Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

افتتاح قصر البارون بالقاهرة بعد عملية ترميم متكاملة

تحول إلى متحف يروي تاريخ ضاحية هليوبوليس ويأخذ زائريه في رحلة مئة عام إلى الوراء

لطالما شغل قصر البارون، البناء المهيب الواقع على أطراف القاهرة خيال المصريين بقصص من نسيج الخيال عن أشباح ولعنات وشياطين وحرائق تشتعل وتنطفئ. ذلك القصر الذي ظل لما يزيد على المئة عام رمزاً للغموض وللحكايات المثيرة التي لا تنتهي.

تميز قصر البارون عن كل قصور القاهرة في ذلك الوقت، ولا يزال حتى يومنا هذا، يبهر كل من يمر أمامه، باعتباره يمثل شكلاً من أشكال العمارة لم تشهدها مصر من قبل.

فمع مطلع القرن العشرين جاء إدوارد إمبان إلى مصر، التي وقع في حبها، وقرر أن يشيد فيها قصراً لا مثيل له، فالبارون إضافة إلى كونه مهندساً كان عقلية اقتصادية فذة وعاشقاً للسفر ومحباً للفنون.

وقد افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي القصر بعد انتهاء عمليات الترميم بالكامل بحضور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وخالد العناني، وزير السياحة والآثار، وسيبيل دي كارتييه سفيرة بلجيكا بالقاهرة، وعدد من الوزراء والمسؤولين بالدولة ليصبح قصر البارون ليس مجرد واحد من القصور التاريخية، بل صار متحفاً يروي تاريخ منطقة مصر الجديدة، حيث سيأخذ القصر زائريه في رحلة إلى الماضي منذ إنشاء البارون إمبان لحي مصر الجديدة مع عرض لبعض تفاصيل الحياة في ذلك الوقت؛ مثل أحد العربات القديمة لترام مصر الجديدة، بالإضافة إلى عرض بعض السيارات القديمة التي يعود طرازها لعشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي لتعطي صورة حية عن شكل الحياة في هذا الوقت.

تم تدعيم القصر بشاشات عرض إلكترونية لعرض صور وأفلام وثائقية عن أعمال بناء حي مصر الجديدة وقصر البارون وشكل الشوارع والمباني في هذا الوقت، كما تم تدعيم القصر بنظام تأمين إلكتروني، ونظام إضاءة متميز وشاشات عرض ومنطقة خدمات سياحية لخدمة الزائرين.

بالإضافة إلى ذلك يتم عرض مجموعة متنوعة من الصور والوثائق الأرشيفية والرسومات الإيضاحية والخرائط والمخاطبات الخاصة بتاريخ حي مصر الجديدة عبر العصور المختلفة وأهم معالمها التراثية، بالإضافة إلى عرض مجموعة متنوعة من الصور والخرائط والوثائق التي تصور نمط الحياة في مصر الجديدة خلال هذه الفترة.

 

 

إنشاء القصر

عن بدايات إنشاء قصر البارون وضاحية هليوبوليس، التي أصبحت أحد أهم أحياء القاهرة فيما بعد، تقول بسمة سليم، الباحثة في تراث هليوبوليس لـ"اندبندنت عربية"، "لم يكن البارون إمبان شخصاً عادياً، بل كان لديه شغف بكل ما هو جديد ومختلف، إذ اختار أن يبني ضاحية استثنائية تحوي أكبر فندق، وأول ملاهٍ في الشرق الأوسط، كما خلق طرازاً معمارياً جديداً وفريداً سمّي باسم مدينته الجديدة (هليوبوليس). وفي العام نفسه (1907)، الذي توّج فيه إدوارد بلقب البارون تم وضع حجر الأساس لقصره المهيب على أطراف المدينة الوليدة الواقعة على أطراف الصحراء".

تضيف، "في سنة 1905 كان البارون يسير مع مسيو بيشه، المدير العام لشركة هليوبوليس، ولم يكن قد شيد أي شيء في هذه المنطقة حتى أنها كان يُرى منها أهرامات الجيزة، فلما وصل إلى مكان كنيسة البازيليك، قال البارون أريد أن تقام في هذه النقطة كنيسة كبيرة وسط ميدان واسع، ثم أشار بيده إلى الأهرام. وأضاف، أن يكون في اتجاه الأهرام شارع فسيح يدعى شارع الأهرام، وهو ما حدث بالفعل. وتكلف بناء قصر البارون خمسة ملايين فرنك آنذاك. وجدير بالذكر أن البارون إمبان هو من خطط بنفسه شوارع مصر الجديدة".

