Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الضريبة المستترة تخفض قيمة الجنيه السوداني بنسبة 120 في المئة

تأثيرات إيجابية متوقعة بعد اتخاذ اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية إجراءات للنهوض الاقتصادي

شبان سودانيون من الذين شاركوا في الثورة الشعبية يرسمون على جدار في حي أركويت في الخرطوم  (أ ف ب)

أرجع اقتصاديون سودانيون استمرار تدهور قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار الأميركي، واتساع الفجوة بين سعر الصرف في القنوات الرسمية (المصارف)، والسوق الموازية بأكثر من 120 في المئة، إلى خلل في السياسات الاقتصادية المتبعة التي تعتمد على الضريبة المستترة، وضعف الأداء الحكومي في جانبه الاقتصادي، فضلاً عن سوء إدارة سعر الصرف.

وأشار هؤلاء الاقتصاديون في حديثهم لـ "اندبندنت عربية" إلى أن تحسن الاقتصاد السوداني مربوط بانتهاج سياسة اقتصادية جديدة قائمة على تنويع الإنتاج وتوجيهه إلى التصدير بدلاً من استهلاكه محلياً، فضلاً عن ضخ استثمارات في مجال البنى التحتية، والحصول على دعم خارجي بقيمة 5 مليارات دولار تقريباً، متوقعين أن تحدث الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية في البلاد أثراً إيجابياً للنهوض بالاقتصاد والعملة السودانيتين.
 

أزمة الدولار
 

ويوضح أستاذ الاقتصاد السياسي حسن بشير محمد نور أن "أزمة الدولار في السودان تُعتبر مربط فرس الاقتصاد السوداني، لكن من وجهة نظري هناك محاولات جادة الآن للسيطرة على هذه الأزمة من خلال الإجراءات التي اتبعتها اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية، ومن أهمها إطلاق محفظة محلية بقيمة مليار دولار بمساهمة القطاع الخاص، وإنهاء احتكار الدولة شراء الذهب من المنتجين بأسعار متدنية، وذلك بتحديد السعر وفق أسعار البورصات الخارجية، والسماح بتصديره بواسطة شركات الامتياز، مع منع الأفراد والجهات الحكومية من التصدير، فضلاً عن جهود لجنة إزالة التمكين التي ساهمت بشكل جيد في الدعم الحكومي". ولفت إلى "ضرورة معالجة قضية الشركات التابعة للأجهزة العسكرية والأمنية باستحواذها على جزء كبير من الكعكة الاقتصادية، عبر توجيه إيراداتها إلى الميزانية العامة ودعم الاقتصاد الوطني".

وأردف نور إن "السودان يحتاج إلى استثمارات في مجال البنى التحتية ودعم الصادرات، كما يحتاج إلى دعم خارجي مقدَر بحدود 5 مليارات دولار لإحداث استقرار اقتصادي وتقليل معدلات التضخم، وثبات سعر الصرف. ويجب أن يتجه الاقتصاد نحو مسار النمو والإنتاج الحقيقي. ويحتاج السودان أيضاً أن ينهي رفع اسمه من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وما صاحبها من عقوبات اقتصادية، لما شكلته من عقبة أقعدت الاقتصاد السوداني سنوات طويلة. وعلى الرغم من معرفتنا أن هناك إجراءات تسير في الاتجاه الصحيح ما يشكل دعماً قوياً وأثراً إيجابياً كبيرين، كما أتوقع أن يشكل مؤتمر أصدقاء السودان الذي عقد الخميس 25 يونيو (حزيران) الحالي، ضغطاً على الموقف الأميركي، وهو بلا شك دعم سياسي قوي للحكومة السودانية الانتقالية، لكن الملاحَظ هو أن المنح المقدمة كانت مشروطة وموجهة نحو أهداف محددة، كما أن الدعم الاجتماعي والنقد المباشر هما تمهيد لرفع الدعم والعمل بتوجهات سياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي".
 

