردن، من أوائل الدول التي صادقت على الاتفاقات الدولية المتعلقة بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، فإن عدد الأطفال العاملين بالمهن الشاقة والصعبة في تزايد مستمر، مع مخاوف من استغلالهم والاتّجار بهم.

وينص قانون العمل الأردني على حظر تشغيل الناشئين الذين لم يكملوا الـ16 من العمر، لكن ذلك لم يمنع جيلاً كاملاً من الأطفال من التوجه إلى سوق العمل بدلاً من مقاعد الدراسة، كما أن الغرامات التي لا تزيد على 700 دولار، ويبدو أنها لا تشكل رادعاً لأرباب العمل.

ويعمل هؤلاء القاصرون في مهن مختلفة كالمحال التجارية والمطاعم والمخابز ومحال الحلويات ومواقع البناء والمزارع والمصانع والمنازل، وتحدق بهم مخاطر عدة، خصوصاً في أوقات الليل المتأخرة، كاستغلالهم للتسول أو الاتجار بهم واستغلالهم جنسياً.

تسرب من المدارس

بدوره، حذر المرصد العمالي الأردني من زيادة عمالة الأطفال جراء أزمة كورونا، ويشير إلى أن العوامل الأساسية التي تزيد من هذه الظاهرة تفاقمت بشكل كبير خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

ويؤكد أن التشريعات لمكافحة عمالة الأطفال لم تحل دون زيادة الظاهرة، ويوصي بضرورة إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي يتم تطبيقها بالبلاد منذ عقود. فهذه السياسات هي التي أدت إلى زيادة معدلات الفقر، وغالبية الأطفال العاملين ينتمون إلى هذه الأسر، التي تدفعهم حاجتهم لجعل أبنائهم يتركون مقاعد الدراسة، بهدف المساهمة في توفير مداخيل إضافية.

وتطالب المنظمات العمالية والحقوقية بإلغاء قانون الدفاع، الذي أعلنته الحكومة الأردنية قبل ثلاثة أشهر لمواجهة جائحة كورونا، كون هذا القانون يسهم في زيادة ظاهرة عمالة الأطفال. وبسبب تدني مستويات الأجور حالياً يفضل أرباب العمل اللجوء إلى تشغيلهم.

أرقام مقلقة

تقول الأمينة العامة للمجلس الأعلى للسكان عبلة عماوي، إن عدد الأطفال العاملين بالأردن يشكل ما نسبته 1.89 في المئة من مجمل الأطفال في الفئة العمرية من 5 إلى 17 عاماً. وبتوزيع هذه النسبة بحسب الجنس، فإن نسبة الأطفال الذكور بلغت 3.24 في المئة، مقابل 0.45 في المئة للإناث. وبحسب الجنسية فقد بلغت النسبة بين الأطفال الأردنيين 1.75 في المئة، مقابل 3.22 في المئة من السوريين، و1.98 في المئة من جنسيات أخرى.

وتدعو وزارة العمل أرباب الأعمال إلى الالتزام بعدم تشغيل الأطفال دون السن القانونية، امتثالاً لأحكام قانون العمل الأردني. وقد قامت في العام الحالي بتنظيم 2711 زيارة تفتيشية خاصة متعلقة بعمل الأطفال، نتج عنها التعامل مع 396 حالة عمل أطفال وتوجيه 250 إنذاراً و110 مخالفات بحق أصحاب العمل.

 

 

وفي العراق، حيث أدت مشكلات الفقر والبطالة والنزوح إلى تحمل الأطفال تبعات العمل من أجل إعالة أسرهم. يستعيد حسين عبد الله، 13 عاماً، بذاكرته أسماء أصدقائه في المدرسة الذين تركهم بعد نزوح عائلته من محافظة الأنبار إثر عمليات التحرير من داعش، وما رافقها من تدمير للمدينة، إذ دفعت الظروف الطفل إلى النزوح للعمل مع والده بمحل لبيع الخضار في بغداد، تاركاً الصفوف الدراسية ليلتحق بميادين العمل مبكراً. لا يخفي حسين حلمه الوحيد ورغبته بالعودة إلى مقاعد الدراسة، لكن الظروف الاقتصادية التي رافقت جائحة كورونا قضت على هذا الحلم.

