Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نقاد مصريون يأخذون على اليونسكو حصرها الزجل بالهوية اللبنانية

سجال أثاره مقال في "اندبندنت عربية" وأسئلة تطرح حول أصول هذا الفن الشعبي العربي   

حفلة زجل لبناني بريشة الفنان بيار صادق (موقع الفنان)

أثار مقال للزميل فيديل سبيتي نشره موقع "إندبندنت عربية" في 22  يونيو(حزيران) بعنوان "فن الزجل أندلسي أم عربي أم لبناني؟"، جدلاً في أوساط ثقافية وأكاديمية مصرية، ما بين مؤيد للجهود اللبنانية لتوثيق هذا العنصر على قوائم اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ومعارض لاعتبار أصل هذا الفن لبنانياً. وقالت عضو لجنة التراث الثقافي غير المادي في المجلس الأعلى المصري للثقافة الدكتورة نهلة إمام، لـ"اندبندت عربية" إن تسجيل لبنان الزجل على قوائم اليونسكو تمَّ في العام 2014، وذلك لا يعني حرمان دول أخرى من الحق نفسه،  طالما أن هذا العنصر الثقافي موجود عندها.

وأشارت إمام إلى أنه في العام نفسه سجلت مصر على قوائم اليونسكو عنصر "النخلة" واشتركت في هذا الملف 16 دولة عربية، منها فلسطين ودول مجلس التعاون الخليجي، وأبدت ماليزيا ودول في أميركا الجنوبية الرغبة في الانضمام إلينا في هذا العنصر، لأن النخلة عنصر ثقافي عندهم أيضاً.

وأوضحت إمام أن أسبقية  تسجيل عنصر من عناصر على قوائم اليونسكو لا يعني احتكار دولة ما لهذا العنصر، فالقضية ليست قضية سبق بل بالعكس يمكن أن تسجل دولة ما عنصراً معيناً، فتلفت انتباه دول أخرى إلى أن هذا العنصر موجود عندها، فتسعى إلى تسجيله سواء بالاشتراك في ملف الدولة التي سجلت أو عبر ملف جديد. وأضافت أن لبنان يستحق الشكر على أنه قدم هذا العنصر واستطاع تسجيله، ويمكن لأي دولة عربية أن تنضم إليه أو تنشئ ملفاً خاصاً بها، ولا يحق لليونسكو رفض تسجيل عنصر طالما توفرت فيه شروط القبول، "فنحن في مصر سجَّلنا "الأراجوز"، وهو موجود في بلدان أخرى مثل تركيا، وسجلنا السيرة الهلالية وهي موجودة في تونس".

ولفتت إمام إلى أن اليونسكو حين تسجل عنصر "الزجل في لبنان"، فإنه يمكن كذلك أن تسجل العنصر نفسه باسم دولة أخرى مثل مصر أو السعودية وسواهما ، مشيرة إلى أن من يفتعلون المشاكل في مثل هذه القضايا هم غير من المتخصصين والبعيدين عن مجال التراث الشعبي، ولا يعرفون آلية عمل اليونسكو، ظانين أن أسبقية دولة ما بالتسجيل تعني حرمان بقية الدول التي لديها العنصر نفسه من تسجيله باسمها. وترى أن المعترضين في مصر على تسجيل لبنان الزجل باسمه، عليهم أن يبذلوا هذا الجهد في إضافة الزجل المصري إلى قوائم اليونسكو من خلال التواصل مع اللبنانين الذين قدموا هذا الملف، أو بتقديم ملف جديد، وهذا أفضل من الاعتراض دون طائل.

الصحافة الساخرة

ويقول رئيس قسم المسرح في كلية الآداب في جامعة حلوان نبيل بهجت، والذي كان له الفضل في تقديم ملف "الأرجوز" الذي تم وضعه على قوائم اليونسكو للتراث غير المادي عام 2018 إن الفنون الشعبية فنون إنسانية تشترك في نشأتها زمنياً ومكانياً؛ وبعضها يزدهر في غير مكان نشأته.

وأضاف أنه إذا كانت نشأة الزجل ارتبطت بالأندلس، فإنه استقر وازدهر في مصر منذ عقود بعيدة، وتؤكد ذلك دراسة أحمد صادق الجمَّال "الأدب العامي في مصر المملوكية"، كما يؤكده كتاب أبو بثينة "الزجل والزجالون"، كما ارتبط الزجل بالصحافة الساخرة على مر العصور، وأيضا استخدم كسلاح في المعارك السياسية في عشرينيات القرن الماضي. وأوضح أن الزجل كان هو الحركة الشعرية الأوسع انتشاراً والأكثر تداولاً من قصيدة الفصحى في النصف الأول من القرن العشرين، وكان لمصر شعراء كبار في هذا اللون؛ منهم بديع خيري وبيرم التونسي ومحمد إمام ومحمود رمزي نظيم ومحمد عبد المنعم أبو بثينة، ويونس القاضي.

