Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف وصلت إثيوبيا إلى خط النهاية في ملف سد النهضة؟

مصر لديها خيارات لم تطرحها بعد والإدارة الأميركية بإمكانها حسم الأمر

مع فشل جولة المفاوضات الأخيرة بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا، فإن السؤال المطروح هو إلى أين ستذهب مصر؟ وهل الحل في الاتجاه إلى مجلس الأمن والبدء في مسار تدويل الملف وقطع الاتصالات الرسمية مع أديس أبابا؟ ومن ثم البحث عن خيارات بديلة ما بين وسيط جديد أو الدخول في مفاوضات أخرى على أرضية أفكار جديدة، خصوصاً أن الإشكالية الحقيقية مرتبطة بالاتفاق على قواعد الملء والتشغيل والدور المفترض أن تباشره الدول الثلاث وليس إثيوبيا فقط. كيف وصلت هذه الدولة محدودة الإمكانات والقدرات إلى خط النهاية، وعلى ما تقامر وتراهن؟

وقائع مستجدة

حقق المفاوض المصري في الجولة الأخيرة من المفاوضات عِدة إنجازات أهمها الدفاع عن حقوق مصر المائية في إطار القانون الدولي، وإبراز الدور الإثيوبي في إنكار أساسيات القانون الدولي أمام المراقبين الدوليين، وإيضاح عدم جدوى التفاوض مع إثيوبيا، لكن في الوقت ذاته لم يشر الخلاف بين بيان وزارة الري المصرية والبيان السوداني إلى أي إنجاز فني في المفاوضات، لأنه لا قيمة له نظراُ إلى رفض أديس أبابا التقيد به في الاتفاقية، بل الاكتفاء به للإرشاد وأن يكون لها مطلق الحرية في تغيير أي معايير فنية وبالقدر الذي تراه.

على الجانب الآخر، رفضت أثيوبيا خلال مناقشة الجوانب القانونية أن تقوم الدول الثلاث بإبرام اتفاقية ملزمة وفق القانون الدولي، وتمسكت بالتوصل إلى مجرد قواعد إرشادية يمكن لها أن تعدِّلها بشكل منفرد، كما سعت إلى الحصول على حقٍ مطلق في إقامة مشروعات في أعالي النيل الأزرق، فضلاً عن رفضها الموافقة على أن يتضمن الاتفاق آلية قانونية ملزمة لفض النزاعات، كما اعترضت على تضمين الاتفاق إجراءات ذات فعالية لمجابهة الجفاف.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن مخزون المياه في السد العالي القابل للسحب يبلغ 90 مليار متر مكعب، بالتالي سيتم إفراغ معظم هذا المخزون في أثناء فترة ملء سد النهضة، وإذا ما حدث ذلك ستكون مصر معرضة للخطر في سنوات الجفاف، كما كان الحال قبل بناء السد العالي، وتبور الأراضي، وتتعرض البلاد لمشكلات كبيرة نظراً لغياب دور السد العالي.

 

وفي المقابل سيستخدم السودان حصته كاملة أثناء الملء، بالتالي سيقل الوارد من المياه إلى مصر بمقدار تخزين سد النهضة السنوي، وذلك اعتماداً على قيام مصر بتعويض هذا العجز بالسحب المائي من مخزون السد العالي.

إن مد فترة ملء سد النهضة بالقدر الذي يسمح بوجود فيضانات عالية تعوض جزءاً من نقص المخزون بحيث لا يقل منسوب المياه أمام السد العالي عن منسوب حرج (165 متراً)، وهو الأدنى الذي يستطيع حماية مصر من موجات الجفاف المتوقعة، وذلك بهدف تقليل معدلات التخزين أمام سد النهضة في سنوات الجفاف لضمان عدم نزول منسوب مخزون السد العالي عن الحد الحرج.