أما والد الطفل فيقول، "دفعتني الظروف إلى الاعتماد على ابني حسين وأخيه الأكبر منه لإعالة بقية الأسرة، إضافة إلى عائلة أخي، التي فقدت معيلها أثناء حرب التحرير". ولا يرى أنه بإمكان حسين العودة للمدرسة، فالأوضاع التي رافقت جائحة كورونا والحظر المستمر فاقما من أوضاع العائلة الاقتصادية.

تحذيرات المنظمات الدولية

منظمتا العمل الدولية واليونيسف أصدرتا بياناً مشتركاً، باليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال في 12 يونيو (حزيران) الماضي، جاء فيه، أن "المنظمتين ينتابهما القلق من أن تزيد هذه الجائحة عدد الأطفال الفقراء المهددين بخطر الاضطرار إلى الالتحاق بالعمل. فمع استمرار الوباء حُرمت الأسر من العمل، وتفاقمت نسبة الفقر، وهذا يعني زيادة مخاطر إجبار الأطفال والمراهقين من الفئات الهشة على العمل".

غياب العقوبات

وأوضح فيصل عبد الله، عضو مجلس مفوضية حقوق الإنسان بالعراق، لـ"اندبندنت عربية"، أن قانون العمل العراقي الذي يمنع عمالة الأطفال، لم يضع أي عقوبات صريحة على رب العمل، الذي يقوم بتشغيل هؤلاء. الأمر الذي سيفتح الباب أمام تزايد نسبة العمالة. وفي الإطار نفسه أشارت الباحثة الاجتماعية حنان الجنابي، إلى أن قوانين حماية الأطفال هي بالأساس حبر على ورق  قبل جائحة كورونا.

وأشار فيصل، إلى عدم وجود أي إحصاءات رسمية بعد انتشار جائحة كورونا لأعداد الناشئين العاملين، موضحاً، أن المؤشرات كلها توضح ارتفاع هذه النسبة، وأكد أن العراق وبالتعاون مع منظمة اليونيسف، أعد في عام 2018 مسحاً، كانت نتائجه وجود 7.3 في المئة من الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 17 سنة، منخرطين في سوق العمل ضمن أشكال متنوعة من العمالة بما في ذلك الأعمال الخطرة والاستغلالية.

وتبقى عمالة الأطفال في العراق بعد جائحة كورنا بعيدة عن الإحصاءات الحقيقية، فمكتب رعاية الطفولة التابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية، أوضح أنه لا يمكن إحصاء الأعداد الحقيقية للأطفال المنخرطين في سوق العمل، فالدوام الجزئي للمؤسسات الحكومية بسبب الجائحة عرقل عمل اللجان التفتيشية الخاصة بمكافحة العمالة.

وفي لبنان بحسب المسح الأخير، الذي أجرته يونيسف عام 2016، وقد تعذر إجراء آخر بسبب كورونا والظروف في البلاد، فقد وصل عدد الأطفال اللبنانيين العاملين إلى 60 ألف طفل، بينهم 37 ألف طفل سوري و4500 فلسطيني. وتبدو الأرقام التي تشمل قاصرين بين ست سنوات و18 سنة مرتفعة، لكن التوقعات للمرحلة المقبلة وفق المعطيات الحالية، تشير إلى وضع كارثي بمعدلات الأطفال العاملين.

 ومن المتوقع أن ترتفع المعدلات في المرحلة المقبلة. وبحسب المسؤولة في قطاع حماية الطفل في اليونيسف لبنان جاكلين عطوي، تتزايد معدلات عمالة الأطفال من سنوات عدة، على الرغم من الجهود التي تبذلها مختلف الجهات المعنية.

