Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كليات الفنون تستقر في السعودية لتنكأ جراح جيل وتمنح الأمل لأجيال

الجامعات أو "الأميرة النائمة" كما لُقبت في الثمانينيات الميلادية تستعد للموسيقى والمسرح والسينما بثوب جديد وسط ترحيب الشباب وتهنئة النخب التي فاتها القطار

تاريخ الفنون في السعودية غارق في دائرتي المحظور الديني والاجتهادات الفردية (جامعة الطائف)

من ثمار الانفتاح الثقافي الذي تعيشه السعودية، أنه حدَّ بشكل كبير من هجرة الفنانين التي شهدتها الأوساط المحلية إبان سطوة التيارات الدينية المتشددة، التي لم تتوقف آنذاك عن وصم الفنون، ومنعها داخل أروقة التعليم لحقبة طويلة، تخللتها ممارسات التضييق التي عانى منها أجيال من الموهوبين، الراغبين في التوجه إلى صناعات الفنون، بدءاً بالموسيقى، مروراً على المسرح، والسينما، مدفوعين بكلٍ من شغف التخصص فيها، والانخراط بالعمل في قطاعاتها المربحة داخل بلادهم من دون قيود حكومية أو وصمة عار يوجهها المجتمع لهم.

آخر المتغيرات التي تداولتها الأوساط الفنية، على وقع تغريدة بثّها وزير الثقافة السعودي، الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، الأسبوع الماضي، كانت تأسيس أولى كليات الفنون في جامعة الملك سعود، واعتماد بكالوريوس العلوم السينمائية في جامعة عفت الأهلية، وماجستير الأدب المسرحي في جامعة الملك عبد العزيز، ضمن قرارات من شأنها تمهيد الطريق لبقية الجامعات المحلية، التي حازت استقلالية ملحوظة في الآونة الأخيرة، في أن تفعّل دورها لرفد الحركة الفنية، وكسر القوالب النمطية أثناء اعتمادها البرامج الأكاديمية.

 

وبعدما سلّط السماح بإقامة الحفلات الغنائية والالتفات إلى الإرث الفني الذي تحفل به البلاد، الضوء على مطالب أخرى مثل إدخال الفنون في منظومة التعليم، جاء تأسيس وزارة الثقافة قبل عامين بمثابة الضوء القابع في آخر النفق، وعلى الرغم من انفراد الوزارة الشابّة بقطاع ضخم يتّسم بتعدد فروعه، فإن قراراتها ومبادراتها ظلت تتقاطع بشكل كبير مع وزارات أخرى كالتعليم، القلعة الغاصّة بصراع التيارات في السعودية.

لكن، وعلى غير العادة حلّت أنباء كليات الفنون وتخصصاتها بهدوء شابَهُ غيابٌ نسبيّ لمناوشات الماضي مقارنةً بالممانعة أو الانتقادات التي تواجهها القرارات المتّصفة بهذا التوجه، على الرغم من أن إدراج الفنون في مناهج التعليم يعد حدثاً رمزياً سيؤدي دوراً في الانقلاب على النظرة الشعبية التي تقتصر مزاولة الفنون في كونها هواية مرحلية، بينما تستحيل الآن لتصبح مهنة العمر ونافذة حياة لطلاب التعليم الجامعي تسهّل لهم التعبير عن دواخلهم، سواء كان ذلك عبر مشهد سينمائي، فصل مسرحي، أو معزوفة موسيقية.

 

قلاع تقبع تحت قبضة التشدد

تحرّض عودة التعليم السعودي إلى التنفس مجدداً، على النبش في السياق التاريخي، الذي يلخّص الناقد والأكاديمي السعودي عبدالله الغذامي، ملامحه في وصفه تأثير ما يُعرف بـ "حركة الصحوة" في الحياة العامة، عبر إيراده مشهداً اجتاح جامعات بلاده التي يصفها بـ "الأميرة النائمة"، حين لاحظ بروز توجهات شكلية بدأ الشباب في اعتناقها، مثل إطلاق اللحى وتقصير الثياب، أعقبها اختراق الحركة المتشددة عقول الطلاب الذين تزايد عددهم، حتى أنه غلب على القاعة الدراسية.

