Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الولايات المتحدة والإرث المتراكم للعنصرية

كان الصراع بين قيم العدالة والمساواة من أبرز التفاعلات السياسية والاجتماعية في أميركا

مواجهات بين الشرطة الأميركية ومتظاهرين غاضبين .(أ.ف.ب)

يأتى الحادث المؤسف الذي شهدته مدينة مينابولس (مقتل مواطن من أصول أفريقية على يد شرطي) الذى أثار ردود فعل، وتظاهرات في المدينة تداخلت معها أعمال عنف، وسرقات، وإيقاف لضباط أربعة، فضلاً عن مخاوف بامتداد العنف إلى مدن وولايات أخرى، يأتي هذا الحادث استمراراً لوتيرة وقائع وحوادث مشابهة فى الولايات المتحدة زادت في السنوات الأخيرة، وبخاصة مع صعود التيارات اليمينية المتشددة، وفي الحقيقة هو امتداد لتراث اجتماعي ثقافي أميركي لم تطوَ أبداً صفحاته.

من الموضوعية تذكر أن ظاهرة العنصرية البغيضة ظاهرة ملاصقة للبشرية منذ الحضارات القديمة، مع فارق في الدرجة بين حضارة وأخرى، وكانت أكثر حضوراً فى الإمبراطوريات الغازية والمستعمرة كتبرير للتوسع الخارجي، والتمتع بحقوق، وحرمان الآخرين منها. وسارت معها وإن بنوع من التمايز ظاهرة العبودية التي كانت تمتد إلى نفس الشعب الواحد أحياناً، ولكنها تستحل الآخر بشكل أوضح، وفي كثير من الأحوال بمفاهيم عنصرية أو استعلائية، وتحولت مع العبرانية إلى منحى آخر مع مفهوم شعب الله المختار، وعلى الرغم من أن السيد المسيح والدعوة المسيحية انتقلت بالبشرية إلى منحى آخر تجاوز هذه العنصرية، لم تختف هذه الظاهرة فى المجتمعات المسيحية، والإسلامية بشكل كامل، على الرغم من التعاليم الواضحة للديانتين الرافضتين لفكرة الشعب المختار، أو تميز قوم عن قوم، وإن كان من الموضوعية الإشارة إلى أن نصيب المجتمعات الغربية من النزعات العنصرية يزيد كثيراً على الثقافات الآسيوية والأفريقية التي تلعب فيهما الديانتان السماويتان، ومكونات الثقافة التقليدية دوراً مهما لتخفيف النزعات العنصرية التي لا يسلم منها أي مجتمع بدرجات مختلفة.

والمدهش أن تبلور فكر فلسفي في عصور النهضة يبرر التفوق الأوروبي، ومن ثم يبرر حقوق الاستعمار والتميز عن مجتمعات متخلفة، أو أكثر تخلفاً كان يسير جنباً إلى جنب مع منظومة فكرية تتحدث عن حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، ومع تقدم الظاهرة الاستعمارية، وصعود الفكر العنصري فى القارة الأوروبية بدأت المعايير المزدوجة التي يعاني منها النظام الدولي حتى اليوم تتعمق وتصبح جزءاً لا يتجزأ من إشكالية غياب العدل، واستمرار الظلم في العالم حتى اليوم، ومظاهر هذا الخلل الهيكلي المزمن يتمثل من ناحية في المعايير المزدوجة، ومن ناحية أخرى في توظيف الجانب الإيجابى من هذه المنظومة الغربية الفكرية لخدمة مصالح غربية، ويكفى هنا أن نشير إلى تطبيقين من تاريخ التفاعل الغربي - العربى لبيان النموذجين، فربما كان من أقدم المعايير المزدوجة موقف الرئيس الأميركي وودرو ويلسون الذي تنكر لوعوده حول استقلال الشعوب، ومبادئ حقوق الإنسان، ورفض حتى مقابلة وفود المستعمرات، وعلى رأسها الوفد المصري بزعامة سعد زغلول. أما أشهر المعايير المزدوجة التي نعيشها بشكل دائم، فهي القضية أو المعاناة الفلسطينية الدائمة، وثانيها توظيف هذه الأدوات، فكان من أوائل النماذج الدعم الصريح الذي قدمته فرنسا للحركة الوطنية المصرية بزعامة مصطفى كامل، ثم تخليها عنه بمجرد توقيع الاتفاق الودي عام 1904 مع بريطانيا، وتقسيم العالم العربي. وفي الواقع أن النموذجين السابقين هما عنوان النسبة الكبرى من تفاعلات الغرب مع الجنوب، والعالم العربي حتى اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفى حالة الولايات المتحدة كان الصراع بين قيم العدالة والمساواة من ناحية، ومن ناحية أخرى العنصرية والاستغلال، محوري التفاعلات السياسية والاجتماعية منذ بدأ الاستيطان العنصري فى العالم الجديد، فى البداية في غلبة كاسحة للفكر العنصري حتى تمت إبادة أغلب السكان الأصليين – الذين تمت تسميتهم على سبيل الخطأ بالهنود الحمر، وواصل المجتمع الأميركى مسيرته العنصرية معتمداً على جلب الرقيق من القارة الأفريقية من أجل تحقيق نهضته الزراعية، في تراث بالغ القسوة والعنف شاب هذا المجتمع منذ بدايته وحتى اليوم، وكانت مقتضيات التحول الصناعي، وبدء تحضير الدولة لمكانة دولية أفضل سبباً في الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وعلى الرغم من انتصار الشمال، وإنهاء العبودية رسمياً بكلفة اقتصادية وبشرية هائلة، لم تتوقف مظاهر التمييز العنصري لا في الجنوب، ولا حتى في الشمال. صحيح أن هذه العنصرية كانت توجه قدراً كبيراً من قسوتها تجاه ذوي الأصول الأفريقية، إلا أن ثقافة العنصرية كانت دوماً متغلغلة في كافة مناحي الحياة، ولم يسلم منها اليهود، ولا العرب، ولا الآسيويون فضلاً عمن بقي من السكان الأصليين، بل كانت أحياناً توجه لغير الأنجلو ساكسون من أوروبيين آخرين، وإن كان بدرجة أقل، بحيث يوجه الجميع طاقاته العنصرية بشكل أو آخر.