فجوة كبيرة
 

وزاد نور أن "مشكلة النقد الأجنبي، تتمثل أساساً في أن هناك فجوة كبيرة في احتياطات النقد، وحلها يتطلب ردم الهوة كي يتراجع سعر الصرف، ويكون هناك توازن. كما توجد مشكلة في العجز، فعندما كان السودان يصدّر النفط لم يكن هناك فارق بين السعر الرسمي لصرف الدولار، وسعره في السوق الموازية، لكن الآن بعد استحداث المحفظة المالية التي ستدعم الصادرات، وما اتُخذ من إجراءات بشأن الذهب، ونجاح الموسم الزراعي بإنتاج كميات كبيرة من القمح، والسيطرة على الصادرات والتهريب، يمكن أن يسترد الاقتصاد الوطني جزءاً من عافيته، وبالتالي تُحل معضلة الدولار بتوفره بكميات معقولة في خزانة الدولة".

وأشار أستاذ الاقتصاد السياسي إلى أهمية توجيه الإنفاق نحو التنمية والخدمات والقطاع الخاص، "لأنه كلما زادت الإنتاجية ظهرت نتائجها على أرض الواقع، أي على الاقتصاد عموماً، لكن من المشكلات الرئيسة، ضعف مؤشر الادخار على الرغم من أهميته، بحيث أن معظم الدخل يذهب إلى الاستهلاك، بمعنى أن الاقتصاد يأكل من أسنانه"، لافتاً أيضاً إلى أهمية رفع مستوى أداء وكفاءة الحكومة، "لأن ما يحدث حالياً من إخفاقات بخاصة في تدهور قيمة العملة السودانية مقابل الدولار عائد إلى ضعف الأداء الحكومي كونه أقل من المطلوب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


إصلاح السياسات


في سياق متصل، عزا وزير الدولة السوداني للمالية السابق، عز الدين إبراهيم، الارتفاع المستمر لسعر الدولار مقابل الجنيه السوداني، والفارق الكبير بين سعره الرسمي المحدد من قبل بنك السودان المركزي والسوق الموازية لسببين "السبب الأول قصير المدى يتعلق بإدارة سعر الصرف، حيث أن الكثير من عائد الصادرات، وتحويلات المغتربين السودانيين لا تدخل في القنوات الرسمية المتمثلة بالمصارف، بل تذهب إلى السوق الموازية بسبب إفرازات سعر الصرف، وهناك كثيرون يعزون ذلك إلى جشع التجار، لكن معروف أن السوق بشكل عام عبارة عن رد فعل على السياسات المتبعة، فهو مثل المرآة تعكس ما يوجد من أخطاء، لذلك فإن إصلاح سعر الصرف مرتبط بإصلاح السياسات. وفي النهاية، السوق الموازية هي سوق سودانية تحتكم إلى التوجهات القائمة، وليست إستراتيجية محددة". وأضاف إبراهيم أن "السبب الثاني مرتبط بهيكلة الاقتصاد السوداني، فاقتصادنا معروف أنه زراعي ينتج سلعاً خاماً قليلة القيمة، فضلاً عما يعتريها من مشاكل في التصدير، بالتالي لا بد من تنويع الاقتصاد كما فعلت ماليزيا في عهد رئيس وزرائها السابق مهاتير محمد، فالسودان محتاج لأن ينتهج سياسة اقتصادية جديدة قائمة على تنويع إنتاجه وتوجيهه إلى التصدير بدلاً من الاستهلاك المحلي، لذلك تجد أن صادراته منخفضة مقارنةً بما يتمتع به من مساحات زراعية كبيرة، وموارد مائية وفيرة، وأيدٍ عاملة. كما يمكن أيضاً التركيز على التصنيع الزراعي، بدلاً من تصدير السلع خام، وهذا التوجه على الرغم من مميزاته الجيدة، لكنه ليس كافياً لأنه محاط بالمخاطر في حالة قلة الأمطار في بعض المناطق، ما قد يؤدي إلى فشل الموسم الزراعي، ما يعطّل عجلة التصنيع، لذلك لا بد من التوازن بين الصناعات الزراعية والصناعات غير الزراعية مثل الإسمنت والحديد والأدوية والصناعات الثقيلة، أي أن يتم التوسع في المجالين مع توجيهما نحو التصدير".