 

 

أضافت، "أن المعطيات تُظهر بحسب الشركاء العاملين في حماية الطفل من خلال العمل الميداني أن إغلاق المدارس بسبب كورونا والأوضاع الاقتصادية السيئة، من المؤشرات التي تدعو إلى جاهزية تامة لارتفاع المعدلات المتوقعة، إضافة إلى الأعداد المتزايدة بنسبة عالية في السنوات الأخيرة مع النزوح السوري". فالواقع يفرض الاستعداد لتطبيق الخطط الموضوعة بشكل متكامل. فللدولة خطط وُضعت منذ سنوات عدة، كما تتوافر القوانين الجيدة، أما التطبيق فمستبعد كما تبين حتى اليوم، وما من رقابة للعمل على التنفيذ.

ورصدت منسّقة القسم القانوني بمنظمة "حماية" لحماية الطفل باسمة رمّاني غياب خطة وطنية واضحة للدولة اللبنانية، فمنذ العام الماضي، وعلى الرغم من الأعداد المتزايدة مع تراجع الوضع الاقتصادي، نفذت مشروعات محدودة في مناطق معينة كالقاع، حيث ترتفع أعداد الأطفال العاملين في الزراعة بشكل مقلق، وأيضاً بالشمال في طرابلس وعكار، ومستمرة إلى اليوم.

وأشارت إلى أنه "لا يجدي وضع خطط بغياب التنفيذ والتمويل والقدرات البشرية لدى الدولة. قريباً ستظهر تداعيات هذا التهاون عندما تخرج الأمور عن السيطرة كما تظهر المؤشرات".

أما اليمن، البلد الذي يطحنه الصراع، فلا غرابة أن يتسرب صغاره بحثاً عمّا يسد رمق الجوع، الذي يصرخ في البطون الخاوية كأنه صوت الحرب. وسط بيئة صعبة، وجدوا أنفسهم أمام مسؤولية لا تقوى عليها أجسادهم النحيلة، بعد انقطاع أرزاق أسرهم لسبب أو لآخر، خصوصاً بعد تفشي فيروس كورونا الذي فاقم من اتساع رقعة الظاهرة.

بجوار أحد التقاطعات بالعاصمة صنعاء، يتوسل الطفل أنيس، 11 عاماً، المارة لشراء بضاعته التي تقبع كئيبة في كرتونة صغيرة، ربط طرفيها إلى عنقه النحيل. يقول، اضطررت للعمل في بيع الأقلام والمناديل لأتحصل على 400 ريال في اليوم (أقل من دولار) أصرفها على أمي وإخوتي الصغار. "أبي مات وتركني صغيراً، وأمي تعمل في بيوت الجيران، وخرجت أعمل كي نعيش".

وأوضحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة، أن نحو 7.8 مليون طفل خارج المدارس الآن، مما يعرضهم لخطر عمالة الأطفال والتجنيد في الجماعات المسلحة وزواج الأطفال، ما دفعها لتصنيف البلاد بأنها أسوأ مكان يعيش فيه الأطفال بالعالم.

صغار منسيون

من جانبه، قال رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة أحمد القرشي، إن اليمن يمر بأزمة كبيرة وغير مسبوقة بالنسبة للطفولة، جراء انخراط مئات الآلاف من الأطفال لسوق العمل الشاق.

وبالنظر إلى جملة المعالجات القائمة يؤكد أنها لا تفي للحد من اتساعها الكبير. كما لا يتوقع أن تكون هناك معالجات خلال الفترة الحالية؛ لأن الأطفال، للأسف، ليسوا ضمن أجندة المعالجات الحقيقية من قِبل ذوي الاختصاص وصناع القرار، في مناطق ميليشيات الحوثي شمالاً، وفي مناطق المجلس الانتقالي جنوباً.