وفي غمرة تحولات عام 1987، بدءاً من تغيّر الجريدة التي اعتاد الطلاب على طيها عند دخولهم القاعة من "الرياضية" إلى "المسلمون"، وتبدّل لغتهم التي عمرتها الإحالات الدينية، إلى تراجع رائحة السجائر وأعقابها في الممرات، يقول الناقد المثير للجدل إنه لاحظ صدوداً عن محاضراته بسبب أطروحاته التي تُوصم بالحداثة، وتُتهم بالسعي إلى نسف تقاليد المجتمع، تحت إطار ما يعرف بـ "التغريب".

ما هو مدهش أن هذا المشهد الديني المحافظ، الذي استشهد به المؤلف في كتابه "ما بعد الصحوة"، جاء من أسوار جامعة الملك سعود التي تعتبر ثاني جامعة سعودية من حيث تاريخ التأسيس، والتي تفتخر بامتلاكها واحدة من أقوى الكليات الدينية نظراً إلى كوادرها المؤثرين عربياً، وفي ظل اعتزامها افتتاح أول كلية فنون، تقترب الجامعة السعودية من ضم الفنانين إلى حرمها، في مبادرة من شأنها أن تزيد من تعدد الأصوات وتشجع نظيراتها على البدء باعتماد برامج أكاديمية تدرّس المسرح، والسينما، والموسيقى، وغيرها من التخصصات.

 

"فلنفعلها الآن كما يجب"

في "الإرهابي 20"، إحدى الروايات السعودية الأكثر جدلاً، مرَّ بطل القصة، "زاهي الجبالي"، طيلة مراحل حياته، بتقلبات انتهت به إلى الوقوع في مغبة الفكر المتشدد عبر مدرسته، وعندما كان قاب قوسين من الانخراط في واحد من أكثر الأعمال الإرهابية دموية وبشاعة، منحت الظروف والأقدار هذا الفتى حياة قوامها الكتابة وفلسفة منفتحة، لم تكن هي الأخرى كافية لكسب رضا عائلته التي ظلت تندد بأفكاره وكتاباته الجديدة.

يصف مؤلف الرواية عبدالله ثابت، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، المؤسسة التعليمية نفسها التي نضج بطلُ قصّته في كنفها، بأنها "زاخرة بمن لا يعجبهم شيء من هذا"- يقصد الفنون - ويدعو إلى أن يُوضع ذلك في الحسبان أثناء التطبيق، إذ أن الأسوأ على حدّ تعبيره، هو "القيام باتّخاذ قرار بهذه الأهمية، ثم تنفيذه بطريقة رديئة، وتخريبه بشكل مُوجّه".

ويعتقد بأن مخرجات إدخال كليات الفنون وجدواها تعتمد بالمقام الأول على الفلسفة التعليمية بشأنها، وأن معظم العقبات ستكون في وضع الآليات واختيار المناهج الخاصة بكل فن، ومن سيقوم بهذه المهمة التعليمية كاملة، من هرمها الإداري بمستوياته، وصولاً إلى أعضاء التدريس، وأخيراً الطلاب أنفسهم.

وبحسب الكاتب السعودي، منذ أن أصبح تعليم مجالات الفنون ضرورة ثقافية وحضارية، لم يعد هناك صراع معلن ذا بال حول كثير من القرارات، إلا بعض ما يحدث من تخريبها من داخل المؤسسات، أما الفتيات والشباب، فيجزم أن معظمهم لا يضم قاموسهم "أسئلةً من نوع المحظور أو غير المجدي حيال الفنون".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكنَّ الحقيقة التي لا يستطيع أي سعودي إغفالها هي أن الفنون لم تكن في بلاده ترفاً أو حاجة، بل حالة محظورة أدت إلى تأخر التعليم الأكاديمي الذي وعلى الرغم من نبوغ فنانين سعوديين، فقد تمخض عن غيابه ضعف الصناعات الفنية، وواقع بلا خيارات، وموت مواهب، واضطرار أخرى إلى تذوق مرارة الاغتراب من أجل الدراسة في بلدان عربية أو أجنبية.

وهو ما يؤكده ثابت، بقوله إن "هناك أسماء عدة بعضها من الرواد، اغترب سنوات ليدرس الموسيقى والتشكيل والمسرح والإخراج وغيرها بعدما لم يجدها كفاية بوطنه"، ولكن المؤسف وفقاً لرأيه هو أن "الأثر السلبي لم يكن في الأفراد فقط، بل في الحالة الثقافية بعامة، بسبب تأخر واحدة من أهم الصناعات الراهنة في العالم الحديث التي تقدم من خلالها الشعوب والبلدان قوتها وعمقها وثراءها وتنوعها ونفوذها"، واختتم حديثه قائلاً: "فلنفعها الآن كما يجب".

