Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مطالبات بحل البرلمان التونسي "المعطل"

شهدت البلاد تحركين احتجاجيين ضد مجلس النواب وتستعد لتحركات إضافية

تشهد تونس أزمة برلمانية دفعت بعض الناشطين السياسيين إلى المطالبة بانتخابات مبكرة (مجلس النواب التونسي)

إذا سلّمنا بأنّ نتائج الانتخابات هي انعكاس لصورة الناخبين وإرادتهم، فالمؤسّسات والشخصيات المنتخَبة هي نتاج ممارسة ديمقراطية، يصدّر من خلالها الناخبون نُوّاباً يمثلونهم إلى مؤسّسة البرلمان، كما ينتخبون رئيس الجمهورية ليمثلهم عبر آلية الاقتراع المباشر.

وتعيش بعض الدول حديثة العهد بالديمقراطيّة إرهاصات التّجربة، وتتعرّض فيها المؤسّسات المنتخبة إلى الضغط المباشر المسلّط من أحزاب المعارضة، ومن الشارع الذي يتراوح فيه منسوب المطلبيّة من الضغط المعنوي إلى المطالبة بحلّ المؤسّسات المنتخبة وتغيير نظام الحكم.

بوادر أزمة سياسية

وتمرّ تونس خلال هذه الفترة بهذه المفارقة بين مؤسّسات منتخبة (البرلمان) وبعض من شارع غاضب على أداء هذه المؤسسة، بما ينذر ببوادر أزمة سياسية في أفق المسار الديمقراطي في البلاد.

فكيف نفسّر غضب بعض التونسيين على البرلمان؟ وهل تجوز المطالبة بحلّ البرلمان في السياق الديمقراطي وعبر النزول إلى الشارع؟

يعتقد أغلب التونسيين اليوم أن تونس في حاجة إلى تعزيز واستكمال مؤسسات الدولة، كالمحكمة الدستورية، وبقية الهيئات الدستورية (هيئة الإعلام والاتصال، وهيئة حقوق الإنسان، وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد...) لأنّ هذه الهيئات ستكون ضامنة لإعلام حرّ ونزيه ومستقل وبعيد عن التوظيفات السياسية، وأيضاً ستضمن القوانين، وتَحُول دون استشراء الفساد في المجتمع والدولة.

البرلمان والهيئات الدستورية

ويُتهم مجلس النواب الحالي والسابق بتعطيله عمداً استكمال هذه الهيئات، لأنه مستفيد من ذلك الوضع، في تقدير عدد من المراقبين، الذين يرون أن الأولويات الكبرى في المجلس التشريعي ليست الدبلوماسية البرلمانية، ولا اعتذار فرنسا من تونس عن حقبة الاستعمار، بل الوضع الداخلي للتونسيين، من تشريعات تضمن حقوقهم وتحميهم من الفاسدين وتضمن تكافؤ الفرص وتشجّع القطاع الخاصّ على الاستثمار، وتنهي البيروقراطية الإدارية، وتنقل تونس إلى الضفة الأخرى من التنمية والرفاه.

أغفل المجلس النيابي الحالي كل ذلك، وأوغل في الصراعات الحزبية الضيّقة، وهو ما جعل التونسيين ينفرون منه، ويعتبرونه مؤسّسة معطلة لمسار النّهوض بتونس.

تعمّقت الخلافات الحزبية واحتدّت الصراعات الأيديولوجية، وتعطلت مشاريع القوانين.

حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة

هذه الصورة المهتزة للبرلمان عند التونسيين، دفعت مجموعة من النشطاء السياسيين إلى التحرك في 1 يونيو (حزيران) الحالي، بدعوة من الناشط السياسي عماد بن حليمة، إلا أنه لم ينجح في استقطاب عدد كبير من التونسيين، ثم تلاه اعتصام في 14 يونيو، المسمّى "حراك 14 يونيو 2020 "، للمطالبة بحلّ بالبرلمان، بمشاركة عدد من النشطاء السياسيين والمدنيين.

وأكّد فتحي الورفلّي، الناطق الرسمي باسم هذا الحراك، لـ"اندبندنت عربية"، ضرورة حلّ البرلمان والهيئات المنبثقة عنه، والدعوة إلى انتخابات مبكّرة وتشكيل لجنة تدقيق في أموال الأحزاب السياسية وقياداتها، ورجال الأعمال الفاسدين، والذين لهم علاقة بمجلس نواب الشعب، إلى جانب منع سفر من ثبت تورطهم في شبهات فساد ونهب المال العام.

منع من التظاهر

وأشار إلى تعرّض هذا الحراك يوم 14 يوينو إلى المنع من أعوان الأمن، متّهماً حركة النهضة بالوقوف وراء هذه العملية، من خلال استعمال أجهزة الدولة لمنع المتظاهرين من الوصول إلى "باردو" مقر البرلمان، للمشاركة في الاعتصام وإرهابهم وتخويفهم.

وقد برر مجلس بلدية باردو إغلاق الساحة بـ"أسباب صحية"، نافياً أن يكون للقرار خلفيات سياسية.

موعد حاسم

وفي إجابته عن سؤال حول ضمانات عدم عودة المشهد البرلماني نفسه في حال إعادة الانتخابات، أكد الورفلّي أنّ الضّامن الوحيد هو الشعب التونسي، متّهماً النواب الحاليين بأنهم "خانوا الأمانة"، بالنظر إلى المستوى الذي وصل إليه الخطاب السياسي داخل البرلمان.

وأضاف أنّ الاعتصام سيتواصل كل يوم أحد في باردو، وكلّ يوم سبت في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، في انتظار ما سماها "الهبّة الكبرى" يوم 25 يوليو (تموز) 2020 بمناسبة عيد الجمهورية، الذي قال إنه "سيكون يوماً حاسماً في تاريخ تونس ولسنا دعاة فوضى كما يتهموننا".