المسلسل الأخير

يمكن التأكيد على بعض المعطيات الراسخة التي راهنت عليها إثيوبيا ونجحت في الوصول إلى هدفها مع نهايات الجولة الأخيرة وما قبلها:

- استمرار الدعم الغربي، خصوصاً في مراحل بناء السد، وهو ما تنامى بصورة كبيرة في الفترة الماضية انطلاقاً من فكرة المصالح المتبادلة والفوائد المشتركة، وكان الدعم المتعدد لدول مثل الصين وإيطاليا وفرنسا، وهو ما سيكون مدخلاً لدور لاحق في التشغيل والتفعيل لاحقاً، ولن يتوقف عند الاستثمار فقط. الصين بنت خطوط سكك حديد تعمل بالكهرباء لربط جيبوتي وإثيوبيا، كما تبرعت بـ200 مليون دولار لبناء مقر الاتحاد الأفريقي، وقامت بتطوير مطار أديس أبابا وتمويل وبناء سد تيكيزي. ويشار إلى أن إثيوبيا أصدرت قانون استثمارات جديد لجذب الاستثمارات الأجنبية.

- استمرار الدعم العربي الكبير والموجه باستثمارات ضخمة، وهو ما دفع أديس أبابا للترويج لمسألة أن شركات وبنوك عربية بل ومصرية أسهمت في بناء السد طوال المراحل الأولى وصولاً إلى الوقت الراهن، وهو ما انطبق أيضاً على دور غير معلن لإسرائيل في تمويل ودعم مراحل البناء عبر مصرفها المركزي، ثم تأمينه عسكرياً من خلال نظام دفاعي محكم بصرف النظر عن فعاليته، إضافة إلى تركيا التي وفرت 10 آلاف فرصة عمل من خلال 350 شركة تركية موجودة في اثيوبيا، وهناك مخطط لتدشين منطقة تجارة مشتركة.

- وجود الولايات المتحدة في قلب التفاصيل الفنية والسياسية قبل وبعد قيامها بممارسة دور المراقب ثم الوسيط المباشر، وكان ما جرى في واشنطن مدخلاً لدور أميركي بارز لكنه في النهاية لم يستطع أن يمارس ضغوطاته على الجانب الإثيوبي لتوقيع الاتفاق، بل ومرت عدة أسابيع كاملة من دون حسم لإفساح المجال أمام إثيوبيا للوصول إلى البدء في الملء، كما جاء تصريح مجلس الأمن القومي الأميركي الذى يدعو أديس أبابا إلى التوجه إلى حلٍ عادل قبل الملء الأول، يؤكد الموقف الأميركي السابق إعلانه في مفاوضات واشنطن، وهو رسالة واضحة بتحميل إثيوبيا مسؤولية فشل المفاوضات. والمعروف أن إثيوبيا هي أكبر متلقٍ للمساعدات الأميركية في الجنوب بقيمة مليار دولار إضافة إلى مساعدات غير منظورة.

- ارتباك الموقف الأفريقي لدول حوض النيل من جانب ومراوغات الجانب السوداني من جانب آخر، وبرغم تغيُر هذا الموقف واقترابه من الموقف المصري أخيراً، فإن السودان لا يزال يتعامل كوسيط أقرب منه إلى الشريك، وهو ما يجب الانتباه إليه لاحقاً في أي خطوة قد تقدِم عليها مصر ويكون السودان طرفاً فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

- الدعم الإسرائيلي اللا محدود للجانب الإثيوبي عبر تقديم خبراته السياسية والاستراتيجية، وهو ما دفع أديس أبابا إلى الاستمرار في نهجها التفاوضي المفتوح، كما سهّلت الدبلوماسية الإسرائيلية الكثير من النصائح والإرشادات الممتدة طوال سنوات للجانب الإثيوبي، حيث قام الأكاديمي الإسرائيلي الشهير أرنون سوفير، صاحب كتاب "نهر يلتهب"، وآخرون من الأكاديميين الإسرائيليين والخبراء السياسيين، بالمشاركة في وضع استراتيجية التفاوض الإثيوبي وتحركت في تنفيذها عبر سنوات إتمام المشروع والقائمة على نهج إسرائيلي في التفاوض المفتوح، والتنصل من أي التزامات نهائية. وهناك 70 مستثمراً إسرائيلياً يعملون في مجال إنشاء محطات الكهرباء والوقود والكهرباء.