إضافة إلى أن الحكومة الشرعية والمجتمع الدولي يقتصر أداؤهما على إصدار البيانات والتقارير والتنديد. ويرى أن واقع الأطفال يعد كارثة إنسانية وحقوقية. ولهذا يتوقع أن "تتزايد أعداد المتسربين من التعليم والمنخرطين بأسوأ أشكال في عمالة الأطفال". وبحسب القرشي فإن متوسط أعمار الأطفال العاملين "تتراوح من سن العاشرة وما فوق".

 

أطفال مقاتلون

وعن نوعية الأعمال التي ينخرطون بها، أكد أنها تشمل مختلف مجالات العمل بما في ذلك الأسوأ؛ مثل إشراك الأطفال بالنزاعات المسلحة، واستخدامهم في الأعمال التي تُلحق بهم أضراراً خطيرة بسلامتهم وأمنهم، مثل أعمال الباعة الجائلين، أو التسول، أو الأعمال الخطرة والقاسية مثل الورش والمصانع وحتى المزارع التي تستخدم فيها مبيدات ومواد كيماوية خطرة على صحتهم.

أرقام مرعبة

ولمعرفة الإحصاءات الرسمية الخاصة بأعداد الأطفال الملتحقين بسوق العمل تفيد هدى الصراري، المدير العام لإدارة المرأة والطفل بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بعدم وجود أي مؤسسات رسمية تتحدث في تقارير منشورة عن حجم عمالة الأطفال والإحصاءات الخاصة بذلك، عدا تقرير صدر أخيراً عن منظمة العمل الدولية يتحدث عن مليون و400 ألف طفل، حصيلة الملتحقين بسوق العمل.

وفي ظل جائحة كورونا وانعكاساتها على توسيع رقعة انتشار عمالة الأطفال جراء الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت الأسرة للزج بأطفالها في سوق العمل، أكدت أنه لا توجد أي إحصاءات رسمية صدرت بهذا الشأن خلال فترة تفشي الوباء في البلاد.

أسوأ أشكال الاستغلال

الزج بالأطفال والتغرير بهم في النزاعات المسلحة وعصابات الاتجار بالبشر، يعد من أسوأ أشكال عمالة الأطفال الذي تجرمه القوانين الشرعية والإنسانية والدولية وتضع مرتكبيه في مواجهة مع القانون الدولي.

تعلق الصراري بأن "أطراف الصراع في اليمن تصرّ على ممارسة الانتهاكات الممنهجة بحق الأطفال بالزج بهم إلى جبهات القتال، إضافة إلى تسرب الأطفال من الجنسين من التعليم نتيجة الظروف الاقتصادية والفقر وانخراطهم في سوق العمل من دون رقابة، من قِبل المؤسسات التي تحمي حقوق الأطفال، ولهذا نلحظ بروز حالات التسول بشكل كبير والتعرض للانحراف نتيجة التشرد والنزوح والتهجير القسري الذي سببته الحرب".

وكشفت الحقوقية اليمنية عن استهداف الأطفال في جرائم الاتجار بالبشر بشكل كبير، خصوصاً في المناطق الحدودية وظهور عصابات تساعد على تهريب الأطفال وخطفهم.

ابتزاز الناس بأطفالهم

تتابع، "ميليشيات الحوثي تبتز الأسر الفقيرة في مناطق سيطرتها، وتعمل على إنشاء المعاهد والمخيمات الصيفية التي تدشن لتجنيد الأطفال والشباب ما بين 10 و17 عاماً، وقد بلغ عدد الأطفال المجندين في صفوف الميليشيات خلال فترة الحرب نحو 3034 طفلاً".

 من جانبهم، حذّر حقوقيون مغاربة من ارتفاع عدد عمالة الأطفال بسبب الانقطاع الطويل عن الدراسة، وفشل التعليم عن بُعد، وفقدان عدد من العائلات المغربية مورد الرزق.

