Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدارس لبنانية مهددة بالإقفال و"نزوح طلابي" إلى التعليم الرسمي

الأزمة تتحوّل إلى فرصة ذهبية لتطوير المناهج واسترداد ثقة الأهل

تعقيم المدارس في لبنان بعد انتشار فيروس كورونا (أ.ف.ب)

أكثر من 100 مدرسة كاثوليكية قد لا تفتح أبوابها في الخريف المقبل في الولايات المتحدة الأميركية بسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة من تفشّي كوفيد-19. الخبر قد يبدو مفاجئاً بالنسبة إلى البعض، لكن في لبنان هذا الأمر متوقع وإقفال مدراس عدّة أمر وارد. فالأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد ألقت بثقلها على شريحة كبيرة من المواطنين، وأتى وباء كورونا بالضربة القاضية. أصبحت نسبة كبيرة من الأهل عاجزة عن تسديد الأقساط المرتفعة في المدارس الخاصة، ما يفرض انتقال الطلاب إلى التعليم الرسمي. تبدو صورة العام الدراسي المقبل قاتمة وثمة توقعات بنزوح طلابي من المدارس الخاصة إلى تلك الرسمية بأعداد قد تصل إلى 100 ألف تلميذ، تستعدّ وزارة التربية للتجهيز لهم في المدارس الرسمية. فهل يمكن أن نعوّل على جهوزية تامة للمدارس الرسمية لاستقبال هذا العدد من الطلاب؟ وهل تلائم برامجها تلك التي ينتقل منها الطلاب؟

المدرسة الرسمية... واقع تفرضه الظروف

ونظراً إلى الظروف الحالية، أصبح التعليم الرسمي الملجأ الوحيد لعائلات لبنانية كثيرة بلغت حدّ الفقر. في الواقع، من المؤسف أن يحتلّ التعليم الرسمي الأولوية في مختلف دول العالم، بينما يعجز في لبنان عن كسب ثقة الأفراد. نتيجة الإجحاف بحقه والإهمال، أصبح الاختيار الأخير لمن عجزوا عن تحمّل أعباء الأقساط في المدارس الخاصة.

وفي مساعيها اليوم لتطوير التعليم الرسمي بما توفّر من إمكانات، تهدف وزارة التربية إلى جعله الاختيار الأول للميسورين، لا الملجأ الأخير لمن لا تُتاح له اختيارات أخرى. ولعلّ الظروف الحالية شكّلت دافعاً للعمل جدياً على تطويره، خصوصاً أن التعليم الرسمي أمام استحقاق يفرض نفسه بشكل لا يسمح بالتهاون. "ما من مشكلة في المرحلة الثانوية لمستواها المتميز والنتائج اللافتة التي تُحقّق فيها، فتضاهي تلك التي في الثانويات الخاصة. لكن المشكلة في التعليم الابتدائي الذي كان مهملاً من قبل الدولة منذ سنوات، على الرغم من تميّز بعض المدارس في التعليم الأساسي ومساعي القيّمين عليها"، بحسب مديرة الإرشاد والتوجيه في وزارة التربية والتعليم العالي هيلدا الخوري. بدأت استعدادات الوزارة للعام الدراسي المقبل، سواء كان عدد الطلاب الذين يمكن أن ينتقلوا إلى الرسمي دقيقاً أو لا، وثمة مشاريع تقام بالتنسيق بين جهات من خارج لبنان وأخرى من البلاد لزيادة فاعلية التعليم الرسمي.

مساعٍ جدّية وواقع صعب

لا يخفى على أحد أن التحدّيات كثيرة في تطوير التعليم الرسمي. على سبيل المثال، التداعيات الكارثية لقرار وقف التوظيف في القطاع، لذلك طرح وزير التربية والتعليم العالي طارق المجذوب على مجلس النواب إمكان الاستثناء في هذا العام الدراسي، عندها يمكن تحسين نوعية التعليم مع أساتذة خضعوا لدورات إعداد بعد دخولهم إلى كلية التربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتؤكد الخوري في حديث لـ "اندبندنت عربية" أن هذا لا يشكّل عبئاً إضافياً على الدولة لأنه يسمح بالحدّ من مشكلة المتعاقدين، ويتيح لهم الدخول إلى الملاك، كما يسمح بضخّ "دم جديد" في التعليم الرسمي. لا تنكر أن موازنة وزارة التربية تركّز على الرواتب، ما يضيّق المجال للتطوير. لكن في الوقت ذاته، تكثر المشاريع حالياً والتجهيزات للعام المقبل وعمليات الترميم لمدارس رسمية عدّة، منها حوالى 400 مدرسة. "لن يعود مقبولاً الاستمرار بإهمال التعليم الرسمي ويجب أن يُعطى حقه. فلبنان البلد الوحيد الذي يضمّ التعليم الرسمي فيه نسبة 25 في المئة من الطلاب فقط (300 ألف طالب في الرسمي و700 ألف في الخاص). لطالما كان التركيز على القطاع الخاص على حساب الرسمي. كلّنا نعرف أن الدولة الناجحة هي تلك التي يبرز القطاع العام فيها، ومن ضمنه التربية التي لا بد من فصلها عن السياسة"، على حدّ قولها.