- الارتكان إلى الداخل الإثيوبي، فليس صحيحاً أن الداخل الممزق والهش والصراعات الإثنية كانت سبباً معوقاً يمكن الإرتكان إليه في عدم الإنجاز، بل على العكس كانت مسألة بناء السد مشروعاً وطنياً حظي بإجماع سياسي شامل، ونجح النظام الإثيوبي في تصوير الأمر على أنه ماسٌ ببقاء ووجودية الدولة، وأن مصر تريد السطو على المياه بمفردها، وهو ما برز في خطاب إعلامي وسياسي واضح وموجه إلى الشعب الإثيوبي في عمومه، وليس لإثنية واحدة على الرغم من التسليم بوجود خلافات وصراعات داخلية معلومة.

- الاعتماد على دعم مؤسسات التمويل الكبرى، سواء البنك الدولي أو مؤسسات التمويل المتعددة التي ضخت استثمارات ومساعدات كبيرة، ولن تقبل في كل الأحوال المساس بالسد أو الاقتراب منه، خصوصاً أن تأمينه مسبقاً كان مهماً وحظي باهتمام كبير في أثناء مراحل البناء تحسباً لقيام مصر بتوجيه ضربة استباقية للسد، ومع مرور الوقت استقوى الجانب الإثيوبي خصوصاً مع وجود أطراف دولية وأجهزة معلومات ودول معادية لمصر كانت ولا تزال تسعى إلى إيقاع الضرر بمصر بعد أن فشلت محاولاتها في هز الاستقرار الداخلي.

المسارات المصرية

المسار الأول: مجلس الأمن وهو المتوقع والمعلن، وإن كان سيحتاج هذا المسار إلى جهد مصري كبير، وترتيب دبلوماسي كامل من جانب القاهرة مع دول المجلس الدائمين وغير الدائمين، وقد يكون نقل الملف إلى مجلس الأمن الخطوة الأولى لتدويل الأمر بصرف النظر عن إمكانية صدور قرار من المجلس بوقف التشغيل بسياسة الأمر الواقع والانتظار إلى حين أن يتم التوافق، وهو أمر يحتاج إلى تنسيق وجهد مصري ودعم من أميركا وفرنسا وروسيا وبريطانيا والصين، أي الدول دائمة العضوية، فهل ستترك إثيوبيا الأمر لمصر أم أنها ستلجأ إلى الخطة (باء) وعرقلة هذه الخطوات في مهدها؟

المسار الثاني: التحرك تجاه المؤسسات والهيئات المانحة لوقف عملها في السد، وهو أمر يتطلب تحركاً دولياً كبيراً للضغط بقرار دولي ملزم بوقف ما تقوم به هذه المنظمات والدول التي تقف وراءها وهو قرار مشابه لوقف الشركات والمؤسسات الدولية التي تعمل في المستوطنات الإسرائيلية وتجريم العمل معها. وستحتاج مصر إلى جهد متراكم للوصول إلى هذا الأمر في إطار حرب مفتوحة دبلوماسية مع إثيوبيا ستستخدم فيها كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة للوصول إلى الهدف الاستراتيجي، وهو تعطيل تشغيل السد ما لم يتم الاتفاق بشأن قواعد العمل.