العطالة والعنف

وعن صورة البرلمان، سألت "اندبندنت عربية"، المحلل السياسي هشام الحاجي، الذي أكد أنّ البرلمان التونسي لم يصل في تاريخه إلى هذه الصورة من العطالة والعنف والفراغ (على الرغم مما يسوّقه عن نفسه من نجاحات)، مشيراً إلى أن التونسيين أصبحوا يخشون تبادل العنف المادي بعدما أصبح العنف اللفظي خبزاً يومياً تحت قبة البرلمان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف أن البرلمان بأدائه الهزيل يعطي مشروعية للمطالبة بحلّه، معتبراً أن التجربة السّابقة (اعتصام الرحيل يوليو 2013) كانت واضحة، لأن المجلس الوطني التأسيسي وقتها بدأ التمديد في مهامه، والقيادات التي تحرّكت حينها كانت وازنة في المشهد السياسي، إلا أنّ حراك 14 يونيو 2020 لم يكن وراءه أحزاب أو منظمات أو قيادات قوية، إلا أنه يحمل رسالة واضحة للمجلس مفادها أن "صورته في الحضيض".

وعبّر الحاجي عن تخوّفه من تداعيات جائحة كورونا التي قد تعصف بالبرلمان والحكومة معاً، داعياً إلى ضرورة إعادة النظر في منظومة الحكم برمّتها، لتفادي حالة العطالة وتشتت الحكم بين ثلاث مؤسسات، محذّراً من احتمال استثمار الاحتقان الاجتماعي للدفع نحو المطالبة بتغيير منظومة الحكم.

مصطفى بن جعفر يدعو إلى حوار وطني

وكان رئيس المجلس الوطني التأسيسي السابق، مصطفى بن جعفر، دعا إلى حوار وطني شامل، تحت رعاية الرئيس قيس سعيد، يجمع كلّ الفرقاء السياسيين، بسبب الاحتقان السياسي الذي تعيشه تونس، من خلال فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي معبّراً عن تخوفه من عودة تونس إلى مربع العنف.

النهضة تتهم جهات خارجية

في مقابل ذلك، اعتبر الناطق الرسمي باسم حركة النهضة، عماد الخميري، في تصريحات صحافية أن هذه التحرّكات لا تمثلها قوى سياسية واجتماعية وازنة في المجتمع التونسي، وإنما "هي دعوات تتقاطع مع جوقة إعلامية خارجية معادية لتونس وتجربتها ونظامها السياسي ولثورتنا وتجربتنا الديمقراطية".

وأضاف الخميري أن "هذه الأصوات معزولة بدليل أنها لم تكن لها القدرة على تحريك الشارع وجلب الأنصار، لأنها تدفع في قضية لا تمثل الآن أولوية من الأولويات الوطنية في البلاد"، معتبراً أن "النظام الديمقراطي هو خيار شعبي أصيل، لا يمكن أن يتداعى بمثل هذه الدعوات البائسة".

وتتقاطع قراءة الصحافي في صحيفة "الشروق" التونسية والمحلل السياسي خالد البارودي، مع ما ذهبت إليه حركة النهضة من وقوف جهات خارجية وراء هذه التحركات، معتبراً أن خلفياته غير واضحة واحتمال وجود تمويل خارجي لهذا الحراك وارد.

وأضاف أن هذه الوقفة محدودة العدد، من الذين يعتبرون أنفسهم أصحاب رأي، إلا أن موقفهم غريب لأنه "غير مفهوم"، في تقديره.

ولئن اعترف البارودي بتعثر عمل الحكومة، إلا أنها "قدّمت عملاً شهد به العالم" في مقاومة جائحة كورونا من خلال عدد من الإجراءات.

وعن أزمة البرلمان، قال إنه "حديث العهد، وعلى التونسيين أن يصبروا على أدائه، لأن نشاطه تعطّل بسبب كورونا"، معتبراً "بعض المناكفات التي حدثت عادية لأن الديمقراطية في تونس ناشئة".

من جهة أخرى، أكد البارودي، أن ما حدث هو عملية استباقية، تقوم بها بعض الجهات التي فشلت في الانتخابات السابقة، وهم يحاولون تجميع بعض الأطراف من أجل الضغط في غير الوقت المناسب، معتبراً إياه "حراكاً هامشياً ومتسرعاً".

الاحتجاج حق دستوري

من جهته، اعتبر الصحافي والمتخصص في الشأن البرلماني، سرحان الشيخاوي، أن الوقفة الاحتجاجية مؤطّرة وفق الفصل 37 من الدستور، ومن حقّ الجميع الاحتجاج والتظاهر ما دامت أدوات المطالبة سلمية.

وأكد أن تغيير النظام يكون باعتماد الأدوات الدستورية، والتي تحيل مباشرة إلى تعديل الدستور، وهي عملية مستحيلة الآن في غياب المحكمة الدستورية. أما التغيير من خارج المنظومة الدستورية، فالسياقات التاريخية مختلفة بين 2011 واليوم، بعد إرساء البرلمان كمؤسسة تشريعية منتخبة، مكان المجلس الوطني التأسيسي، الذي كُلّف لمدّة محدّدة إعداد دستور البلاد.

أزمة البرلمان في تونس تكشف عن أزمة أعمق تهمّ الممارسة السياسية في البلاد، وقد تدفع نحو التفكير جدياً في طرح تغيير جدي للدستور، أو تغيير النظام الانتخابي ثم نظام الحكم عبر الاستفتاء. وهي الآلية الدستورية التي لم يتم الحديث بشأنها إلى اليوم، وقد تكون "سلاح" رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال الفترة المقبلة.

المزيد من تقارير