تراجع ملحوظ في اللغات الأجنبية

ومن الثغرات التي تشكّل هاجساً لدى الأهل في المدارس الرسمية، اللغات الأجنبية التي تبدو بمستوى أقل مقارنةً بالخاصة. وتؤكد الخوري أن الأرقام تظهر تراجعاً في مستوى تعليم اللغات الأجنبية على صعيد لبنان ككل، إلّا أنّه أكثر أهمية في التعليم الرسمي، وهذا ما تسعى الوزارة إلى معالجته. كما يعمل المركز التربوي للبحوث والإنماء على تطوير المنهج اللبناني لأن الوقت قد حان لذلك، علماً أنه ذاته في المدارس الخاصة. بالتالي لا يواجه الطالب الذي ينتقل إلى مدرسة رسمية مشكلة في التأقلم، إذا كان يتقن اللغة العربية. قد يكون الانتقال إلى بيئة أخرى صعباً في البداية، لكن في الوقت ذاته، ينتقل الطالب إلى بيئة أكثر انفتاحاً وتنوّعاً. فلا فرق من النواحي الفنية والتربوية، إنما الاختلاف من الناحية الاجتماعية فقط. وتردف "من الضروري تسليط الضوء على كفاءة نسبة مهمة من الأساتذة في التعليم الرسمي، وتميّز مدارس عدّة بفضل مدرائها القياديين الكفوئين والكادر التعليمي لديها. فثمة مدارس رسمية كثيرة تنافس الخاصة ويجب عدم التقليل من أهميتها. شيئاً فشيئاً، سيكتسب اللبناني ثقة التعليم الرسمي بعد أن يُثبت جدارته على نطاق أوسع. وعند المقارنة بين الخاص والعام، يجب أن تكون المقارنة عادلة وموضوعية. ثمة قصص نجاح كثيرة لمدراس رسمية فرضت وجودها في القطاع التربوي وتفوّقت على الخاصة".

نزوح طلابي

النزوح الطلابي إلى الرسمي كان بدأ العام الماضي وليس انتشار الوباء هو السبب. في هذا الشأن، يوضح مدير التعليم الابتدائي في وزارة التربية والتعليم العالي جورج داوود، أن المدراس الرسمية شهدت حركة نزوح طلابية مفاجئة إليها بمعدل حوالى 22400 طالب في الابتدائي وفي الثانوي أكثر من 16700 طالب. ويقول "اعتدنا في لبنان على انتقال الطلاب في المرحلة الثانوية، خصوصاً أن المدارس تتفوّق في كثير من الأحيان في هذه المرحلة التي يزيد فيها عدد الأساتذة الذين في الملاك والمتميزين. لكن لأسباب اقتصادية، ارتفعت الأعداد بشكل ملحوظ في المرحلة الابتدائية".

من حيث المباني المتوافرة، ثمة 962 مدرسة رسمية اليوم بعد دمج عدد منها، لكن داوود يؤكد أن المباني لا تزال موجودة ويمكن الاستعانة بها مجدداً لدى انتقال الطلاب، وكذلك بالنسبة إلى المستلزمات والتجهيزات، فهي متوفّرة أيضاً. لكن المشكلة الأساسية تكمن في الكادر التعليمي في المرحلة الابتدائية نتيجة التناقص التدريجي في الطاقة البشرية إثر خروج 1200 أستاذ سنوياً لبلوغهم سن التقاعد. فأصبح عدد المتعاقدين في الكادر التعليمي 12000 في مقابل 25000 عام 2010، ولا تُنظَّم مباريات للتوظيف. في هذا الإطار، يوضح داوود "تخطّينا المشكلة هذا العام. ومن الحلول، زيادة ساعات التدريس للأساتذة في الملاك. لكن الوضع قد يكون أكثر صعوبة العام المقبل. لذلك، نُعدُّ دراسة لتحديد حاجاتنا للعام المقبل وقدراتنا الاستيعابية وفق المناطق وطرق توزيع الطلاب. أما القدرة الاستيعابية في المرحلة الابتدائية، فتتراوح بين 30 و35 ألف طالب، يجري توزيعهم بنسب متفاوتة بحسب المناطق".