 

"علاج الصدمات" عجّل بتحرر التعليم

يثبت التاريخ أن إدراج الفنون في التعليم السعودي ليس مهمة سهلة، إذ يتعارف الشارع على كونه أكثر القطاعات تأثراً بأفكار الصحوة نظراً إلى أن الحرب البارزة التي أعلنها آخر وزراء التعليم تمثلت في مكافحة التطرف الديني، إذ ظل إلى فترة قريبة ملف تنقية المناهج ومكتبات المدارس من أفكار وكتب جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الأولويات السعودية، قبل التعافي من تأثيراتها بإطلاق مبادرات مناهضة للأطروحات المتشددة.

وبعد مضي أربعة أعوام على كشف السعودية الستار عن خطتها التحديثية لمستقبل ما بعد النفط المعروفة بـ "رؤية 2030"، في إطار توجّه حكومي نحو إعادة هيكلة المفاصل الاقتصادية والثقافية، تهاوت التقاليد الاجتماعية المعيقة لإنعاش السياحة، وتمكين المرأة على وقع الإصلاحات التي وصفها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في حديثه إلى صحيفة واشنطن بوست الأميركية، بـ "العلاج بالصدمة".

وإذ تبدو هذه التحديثات المتعاقبة بمثابة الصدمة للمنتسبين إلى التيار الديني المتشدد، فإنها من ناحية أخرى تلاقي ترحيباً شعبياً ملحوظاً، بعدما جاءت امتداداً لمطالب كثير من كتاب الرأي السعوديين الداعين إلى تحرير فكر المجتمع من "حركة الصحوة"، التي اجتاحت أطروحاتها المتطرفة السعودية في الثمانينيات الميلادية.

ومع بثّ دماء وأفكار جديدة لم يعد يغلب على المؤسسة التعليمية تلك المحافظة الدينية التي ألقت بظلالها على توجهات المنظومة بصورة عامة، على الرغم من أن شبح الانتقادات مازال يلاحق المناهج ومقرّها، أما على الصعيد الشكلي الذي وإن بدا أقل تأثيراً، فإن أهميته تكمن في حجم المفارقة التي تتكشف في انقسام تاريخ التعليم السعودي ما بين مشهدين، معارضة تعليم المرأة في الخمسينيات الميلادية، وقبول تدريسها الطلاب الذكور العام الماضي.

ومن مخرجات التوجه الجديد أنه أسقط بشكل ضمني مظاهر الفصل وصار، إلى حد كبير، عهد الحواجز الفاصلة بين الذكور والإناث من الماضي، وعند زيارة مصلحة تعليمية في بعض مدن الأطراف ستفاجأ من أنهم تحولوا من إقامة اجتماعاتهم مع السيدات، عبر ما يعرف بـ " الدوائر الصوتية" إلى السماح لهنّ بدخول المرافق الإدارية جنباً إلى جنب مع الرجال.

 

المسرح يخلع ستار التشدد ويكتفي بواحد

تبدو الجامعات السعودية اليوم منفتحة وشجاعة للإفصاح عن خططها المقبلة بشأن الفنون، إذ أعلنت جامعة الملك عبد العزيز المصنفة بحسب مقياس "تايمز" الأولى عربياً، اعتزامها فتح التسجيل في ماجستير الأدب المسرحي، وفقاً للدكتور عبد الرحمن السلمي، رئيس قسم اللغة العربية، الذي كشف في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، عن توجه لتأسيس كلية فنون عامة، واستحداث درجات بكالوريوس في الفنون الأدائية مثل الرسم والسينما والفولكلور.

لكن من إحدى الجدليات المعروضة حول التخصص المدرج أخيراً، هي أنه في بلد لم يكن المسرح في قلوب أبنائه، إلا هواية من دون أي أسس أكاديمية، ما جدوى فتح الباب لبرنامج دراسات عليا في المسرح، ومن سيتمكن من حضوره؟ يذهب السلمي، إلى التأكيد على وجود كثير من الراغبين، والمؤهلين من الجنسين، للانخراط في البرنامج الجديد، وامتلاك "عدد لا بأس به من الأساتذة المتخصصين في المسرح الحديث، المتميزين بمشاركات وأبحاث في هذا الشأن".

