Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحقيقة المرة حول اللقاح المستقبلي لفيروس كورونا

طبيب بريطاني يلفت إلى مخاطر جدية

حين أصدرت شركة المستحضرات الصيدلانية "موديرنا" بياناً صحافياً حول النتائج الواعدة للمرحة الأولى من تجربتها السريرية على لقاح لفيروس كورونا، جاء رد فعل وسائل الإعلام والأسواق جامحاً. ونشرت "نيويورك تايمز" موضوعاً انتشر كالنار في الهشيم على "تويتر"، محققاً ملايين المشاهدات إذ شاركه مؤثرون في مواقع التواصل الاجتماعي وأطباء على حد سواء، بشكل واسع جداً. وقفز سهم "موديرنا" 20 في المئة، وحققت أسهم شركات متعاونة معها كـ"نوفافاكس"، مكاسب أكبر فاقت 30 في المئة.
هل كان ذلك مبرراً؟
تبدو دورة الأخبار في عصر جائحة فيروس كورونا كأمواج عارمة من المد والجزر، تحمل الأمل والخوف. وربما لأن أكثر من 36 مليون أميركي خسروا وظائفهم وأكثر من 90 ألفاً خسروا حيواتهم، يبحث الجميع بشغف عن ضوء في نهاية النفق. وإذ ينوء الشعب الأميركي بثقل مادي ونفسي غير مسبوق، بأثر من "كوفيد 19"، ينتهي الأمر بكل خبر يُحتمَل أنه جيد إلى الهيمنة على العناوين العريضة، حتى لو توجّب النظر في مدى صحته. ويضخم الناس الأمر لأننا بحاجة حقاً إلى مبادرة محورية الآن فوراً، ونرغب فيها. في المقابل، يجب الاعتراف بالحقائق بغض النظر عمّا نريده أو نشعر به، ولاسيما في المجالين العلمي والطبي.
إذ تختبر المرحلة الأولى من التجارب السريرية ببساطة سلامة أحد العقاقير أو اللقاحات، في عدد صغير من المتطوعين الأصحاء، من الطلاب الجامعيين الشجعان والسذج عادة. وتتناول المرحلة الثانية من التجارب مسؤولية اختبار فاعلية الدواء أو اللقاح في عدد أكبر من المشاركين. ويشكّل صدور رد صاخب وحيوي كهذا على مرحلة أولى من التجارب، أمراً نادراً وغير مسبوق تقريباً، حتى في الوضع الاستثنائي المتمثل بكورونا. ويكون الحال على تلك الشاكلة، خصوصاً في ظل قلّة المعلومات المتجمعة بشأن عقار تجريبي في المرحلة الأولى ولا تزال أمامه عقبات كثيرة ينبغي له تجاوزها قبل أن يصل بنجاح إلى السوق. وفي الواقع، يتجاوز 77 في المئة من لقاحات الأمراض المعدية المرحلة الأولى، ولا يتجاوز سوى 33 في المئة منها العملية الكاملة ككل.
وكذلك تبدو البيانات الفعلية حول نجاح اللقاح واهية أكثر لدى تفحص البيان الصحافي لـ"موديرنا" غير المُراجَع من قبل أقران من المتخصصين. إذ يفيد البيان بأنه من بين 45 مريضاً تلقوا اللقاح، لا تتوفر بيانات "حول [قدرة اللقاح على تحفيز إنتاج] أجسام مناعية مضادة [تستطيع أن تُحيّد الفيروس في الجسم، بمعنى أن تلغي تأثيره] إلا للمشاركين الأربعة الأول في المجموعتين الخاصتين بالجرعتين المؤلفتين من 25 ميكروغراماً و100 ميكروغرام". بعبارة أخرى، يعني ذلك أن الفريق العلمي لم يمتلك سوى بيانات ثمانية مرضى، تتعلق بمعرفة مدى قدرة اللقاح على تحفيز استجابة من الأجسام المضادة يمكن لها أن تكافح فيروس كورونا. وهذا لا يكفي لإجراء تحليل إحصائي، ويثير أيضاً سؤالاً حول وضع المرضى الـ37 الآخرين الذين تلقوا اللقاح أيضاً.
وفي السياق نفسه، لم تشر "موديرنا" سوى إلى بيانات مستمدة من الفئران حين تعلق الأمر بتحديد مدى فاعلية "الأجسام المناعية المضادة المُحَيِّدَة" سريرياً في مواجهة فيروس كورونا. ولا يقتصر الأمر على الفوارق الهائلة بين الفئران والبشر، بل يثبت التاريخ أيضاً أن النجاح في النماذج الحيوانية لا يتكرر غالباً في الدراسات المُطَبَّقَة على بشر. ويصح ذلك في شكل خاص على لقاح "موديرنا" المستند إلى تركيب جيني يسمّى "الحمض النووي الريبوزي المرسال" messenger RNA [وهو تركيب مسؤول عن تكاثر الفيروس في الجسم] يفترض أن يكون الأول من نوعه الذي يصل إلى الأسواق العالمية، إذا اجتاز الاختبارات السريرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