وزاد إبراهيم "للأسف نحن في السودان أهملنا قطاعاً مهماً في الاقتصاد، وهو قطاع الخدمات الذي يشكل 60 في المئة من الموارد الاقتصادية كالسياحة والعلاج والتعليم، حيث كان يجب توسعيها لتغطية الطلب الكبير عليها من دول الجوار، وكذلك الاستفادة من موقع السودان كدولة عبور، سواء في مجال نفط جنوب السودان، والطيران العابر، وإنشاء طرق برية عابرة لدول الجوار، فضلاً عن الاستفادة من الموانئ السودانية، فكل هذه المجالات إذا ما تم التركيز عليها سيكون لها أثر إيجابي في الاقتصاد السوداني، وحل مشكلة العملة الأجنبية التي تعاني منها البلاد". ودعا إلى "إعادة النظر في سياسات الهجرة للعمالة السودانية (الاغتراب)، فبدلاً من أن تكون بمجهود فردي، تنتهج الدولة سياسة قائمة على التنبؤ بسوق العمل العالمي كما تفعل دول أخرى، أبرزها الفيليبين، وذلك بمتابعة احتياجات الأسواق المختلفة والعمل على تغذيتها بالعمالة السودانية المدربة والمؤهلة وفق برنامج تدريبي ذات جودة عالية ومعايير متقدمة".
 

الضريبة المستترة

وانتقد الوزير السابق "السياسة الاقتصادية المتبعة منذ سبعينيات القرن الماضي في السودان، والتي تستند إلى مدرسة محلية باعتمادها على التمويل بالعجز بدلاً من التوسع في المجالات التنموية، وذلك بالاستدانة من البنك المركزي من خلال تمويل الموازنة العامة من الضرائب المستترة، ما أدخل البلاد في دوامة المشكلات الاقتصادية التي يعانيها اليوم ومنها نقص العملات الأجنبية، لأن هذه السياسة المالية أدت إلى ارتفاع التضخم الذي بلغ الشهر الماضي 114 في المئة، كما شوّهت الاقتصاد الوطني بدرجة كبيرة يصعب معها إصلاحه بسهولة".

وأشار أيضاً إلى أن "خطوة زيادة مرتبات موظفي الدولة التي تمت أخيراً بنسبة تتجاوز الـ 500 في المئة، لم تكن موفقة لأنها تعتمد على التمويل من موارد محلية بالاستدانة من البنك المركزي. كما أن شبكة الأمان الخاصة بتغطية 80 في المئة من الفقراء مبنية على إحصاءات وتوجهات رخوة، لأن ما تعطيه الدولة من فلوس تذهب إلى الاستهلاك في ظل اقتصاد منهك، وليس إلى الادخار، ما يؤدي إلى تدهور قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية".

وحول الدعم الذي قدمه أصدقاء السودان إلى الحكومة الانتقالية وبلغ 1.8 مليار دولار، ومدى مساهمته في حل المشكلات الاقتصادية ومن أهمها نقص العملات الأجنبية، أوضح إبراهيم أن "هذه المبالغ التي قدمها أصدقاء السودان هي عبارة عن تعهدات غير معروف أجلها، وغير محددة الزمن، وبحسب تجربتنا في مسألة التعهدات، لا يكون هناك التزام مئة في المئة، فهي مربوطة بظروف تلك البلدان والتقلبات السياسية، لكن كروح عامة تُعتبر جيدة ودفعة معنوية عالية، ويبقى الإشكال في التنفيذ".