وأكد بهجت أن الزجل مازال واحداً من الألوان الشعرية الشعبية المهمة في مصر وسبق لبنان في تسجيله كما سبقتنا سوريا في تسجيل "خيال الظل"، لافتاً إلى أن هذا يدل على تقصير واضح من جانب المؤسسات المسؤولة عن التراث الشعبي التي قضت أعماراً بحثا عن التمويلات التي لا طائل منها غير إفساد المناخ البحثي. وذكر أن كل من يقترب من ملفات التراث اللامادي سيجد فئة تهيمن عليه لتوزع دمه بين القبائل وينفرد قناصو التمويلات بالغنائم وينمحي التراث الشعبي من ذاكرة الأمة. وأضاف بهجت: "لنراجع التمويلات التي دخلت مصر في مجال التراث الشعبي وما أنجز على أرض الواقع وأين هو، لنكتشف أن المنظومة التي يدار بها هذا الملف تصل بنا كل مرة للنتائج ذاتها؛ لأنها تصب في أغلبها في جيوب صائدي التمويلات".

لا معايير جاهزة

وقال خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة، وعضو لجنة الأدب الشعبي في المجلس الأعلى المصري للثقافة: "لديَّ الكثير من التحفظات على أداء منظمة اليونسكو، فهي ليست معنية في المقام الأول بصون التراث العالمي، وتهدف في الكثير من الأحيان إلى إذكاء الصراع بين الدول، فهناك الكثير من التراث مشترك بين العديد من دول العالم، فحين تسجله باسم دولة بعينها دون أخرى تشاركه، فهي بذلك لا تسعى للحفاظ عليه".

وأضاف أبو الليل: "هناك سؤال شديد الأهمية في ما يتعلق بضم عنصر من العناصر إلى قائمة التراث: ما قيمة ذلك؟ فهناك ثلاث قوائم؛ الأولى تمثيلية ذات طابع شرفي فقط لدولة، والثاني قوائم الصون، والثالث الصون العاجل، ويحصل العنصر على نحو 300 ألف دولار، في النهاية لا تذهب إلى أصحاب العنصر المسجَّل، ولا يستفيدون منها شيئاً، وبالتالي لا يستفيد منها العنصر المراد حفظه وصونه. في مصر هناك ثلاثة عناصر تمَّ تسجيلها: السيرة الهلالية والتحطيب والأراجوز، اثنان منها كانا بدعم مادي لم يصل بشكل حقيقي للعنصر المسجل واستفاد منه أناس آخرون، أما العنصر الثالث فلم يتم تقديم ملفه كاملاً عن قصد لليونسكو؛ لأن هناك مَن أردوا ألا يحصل على الدعم المادي".

 

وأوضح أبو الليل أن أهم تحفظاته على اليونسكو "يتمثل في إصرارهم على إبعاد الجانب التاريخي لأي عنصر يسجَّل، يطلب منك بشكل مباشر ألا تحدثه عن تاريخ العنصر وإنما عن حاضره، وهي فكرة شديد الخطورة إذ أنها تساوي بين الحضارات، وتساعد دولاً بعينها على السطو على تاريخ ومنجزات حضارية لدول أخرى، فإبعاد العنصر التاريخي يسمح مثلاً لدولة مثل اليابان بأن تأخذ أكلة الكشري وتسجلها على قوائمها، بمجرد فتح مطعم هناك لها، والتقاط عدد من الصور لزبائن يأكلون في المطعم. وهكذا يتاح للدولة الغنية أن تسرق تراث دول أفريقية فقيرة. إبعاد الجانب التاريخي يصب في صالح دول حديثة ليست لها جذور مثل أميركا وإسرائيل، فانظر كم من عنصر سطت عليه وسجلته هذه الدول مقابل دولة مثل مصر، سجَّلت ثلاثة عناصر فقط مع أنك تستطيع من محافظة مصرية واحدة في مصر أن تخرج بألف عنصر وتسجلها. إبعاد التاريخ يتم بشكل عمدي لصالح دول بعينها".

فن فردي

وأضاف: "تجب الإشارة هنا إلى قضية في غاية الأهمية في تسجيل العناصر، فهي لا تخضع لمعيار أهمية العنصر المسجَّل، بقدر ما تعتمد على "التربيطات" التي تتم بين الدول وبعضها بعضاً، فالهدف من تسجيل عنصر أو آخر ليس الحفاظ عليه. وبالنسبة إلى تسجيل الزجل على أنه تراث لبناني، أقول إنه فن عربي بالأساس انطلاقاً من الأندلس، ثم أصبح له وجود في لهجات شتى في دول الخليج وفي دول شمال إفريقيا، وكان من الأفضل أن يصنع له ملف مشترك".

ويقول الباحث والشاعر مسعود شومان، صاحب  الدراسات  المتنوعة في حقلي الدراسات الشعبية والأنثروبولوجية، "إن الزجل فن شعري فردي مصري، يدلنا التاريخ على أنه انتشر بداية من الأندلس على يد الشاعر مدغليس، وليس ابن قزمان كما هو شائع". وأضاف شومان  أن الزجل في شكله القديم بمعنى كتابة الشعراء بالعامية أو بلهجة الناس أقدم في مصر من الإشارات التاريخية. ولفت شومان إلى أن نسبة الزجل للبنان تمثل "سرقة" لحقوق بقية الدول العربية التي يزدهر فيها الزجل، كما أن تصنيفه تحت جنس الأدب الشعبي يحتاج إلى تدقيق، فهو أدب فردي، وبافتراض أنه شعرشعبي، فكان واجباً أن يسجَّل تسجيلاً عربياً مشتركاً لأهم الدول التي ينتشر فيها وعلى رأسها مصر.

المزيد من ثقافة