وعلى الرغم من مرارة الماضي الباعثة على نوع من الحسرة، هنأ المخرج المسرحي، عمر الجاسر، الذي يعد من جيل الرواد في المسرح السعودي، الجيل الحالي في السعودية بعدما توفرت له فرصة يصفها بـ "الذهبية"، ويتمنى على الشباب استثمارها بالشكل الصحيح، مضيفاً بأن، "عدم قدرته مع الآلاف من جيله على دراسة الفنون في المدارس والجامعات دفعهم إلى الاعتماد على الموهبة الفطرية، وتطويرها بالممارسة، والدورات القصيرة، والقراءة، والاطلاع على تجارب الآخرين، فيما تمكّن عدد قليل من الابتعاث الخارجي إما من خلال جهات عملهم أو على حسابهم الخاص".

وفي سياق متصل، كشف سلطان البازعي، رئيس هيئة المسرح وفنون الأداء في السعودية لـ "اندبندنت عربية"، عن بدء برنامج الابتعاث الثقافي في قبول الطلبات، واستعداده لإرسال أول دفعة من الطلاب والطالبات إلى عدد مختار من أفضل الجامعات ومراكز التدريب في العالم، ووصف قرار الجامعات السعودية الثلاث بـ "الاستجابة السريعة" التي لن تقتصر على تطوير قدرات المبدعين الذين سيعملون في القطاعات الثقافية فحسب، وإنما ستسهم في إيجاد حركة بحث علمي تساعد في تطوير العمل الثقافي وتأصيله.

وأعرب البازعي عن أمله في أن تتبنى الجامعات الأخرى النهج نفسه، مستشهداً بالمبادرات التي قامت بها جامعة عفت منذ سنوات حين استحدثت برنامجاً لصناعة الأفلام، وكذلك برامج التصميم في جامعة الأميرة نورة، والموسيقى في جامعة الطائف، لكنه وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات، فإن آخرها على سبيل المثال لم يكن برنامجاً أكاديمياً معتمداً، ما يعني أنه لا يمنح شهادات بكالوريوس أو دراسات عليا أو حتى الدبلوم.

وأكد رئيس هيئة المسرح وفنون الأداء عكوف وزارة الثقافة على تطوير مجموعة من الأكاديميات المتخصصة، منها أكاديمية للمسرح والفنون تعمل الهيئة على "تصميم برامجها، وتقديم برامج ومهارات عملية لتلبية احتياجات القطاع من المؤدين، والمخرجين، والمهن المساندة في خلفية المسرح، بدءاً من كتابة النصوص، والإنتاج المسرحي، والسينوغرافيا، إلى الإضاءة والصوت، والإدارة المسرحية، وتصميم الاستعراضات، وغيرها من المهن التي تساعد على خلق صناعة ناهضة ومستدامة".

لكن في الإطار الأكاديمي، ما زال الغموض يكتنف برنامج الابتعاث الثقافي الذي أثار إطلاقه في نسخته الأولى هذا العام، حيرة بعض المتقدمين، إثر عدم تلقّيهم إشعاراً بالقبول من عدمه، على الرغم من مواهبهم، واستيفائهم الشروط، ويقول عبد المجيد سعود، فنان غنائي صاعد، إنه بحاجة لدعم وزارة الثقافة، وتوجيهها، واحتوائها، ويعتقد بأن خطوة فتح كليات الفنون على الرغم من تأخرها، ستعود عليه بالنفع في اكتساب التحصيل العلمي الكافي، وفرص العمل، مضيفاً بأنه، "تقدم إلى برنامج الابتعاث الثقافي، ولم يتلقّ رداً حتى الآن، مع أهليته، واستيفائه الشروط والمتطلبات".

 

الشاشة الكبيرة ضوؤها خافت

من جانب آخر، أدى غياب دور السينما في السعودية لـ 35 عاماً، قبل افتتاح أول دار قبل عامين من الآن إلى عدم وصول الفعل السينمائي في السعودية بحسب نشطاء، إلى مستوى الصناعة الذي يليق بمكانتها كدولة مؤثرة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، بسبب رزوحه ضمن دائرتَي الاجتهادات الفردية والموهبة الخالصة، بينما السينما، وفقاً للناقد الفني، رجا ساير المطيري، صناعة حقيقية ينبغي تأهيل كوادرها علمياً ومهنياً وفق المناهج المعتمدة في الدول المتقدمة، حيث أن تميّز عواصم السينما، يعود، على حد وصفه إلى "المعرفة الأصيلة التي تعطي الدارس إلماماً كاملاً بتاريخ التخصص الفني الذي يدرسه، وبمفاهيمه وخصائصه وإمكانياته وأدواته، وبشكل يمنحه القدرة مستقبلاً على العمل في إنتاج السينما وفق المعايير العالمية".