 

ترام هليوبوليس

كان لا بد للمدينة الجديدة المنشأة على أطراف الصحراء في ذلك الوقت أن يتم ربطها بوسط القاهرة من خلال وسيلة مواصلات كانت فريدة من نوعها آنذاك، وهو ترام مصر الجديدة، الذي كان يعتبر لفترة طويلة أحد معالم هذه المنطقة، وكان حدثاً فريداً يظهر في مصر للمرة الأولى.

وعن هذا الأمر تقول بسمة سليم، "لم يكن مشروع ترام هليوبوليس هو الأول للبارون إمبان في هذا المجال، فقد كان لديه باعٌ طويل في مد خطوط الترام بجميع أنحاء العالم، ومنها بلجيكا وباريس والصين وتركيا، حتى أن إحدى الصحف الفرنسية نعته عند وفاته وكتبت مات ملك المترو".

وفي مايو (أيار) عام 1905 منحت الحكومة المصرية شركة السكك الحديدية بمصر وواحات عين شمس امتيازاً مدته 70 عاماً ينتهي في 22 مايو 1975، يسمح لها إنشاء سكة حديدية كهربائية تصل ما بين كوبري الليمون وضاحية هليوبوليس الجديدة.

تضيف، "صُنعت قاعدة عربات المترو من هيكل حديد، بينما كانت الجوانب والسقف من الخشب، وقسمت كل قاطرة إلى درجتين أولى وثانية، وفي كل من هاتين الدرجتين كان هناك ديوان خاص للسيدات، وكانت أجرة السفر في الدرجة الأولى 30 مليماً، وفى الدرجة الثانية 15 مليماً، وبالتواكب مع أعمال الترميم الأخيرة تم نقل عربة من عربات الترام القديمة إلى حديقة قصر البارون إمبان، حيث سيتم عرضها لتصبح آخر ما تبقى من مشروع عملاق لإنشاء خطوط الترام شيده البارون إمبان على أرض مصر".

 

 

 لون القصر

أثار اللون الذي ظهر به قصر البارون بعد الترميم استغراب الكثيرين ما أدى لحالة من الجدل، وعن هذا الأمر أخبرنا رفيق جورج، الباحث في تراث هليوبوليس، "لم يكتفي البارون بتميز عمارة قصره، بل قرر أن يميزه بلون مخالف لألوان مباني المدينة التي كان لونها كلون الصحراء حيث ذكر عن المعماري الفرنسي ألكسندر مارسيل أنه تحدث مع الشركة الإنشائية عن إمكانية تلوين القصر مثل كاتدرائية (Basel and Freiburg) بلون أرجواني فقام برش القصر عن طريق المضخات بلون مغاير وهو الـ(Burnt sienna)  ليبدو مميزاً عن باقي مباني المنطقة".

يضيف، "على الرغم من وجود شواهد عديدة لهذا اللون ظلت تعتلي واجهات القصر فإن العوامل الجوية والأتربة على مدار السنوات كانت قد غيرت ملامح القصر بشكل كبير وهو ما تمت مراعاته في عمليه الترميم الأخيرة، حيث تمت إعادة القصر إلى لونه الأصلي، وقد أثار هذا الموضوع جدلاً كبيراً في الأونة الأخيرة؛ لأن كثيراً من الناس لم تر القصر بلونه الأصلي لأن صوره القديمة كانت غير ملونة".

معبد أم منزل؟

أساطير وأسرار لا تزال تحاصر هذا البناء الغامض منذ إنشائه فالبعض يراه منزلاً ذا طراز غريب، وآخرون يرون أن هذا الطراز المعماري غير مألوف لا بد أنه يحمل سراً، أو أنه ليس مجرد قصر للسكن. وحتى يومنا هذا لا تزال التساؤلات تطرح والتكهنات لا تنتهي.

عن هذا الأمر يقول  جورج، "أثار التصميم غير المألوف خيال الناس على مدار عقود، وارتبطت به العديد من القصص حتى أن البعض أشاع أن بناءه لهذا القصر لم يكن للسُكنى وإنما كان معبداً جنائزياً بُني في قلب الصحراء، صمم على طراز معبد أنكور وات كمبوديا، أحد أشهر المعابد الهندية البوذية، وهذا غير صحيح حيث عاش البارون وأسرته فعلاً في القصر خلال فترة وجوده بمصر، ولكن بالفعل صممت زخارف القصر على الطراز الهندي بنحت مشاهد من البوذية على رأسها تمثال بوذا، وشيفا، وبراهما".