حمزة، الذي يبلغ من العمر 14 عاماً، واحد من بين آلاف تقطعت بهم سبل الدراسة، وراح يعمل حمالاً في سوق للخضار بمدينة الدار البيضاء.

يقول، "كنت أعمل فقط في العطل، لكن هذه السنة أجبرت على العمل في فترة الدراسة لمساعدة والدي"، يضيف، "ليس لدي إمكانيات التعلم عن بُعد، لأن والدي فقد عمله ونحن بالكاد ندفع أجرة الغرفة، وأعمل على مساعدته".

وفي هذا الشأن، كشفت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان غياب مقاربة للاهتمام بحقوق الطفل عموماً في ظل الجائحة، محذرةً من تداعيات "فقدان العمل لفئات واسعة من أرباب الأسر خصوصاً العاملة بالقطاع غير المهيكل والاقتصاد الموسمي، ما سيزيد عمالة الأطفال". وأشارت إلى أن "أن أدلة عدة تُؤكد استمرار ظاهرة الاستغلال الاقتصادي للأطفال".

200 ألف طفل عامل بالمغرب

وأعلنت المندوبية السامية للتخطيط، مؤسسة أبحاث حكومية مغربية، "أنه يوجد في المغرب 200 ألف طفل عامل، من بين 7271000 طفل، تتراوح أعمارهم ما بين 7 و17 عاماً، بانخفاض قدره 23.5 في المئة مقارنة مع عام 2017".

وأوضحت، "أن من بين هؤلاء الأطفال العاملين هناك 119 ألفاً يزاولون أعمالاً خطيرة، وهو ما يمثل 1.6 في المئة من مجموع الأطفال مقابل 3.2 في المئة عام 2017".

الأمر لا يختلف كثيراً في مصر، مع اختلاف في التفاصيل. فما إن ينتهي محمود، البالغ من العمر 14 عاماً، من الأعمال الزراعية التي كلفه بها "ملاحظ العمال" يجفف عرقه بطرف ملابسه، وينضم إلى بقية "الأنفار" الجالسين أسفل شجرة يحتمون بها من نيران يوليو (تموز) الحارقة. يتكئ على الشجرة ويخرج سيجارة من جيبه ويشعلها. إنه وقت الراحة الذي يمضيه وزملاؤه في التدخين والتنكيت والانخراط بأحاديث "الرجال".

1.8 مليون طفل في مصر

بحسب إحصائية صدرت عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هناك 1.8 مليون طفل مصري عامل منخرطون في أشكال العمل التي تعرّضهم للخطر.

محمود كان مقيداً في مدرسة حتى يناير (كانون الثاني) الماضي. يقول، "على الأرجح ما زلت مقيداً، لكنني لن أعود إليها. لم أتعلم شيئاً يذكر. كما كانت الامتحانات تعطل عملي. وبعد حكاية الفيروس شجعني والدي ووالدتي على التفرغ للعمل تماماً، لا سيما أن عمل والدي كسايس (عامل إيقاف سيارات) تأثر سلباً لقلة نزول الناس إلى الشارع".

 

محمود ترتيبه الرابع بين إخوته بعد حسين، 19 عاماً، وحسن 17 عاماً، ونهلة 16 عاماً، وتأتي بعدها منى 10 أعوام، وتامر 8 أعوام. وتجسد أسرته كل المفاهيم المتصلة بعمالة الأطفال: أب وأم يعتبران التعليم رفاهية والأطفال رؤوس أموال لزيادة دخل الأسرة مع إنجاب دون هوادة.

انكسار جهود المواجهة

وضمن ما انكسر في الأشهر القليلة الماضية، بحكم الفيروس الذي ضرب الكوكب وأعاد ترتيب أولوياته، جهود تطويق ظاهرة عمالة الأطفال والعمل على علاج أسبابها. فعمالة الأطفال في مصر ليست وليدة الأمس أو اليوم، لكنها قديمة وعتيدة وعنيدة.