ومجمل الأمر، أن العقل الأميركي كان دوماً نتاج تفاعل، وصراع بين تيارين، هما الأكثر قوة وثباتاً في تاريخه، العنصري الاستعلائي، والثاني الليبرالي الأخلاقي الذي يؤمن بصدق بهذه القيم، أو يستخدمها طوال الوقت. ومنذ ودرو ويلسون كأيديولوجية لتغليف مصالحه وهيمنته الدولية، وتبلور هذا الفكر الانفتاحي نسبياً في مراحل عدة مع إدارات ديمقراطية منذ عقود، وصل في انفتاحه إلى حد الدفع بأميركي من أصل أفريقي إلى البيت الأبيض، وعندما فعل ذلك حرص على أن يكون جزءاً من الوسطية الأميركية لاستخدام هذه الصورة في تحقيق مصالح خارجية، كما قدم في ما بعد مرشحة ديمقراطية سيدة للرئاسة هي في الحقيقة أقرب إلى مدرسة توظيف حقوق الإنسان في السياسة الخارجية، كل هذا ما كان يمكن إلا أن يستفز التيار الأكثر نفوذاً وتشعباً في هذا المجتمع، حتى لو لم يعد يمثل الغالبية العددية، وهو التيار اليميني المحافظ الذي لم يتخل أبداً عن جذوره العنصرية الاستعلائية، الذي وإن كان لا يتمتع بغالبية عددية في المجتمع فإنه الأكثر تنظيماً، وتماسكاً، وثراءً ليضع دونالد ترامب النموذج الحي للتعبير عن هذه الثقافة بازدواجيتها، وعنصريتها، وميلها للعنف والقسوة.

المشكلة فى الفكر العنصري أنه لا يتجزأ فما يحدث في المجتمع الأميركي يبدو كمنظومة واحدة، في الخارج تأييد أعمى ومبالغ فيه لترسيخ نموذج عنصري مغالىً فيه في إسرائيل، وتبدو فيه واشنطن وكأنها هي التي تتبنى أقصى أحلام اليمين الإسرائيلي، وتشجع عليه بل ربما تقوده، وفي خطاب عنصري واضح ضد الصين بحيث يدمج هذا البعد العنصري في منظومة العداء للصين، وفي لغة استعلائية واضحة في معاملة حتى أغلب الحلفاء والأصدقاء.

وفي الداخل يتصاعد خطاب الكراهية والعنف ضد ذوي الأصول الأفريقية، ولا يترك كثيراً من الآخرين من دون جرعات من الإيذاء والضرر، ومن الطبيعى أن هذا يثير ردود فعل عكسية من التيار الأكثر عدداً والأقل نفوذاً، ويصاحب ذلك الكثير من العنف وردود الفعل المتطرفة ليتراجع بريق المجتمع الذي كان جاذباً، ومصدراً لآمال وإلهام كثيرين حول العالم. ويزداد الغموض حول شكل المستقبل، وحول قدرة هذا المجتمع الذي يملك الكثير من عوامل القوة والحيوية التي ما زالت تعطيه الصدارة، ولكنه لا يستطيع أن يقدم نموذج القيادة الخلاقة.

المزيد من تحلیل