وشهدت السعودية في السنوات الماضية ظهور شباب وشابات اتجهوا إلى دراسة صناعة الأفلام في الخارج، لكن أعداد هؤلاء كانت قليلة ولم تحقّق النسبة الحرجة المطلوبة لتأسيس حراك سينمائي حقيقي، لذلك يشدّد المطيري على أهمية توطين دراسة السينما، لتوفير الأعداد المطلوبة من الفنيين الذين تحتاجهم صناعة السينما لكي تنهض وتتطور، إذ يتمثل التحدي في تحريك صناعة السينما وتأهيلها وتشغيلها بحيث تكون قادرة مستقبلاً على استيعاب المتخرجين من الكليات السينمائية، وتوفير فرص العمل لهم.

"المهم أننا بدأنا"

ولدى الناقد السعودي، لا تقل الموهبة أهمية عن دراسة التخصصات الفيلمية، واعتبر الخطوة الأخيرة كافية، بل قال إنها تحقق كل ما يطلبه الفنانون والطلاب، مستشهداً بالتجربة الأميركية، التي تنهض صناعتها السينمائية على آلاف العاملين في مختلف التخصّصات، أغلبهم متخرجون من معاهدها وكلياتها السينمائية، ويستطيعون إنتاج الأفلام بالطريقة الصحيحة، لكن المواهب الحقيقية التي تحدث نقلة وتميزاً في الشكل والمضمون أعدادها قليلة، وهو ما يعدُّه طبيعياً، لأن" الدراسة توفّر آلاف الكوادر المطلوبة للصناعة، ثم تأتي الموهبة الفريدة لتضع النكهة المميزة فوق قمة الصناعة".

وبثَّ المطيري تساؤلات سَبَغها بمفهوم "المُفكَّر فيه"، للمفكر الجزائري محمد أركون وهي: هل كنا جاهزين في الماضي لهذه الخطوة المتقدمة وهل كان تعليم الفنون أو إدراك أهميتها من الأمور المُفكّر فيها اجتماعياً ومؤسساتياً في ذلك الوقت؟ أو من الأمور التي يمكن التفكير فيها وسط تحديات تنموية أساسية في مرحلة البدايات؟  استفهامات أجاب عليها قائلاً: لا أعتقد ذلك، بل أرى أننا نظلم مجتمعنا ودولتنا الحديثة التي ما زالت ناشئة بحسب مقياس عمر الدول"، خصوصاً أنها بدأت في الآونة الأخيرة الالتفات إلى الفعل الفني وتطويره، وأضاف، "المهم أننا بدأنا".

 

"الدراسة في الداخل أجدى"

وهو ما يتفق معه مواطنه المخرج السينمائي عز الشلاحي، الذي يقول إن واقع السينما في مرحلة التشكّل، وإن الشغف وحده لا يكفي، داعياً إلى التريث والتركيز وعدم الاستعجال في تقديم الأعمال، مضيفا أن، "تدريس السينما سينعكس بشكل إيجابي على الصناعة في بلاده، وتابع، "على الرغم من أننا في البدايات، إلا أن الطموح والشغف لدى صناع السينما السعودية أوصلاها إلى مكانة جيدة عالمياً، استطاعوا من خلالها إظهار المواهب والقصص السعودية"، على حد تعبيره.

لكن التساؤل المطروح هو هل الدراسة داخل السعودية سوف تكون مجدية بالنسبة إلى الراغبين في استكشاف السينما أكاديمياً في ظل عدم وجود البيئة المهيأة ولا الكوادر المتخصصة؟ يجيب الشلاحي، قائلاً، إنه شخصياً يفضّل دراسة السينما في الداخل على دراستها في الخارج، لأن المادة المدروسة ستُطبق بشكل تدريجي على السوق المحلي الناشئ في هذا المجال ما يعطي فرصة أكبر لإيجاد الحلول واكتساب الخبرة جنباً إلى جنب مع التعلم.