المجتمع المصري التقليدي لا ينظر إلى عمل الأطفال في مواسم الحصاد أو الورش الفنية أو المحال التجارية باعتباره انتقاصاً للحقوق أو خرقاً للطفولة. لكن ثمانينيات القرن الماضي شهدت صحوة رسمية وأهلية قوية للتصدي إلى الظاهرة، بمساهمات واضحة من قِبل منظمات أممية عدة على رأسها "يونيسف" و"منظمة العمل الدولية" تبلورت في سنوات طويلة من العمل الميداني والبحثي والتوعوي عبر "المجلس القومي للطفولة والأمومة".

لكن رياح الربيع والتغيير التي هبت في يناير 2011، ومعها القلاقل الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، ثم هيمنة التيارات المتشددة التي لا تزعجها كثيراً عمالة الأطفال، بل تدعمها عبر تحريم تنظيم الأسرة وتشجيع الإنجاب المتواتر، أثرت سلباً على جهود المواجهة وعلاج الأسباب. وجاء الوباء الراهن ليمعن في دفع التعامل مع عمالة الأطفال أسفل قائمة الأولويات.

 الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للطفولة والأمومة مشيرة خطاب حذّرت من أثر التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا، ومنها فقدان الكثير من الأسر، لا سيما تلك المعتمدة على دخول العمالة غير المنتظمة على مصدر الرزق، وإغلاق المدارس ما يسهل عملية التسرب، وتهيئة الأرض للأسر التي لا تزال لا تمانع في عمل أطفالها. وجميعها سيؤدي حتماً إلى زيادة أعداد الأطفال العاملين.

الدق على وتر الفيروس

وتر الفيروس نفسه دقت عليه كل من يونيسف ومنظمة العمل الدولية في بيان ودراسة مشتركين صدرا قبل أيام، وحذرتا من أن الخطوات الكبيرة التي تم إنجازها بمعركة مواجهة عمالة الأطفال على مدار العقدين الماضيين في مصر تتعرض لخطر داهم بسبب "كوفيد- 2019"، لا سيما في المجتمعات والأماكن المقاومة للتغيير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تغيير وجوه مدحت، 10 أعوام، صبي "المكوجي"، ومحمود 14 عاماً، وأسماء 12 عاماً عاملة المنزل، ودلال 15 عاماً العروس الطفلة، وسيد 13 عاماً، سائق التوك توك، وإعطاؤهم وجوهاً جديدة تليق بأعمارهم غير وارد في المستقبل القريب. ليس هذا فقط، بل إن وجهي باسم السوري، 11 عاماً، بائع الحلوى، أمام المركز التجاري وشقيقته وفاء، 13 عاماً، التي تعمل لدى مصفف شعر نسائي، وغيرهما من الأطفال السوريين المنتمين لأسر مصنفة تحت بند "الأكثر احتياجاً" ينضمان إليهم لأجل يرتبط إلى حد كبير بأجل كورونا.

 

يشار إلى أن لدى مصر ترسانة قوانين خاصة بمنع عمالة الأطفال، أو بالأحرى "تنظيمها". وفي العام الماضي، تم تعديل القواعد والضوابط فنصّت على حظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم سن 15 عاماً مع جواز تدريبهم متى بلغوا سن الـ13 عاماً، بما لا يحول دون مواصلة تعليمهم. كما يلتزم كل صاحب عمل يعمل لديه طفل دون سن الـ16 عاماً بمنحه بطاقة تثبت أنه يتدرب أو يعمل لديه.

 لكن واقع الحال يشير إلى أن الأطفال دون سن الـ13 يعملون دون ضابط أو رابط أو بطاقة أو يحزنون، ويشير أيضاً إلى أن داء تشغيل الأطفال في مصر يعود ليضرب مجدداً ولكن هذه المرة بشكل أكبر بفعل الوباء، وهو ما يعيد غاية منع تشغيل الأطفال دون سن الـ18 عاماً أو حتى الـ16 عاماً إلى خانة الحلم.