من يقف وراء ضعف التعليم الرسمي حتى اليوم؟

طوال السنوات الطويلة، أسهمت عوامل عدّة في فقدان الثقة بالمدرسة الرسمية، وكأنها كانت دوماً في مراتب لاحقة بعد التعليم الخاص. ثمة إجماع بين الجهات المختلفة على أن النظام الطائفي كان له الدور الأساسي، أُضيف إليه الإهمال والاستخفاف بهذا القطاع الحيوي. وبحسب مسؤول لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة قحطان ماضي، فقد تركّز الدعم على التعليم الخاص منذ عام 1943 على الرغم من وجود أساتذة يتمتّعون بكفاءة عالية في الرسمي. لكن "الكارتيل" الديني والتربوي والسياسي أسهم في زيادة الثغرات. المدارس الكاثوليكية تشكّل القوة الضاغطة الكبرى على الوزارة لأرباحها السنوية التي تصل إلى مليار دولار، تُحوّل إلى البطريركية المارونية. تضاف إلى ذلك، البطالة المقنّعة وغياب الرقابة. المطلوب إدارة صارمة تشرف على معالجة المشكلات، وتُعِدّ الكادر التعليمي المتميز وتعيد الثقة بالتعليم الرسمي. ويضيف ماضي "تطغى المحسوبيات في التعليم الرسمي وهذه مشكلة لا بد من تخطّيها لأننا بأمس الحاجة إليه اليوم. يجب أن تستعدّ المدارس الرسمية لتسونامي آتٍ نتيجة الأزمة الاقتصادية. انتهى زمن التعليم الخاص، وحان وقت تطوير الرسمي، بعيداً من الضغوط السياسية والدينية ومافيا المدارس الكاثوليكية. فالمدارس الخاصة لن تستقبل الطلاب الذين لم يسدّدوا ما عليهم من أقساط وقد لا تتمكّن المدارس الرسمية من استقبالهم".

الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية

وردّاً على حديث ماضي، أوضح الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار أن في لبنان 331 مدرسة كاثوليكية يأمل في أن لا يصبح عددها 100، وأن الحديث عن 100 ألف طالب قد ينتقلون إلى التعليم الرسمي مبالغ فيه ربما.

وفيما نفى تحويل مبالغ إلى البطريركية، توقّع أن يشعر الطلاب الذين قد ينتقلون في العام المقبل بفارق كبير مقارنةً بالمستوى التعليمي في الخاص. وستعود نسبة 50 في المئة منهم إلى المدارس الخاصة. وتساءل ما إذا كانت المدارس الرسمية قادرة على استقبال هذا العدد الكبير من الطلاب بما لديها من إمكانات ومبانٍ وأساتذة متعاقدين. وتابع "تظهر الحسابات أن كلفة الطالب في التعليم الخاص حوالى ثلاثة آلاف دولار، فهل يمكن أن يتحمّل التعليم الرسمي هذه التكاليف؟ التعليم الخاص هو الضمانة في القطاع التربوي. ثمة مدارس رسمية ناجحة لكن للمدرسة الخاصة أيضاً دوراً بنّاءً وهي تتميز بالتعدّدية وبالتلاقي وهذه رسالتنا. ليس من المقبول أن تستمر هذه الحرب ضدها". بالنسبة إلى الأقساط، لا بد من التوضيح أن المدارس الكاثوليكية لم تتقاضَ إلّا بمعدل 36 في المئة من القسط الأول ونسبة 19 في المئة من الثاني وثلاثة في المئة من الثالث، وهذا ما يهدّدها بالإقفال لأنه لا حلول إلّا من خلال دعم الدولة لها.

سواء توافرت الحلول أو لا، وفي ظل التضارب بأرقام وأعداد الطلاب الذين ينتقلون إلى التعليم الرسمي، تبدو هذه فرصة ذهبية للنهوض بالتعليم الرسمي وتطويره وكسب ثقة المواطن به. لعلّ هذه الأزمة تشكّل الدفع لانطلاقة جديدة للمدرسة الوطنية، كما حصل مع المستشفيات الحكومية التي كان لانتشار الوباء دور في تطويرها.

المزيد من متابعات