وبعدما أنعشت الحلول الجديدة الواقع الإبداعي في السعودية إثر تمهين القطاع بـ 80 مهنة ثقافية، تقف السينما ضمن القطاعات الفنية الأكثر اصطداماً بعقبات اجتماعية انعكس تأثيرها في التعامل المؤسساتي معها، ما أدى إلى خفوت دورها لدوافع دينية صنّفت الشاشة الكبيرة ضمن قاموس المحظور الديني والانحلال الأخلاقي، ولذلك يأمل صنّاعها من وزارة الثقافة تكثيف دعمها لتغيير الصورة السائدة ومساعدة الشباب والفتيات معنوياً ومادياً.

ويستشهد المخرج الشابّ على العقبات التنظيمية بأحد المشاهد من فيلم "المسافة صفر" الذي انتزع جائزة مهرجان أفلام السعودية العام الماضي، حين كان بحاجة إلى زرع نقطة تفتيش تحتوي سيارات أمنية من طراز قديم، وبعد مخاطبتهم الجهات المعنية لتوفيرها لم يتلقّوا رداً، الأمر الذي اضطرهم إلى توفير سيارات خاصة وتغيير شكلها لتصوير المشهد والتصرف على نحو ربما تكون تبعاته خطيرة، بسبب عدم وجود تنظيم واضح يسهل للعاملين في الإنتاج السينمائي التواصل مع القطاعات الأخرى باحتياجاتهم.

ويعتبر إبراهيم الحجاج، أحد الممثلين الذين انتقلوا أخيراً من فضاءات المسرح واليوتيوب إلى شاشة التلفزيون، هذه الخطوة بمثابة الحلم لكل شاب وفتاة كونها ستفتح الآفاق لهم لاستثمار قدراتهم، والإيمان بأن الموهبة ليست مجرد هواية، بل هي طريق لبناء مسيرة عملية عليهم أخذها بجدية.

وعلى الرغم من أن الممثل الشاب حظي ببعثة مقدمة من إثراء العالمي شرق السعودية للاستفادة من دورة لمدة سنة كاملة، تقيمها منظمة (National Youth Theater) البريطانية، وحضوره عام 2015 لمدة شهر ونصف الشهر، فصل معايشة أقيم في دولة الإمارات، بإشراف الفنان الأميركي كيفن سبيسي، الذي كان له تأثير كبير في صقله كممثل، إلا أن الحجاج يأمل في أن لا يكون شرط العمر عقبة أمامه، إذ ينوي التسجيل في تخصصات الفنون بالجامعات، من منطلق إيمانه بأن الفنان بحاجة لأن يكون دائماً على إلمام بالمعطيات الحديثة في عالمه، ومتواصلاً جيداً مع بالوسط الفني، "فالموهبة ليست كل شيء" على حد تعبيره.

اتفاق نوفمبر يتحرك ببطء

وتعد خطوة فتح كليات الفنون وتخصصاتها أبرز النتائج الملموسة للاتفاق التاريخي بين وزارتي الثقافة والتعليم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الذي وعلى الرغم من أهميته في إحداث نقلة نوعية عبر إدراج الثقافة والفنون بما فيها الموسيقى والمسرح إلى مناهج التعليم العام، فإنه إلى وقتنا هذا مازالت الخطوات نحو تحقيق أولى بنوده بطيئة أو غير ظاهرة ربما لحساسيتها أو صعوبة تنفيذها.

وأثار إعلان وزير الثقافة السعودي، تأسيس كلية الثقافة والفنون في جامعة الملك سعود، واعتماد بكالوريوس العلوم السينمائية في جامعة عفت الأهلية، وماجستير الأدب المسرحي في جامعة الملك عبد العزيز، التساؤلات حول دور وزارته، وآلية التنسيق المتبعة بين المنظومتين الثقافية والتعليمية، والنتائج المترتبة على الاتفاق على مستوى المدارس، وهو ما استفسرت "اندبندنت عربية"، حوله في حديث مع المتحدث الرسمي للتعليم العام بالسعودية، ابتسام الشهري، التي قالت إن "التنفيذ يتم عبر وزارة الثقافة كونها ستقوم بهذا العمل".

وعلى الصعيد الأكاديمي، سألنا كلاً من متحدثي وزارتي الثقافة، والتعليم بشقه الجامعي في السعودية، حول ما إذا كان هنالك اتجاه لتنبي المؤسسات الأخرى المندرجة تحت جهاتهم هذه التحديثات، وعن آلية التنسيق بين الجهتين، وكذلك التنفيذ للوعود السابقة، غير أنهما لم يردا، وفي حال ورود تصريح منهما سيتم تضمينه.