يضيف، "قصر البارون أول قصر يشيد على هذا الطراز في مصر والشرق والأوسط، ولربما كان هذا هو أحد أسباب ارتباط القصر بالغموض والأسرار، التي لم تكتشف كلها حتى الآن، بالإضافة إلى ذلك ولتمييز القصر بصورة أكبر ارتفع البارون بقصره على تبه صناعية عالية في الوقت الذي شيدت فيه باقي القصور المحيطة على مستوى الطريق ليكون القصر أول ما يطالعه القادم إلى هذه المنطقة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تماثيل أوروبية الطراز

روعة قصر البارون ليست فقط في عمارته وتصميمه، وإنما في قطع فنية ذات قيمة كبيرة حرص البارون على اقتنائها لتزين قصره المهيب وليكشف اختياره لتصميم القصر وانتقائه لهذه القطع الفنية عن شخص محب ومقدر للفنون، وعن أهم التماثيل التي تزين مدخل القصر وقيمتها الفنية، يقول ياسر منجي، الناقد والمؤرخ الفني، "تزين ساحة قصر البارون خمسة تماثيل أوروبية الطراز تختلف عن المنحوتات ذات الطابع الآسيوي المميز لعمارة القصر؛ التمثال الأول يمثل شاباً عارياً يشرع في إعادة سيف بيده إلى غمده وهو نسخة مطابقة لتمثال ديفيد المنتصر للفنان أنطوان مرسييه المعروض بمتحف أورساي بفرنسا، أما التمثالان الثاني والثالث من الرخام وهما شبه متطابقين ويمثلان جسدا امرأتين ترتديان ثوبين على الطراز الروماني القديم يحملان توقيع (c.cordier)، وهو التوقيع المختصر لشارل كودييه، أحد أهم نحاتي القرن التاسع عشر بفرنسا، الذي استدعاه الخديوي إسماعيل ليكلفه بنحت تمثال إبراهيم باشا القائم حتى الآن بميدان الأوبرا بالقاهرة".

يضيف، "التمثال الرابع لسيدة تغطي صدرها بيدها اليسرى، وقد أمسكت باليمنى حزاماً ربط في قرني عنز يميل برأسها للأمام، وهو أقل التماثيل تعرضاً للتلف وهو نسخة لأحد مقتنيات متحف اللوفر نفذه النحات الفرنسي الشهير بيتر جوليان. وهو مستوحى من أسطورة أماليثا وعنزة جوبيتر. أما التمثال الخامس وهو حالياً مفقود الرأس والذراع الأيسر ويجسد تكويناً لرجل جالس على جذع شجرة مقطوع وبمطابقته بصورة قديمة وجد أن الرأس كان مائلاً للأمام، وكأنه يتطلع لشيء أسفله مع وجود زهرة النرجس على جذع الشجرة، وهو ما يرمز لـ"نارسيس"، صاحب الأسطورة الشهيرة التي تروي افتتانه بوسامته، ويحمل توقيع الفنان والمعماري الفرنسي المعروف "أنطوان جارنو".

 

 

لغز التمثال المفقود

من بين ألغاز القصر، التي لم يتم حلها ظهور تمثال في الصور القديمة لقصر البارون واختفائه منذ سنوات طويلة، فأين ذهب التمثال ولماذا هذا التمثال تحديداً دون غيره؟ وهل تم حل هذا اللغز وإيجاد تفسير لهذا الاختفاء؟

يقول منجي، "هناك قاعدة خرسانية خاليه مقابلة لبوابة القصر الرئيسة، حيث يظهر في صورة وثائقية قديمة على هذه القاعدة تمثال يمثل مشهداً لشخص في وضع حركي عنيف تبدو منه محاوله لتفادي طائر جارح ضخم، ولكن كان لا بد من البحث عن مصدر موثق للصورة وهو ما حدث بالفعل حيث وجدت في أرشيف المصورين الشهيرين رودلف لينوت وأرنست لاندروك. ومع البحث وجد أن هذا التمثال يتطابق مع أحد أعمال النحات البلجيكي المشهور جوزيف لامبو وهو تمثال يحمل اسم "سارق عش النسر" وإحدى نسخ هذا التمثال موجودة في المتحف الملكي للفنون الجميلة ببلجيكا.

يضيف، "تخبر البيانات الموثقة للتمثال بالمتحف أن هذه النسخة كانت من مقتنيات عائلة إدوارد إمبان في بروكسل، وانتقلت إلى المتحف عام 1991، وهذا يطرح سؤالاً مهماً هل كان البارون يقتني نسختين من التمثال الأولى بقصره في القاهرة والأخيرة في بلجيكا؟ أم أنها كانت نسخة واحدة في القاهرة وانتقلت عن طريق ورثة البارون إلى بلجيكا ووصلت المتحف؟، وإن صدق هذا الافتراض فلماذا اختار ورثه البارون هذا التمثال دون غيره لنقله إلى بلجيكا مع أن هناك ما يفوقه قيمه وشهرة؟ كلها افتراضات وتساؤلات خاضعة للبحث طالما لم تظهر وثائق قطعية الثبوت تحسم الأمر".