 

المسار الثالث: إعادة التفاوض بناء على دخول وسطاء جُدد إلى جانب الوسيط الأميركي، وهو الأمر الذي قد يوسع دائرة التفاوض ويكسب الجانب الإثيوبي مزيداً من التحدي في ظل كسب الوقت والاستقواء بالجانب الأميركي، الذي قد لا يقبل فعلياً إطاراً أوسع للتفاوض، حيث لا توجد سوابق مشابهة لهذا الأمر، بل على العكس قد تضع الولايات المتحدة عراقيل وعثرات أمام مصر لتحقيق ذلك والتي ستخسر رهانها في حال تمدد عمل المفاوضات من دون الوصول إلى نقاط محددة وحاسمة، وسيكون الرابح الأول والأخير الجانب الإثيوبي.

المسار الرابع: القبول ببقاء التفاوض المفتوح، ومن دون إطار زمني وصولاً إلى مرحلة الملء الكامل في الخريف المقبل، وربما يكون هناك انفراجة في الموقف مع عدم التعويل على احتمالات انهيار المشهد السياسي في إثيوبيا، أو تغير مواقف السودان أو رحيل الإدارة الأميركية الحالية والبدء من جديد، إضافة إلى اتباع مصر استراتيجية غير معلنة لتحقيق أهدافها مع الدخول في مقايضات إقليمية ودولية جديدة لا تقترب أو تقر بتحقيق الأغراض الإثيوبية من استمرار التعنت، ومنها إعادة تدوير فكرة تسعير مياه مقابل النفط أو إدخال أطراف إقليمية كبرى مثل إسرائيل في أي تفاوض مستجد، وهو ما تضعه مصر في تقييماتها.

المسار الخامس: حدوث توافقات مصرية عربية أفريقية تدفع بتجميد الاستثمارات العربية، وتغيير مواقف الدول الأفريقية ودخول الاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية على خط دعم مصر بصورة مباشرة، ما يضع إثيوبيا في دائرة محددة بهدف محاصرة سياسات أديس أبابا في الإقليم بأكمله، خصوصاً أن تمدد الدور الإثيوبي سيحتاج إلى مراجعات من دول عربية وأفريقية، كما يحتاج إلى جهد عربي داعم لمصر، وسياسات حقيقية وليست أنصاف حلول مع اتباع قاعدة النفعية لكل طرف،  وليس لمصر فقط.

المسار السادس: الذهاب إلى إجراءات تكتيكية متعددة في حال الصدام بكل الخيارات السابقة وتعطل مسار التوصل إلى حل، وهو ما سينقل مصر إلى دائرة أخرى من التعامل السياسي إلى اتباع استراتيجية دفع إثيوبيا إلى حافة الهاوية والعمل بإجراءات منفردة حتى مع بدء الملء اعتماداً على استراتيجية صفرية تحفظ  كامل الحقوق المصرية، وتقر المعطيات المصرية في ملف الأمن المائي بأكمله، مع حسم مسألة بناء سدود جديدة وبصورة قاطعة.

الخلاصات   

إن فشل المفاوضات الأخيرة أفضل من التوصل إلى اتفاق جزئي، مع التأكيد على أن تأجيل إثيوبيا الملء لشهور أفضل لها من الملء المنفرد وتبعاته. ومع التأكيد أيضاً على وجود وقت طويل قد يصل إلى 12 شهراً أمام مصر للرد  والتعامل حال الملء المنفرد من جانب أديس أبابا. وفي ظل عدم السماح بتخطي حاجز الأمان للأمن المائي المصري مع ضرورة التمسك بكل ما جرى الاتفاق عليه في وثيقة واشنطن بين الأطراف الثلاثة بخصوص ملء السد وتشغيله تحت الطروف الهيدرولوجية المختلفة للنيل الأزرق. وبالطبع فإن القاهرة لن تكون عاجزة عن إيجاد الحلول والحسم وفقاً لمسارات تحركها المتعددة مهما كلفها الأمر، لأن المياه هي الحياة بالنسبة إلى المصريين.

المزيد من تحلیل