وتستخدم لقاحات كثيرة، كتلك المستعملة ضد فيروسات الإنفلونزا، فيروساً معطلاً مدمراً بالحرارة أو مواد كيماوية كـ"فورمالديهايد"، كي يتولّى تحفيز استجابة مناعية من دون أن يصيبكم بالعدوى. وفي المقابل، تستخدم لقاحات أخرى، كتلك المخصصة للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية [= "اللقاح الثلاثي"] فيروساً حيّاً مخففاً يُزرَع بطريقة تجعله ضعيفاً وغير قادر على إيذائكم، لكنه يستطيع تدريب جهازكم المناعي على مكافحته.
في ذلك الصدد، أقل ما يمكن قوله بشأن لقاح "موديرنا" المستند إلى تركيب جيني متمثّلاً في الحمض النووي الريبوزي المرسال، إنه جديد تماماً وثوري. إذ يستخدم نوعاً من ذلك التركيب جرى إنتاجه في المختبر، ولدى حقنه في جسمكم، يجب عليه أن يخترق خلاياكم، ويصادر الآلية الطبيعية لإنتاج الإجسام المناعية المُضادة (التي تتولاها مكوّنات تسمى "ريبوزومات")، كي يتاح لذلك التركيب الفيروسي تدريب جهازكم المناعي على المقاومة. وفي هذه الحالة، يكون اللقاح "إم آر إن إيه-1273" (mRNA-1273) الخاص بـ"موديرنا" مبرمَجَاً لجعل خلاياكم تنتج تلك التراكيب التي تُشاهد على سطح فيروس كورونا، وقد باتت شهيرة تماماً، والتي تعطي الفيروس شكل التاج الذي يميزه ("كورونا" يعني التاج باللاتينية) ويعطيه اسمه.
وبطرق كثيرة، يعمل اللقاح بالطريقة نفسها مثل فيروس له تركيب جيني مُطابق للحمض النووي الريبوزي المُشار إليه آنفاً، باستثناء أنه يصادر خلاياكم لإنتاج الأجزاء الفيروسية، كتلك النتوءات الشهيرة، بدلاً من الفيروس كله. وتذكيراً، تستطيع بعض اللقاحات المستندة إلى "الحمض النووي الريبوزي المرسال"، أن تضخّم نفسها. وهذا يعني أنها لا تكتفي بعملها كجسيم له تركيب جيني مغاير للجسم البشري، ما يؤدي إلى إطلاق رد فعل مناعي من قِبَل الأخير ضده، بل إنها تعمل على تركيب إنزيم (يسمّى "بوليميرز") كي يساعدها في تسخير الخلايا البشرية فتصبح منصة لتكاثر الفيروس عبر صنع نُسخ منه.
وفي مرحلة ما، سيصعب إقناع أصحاب نظرية المؤامرة والمعادين للتلقيح بأن لقاحاً مستنداً إلى "الحمض النووي الريبوزي المرسال" ويستطيع تضخيم نفسه، ليس فيروساً أنشئ بطريقة اصطناعية في مختبر ما. وفي الواقع، ليس قبول الرأي العام لهذا النموذج الجديد شيئاً قابلاً للقبول أو الرفض بسهولة. ثمة مخاطر فريدة وغير معروفة للقاحات المستندة إلى "الحمض النووي الريبوزي المرسال"، وتشمل إمكانية أن تولّد ردّ فعل مناعي قويّاً يتضمن إنتاج كميات كبيرة من أجسام مناعية مُضادة، خصوصاً تلك التي تُعرف باسم "إنترفيرون"، وهي مُكوّنات الحالات الالتهابية أيضاً، ما يعني أنها تُحدث تداخلاً وتشابكاً بين رد الفعل المناعي وبين نشوء حالة التهابية.
في مقلب مغاير، لا تعني المعطيات السابقة عدم وجود ميزات مهمة في الحصول على لقاحات مستندة إلى "الحمض النووي الريبوزي المرسال". إذ يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة وبتكلفة متدنية على النطاق الواسع الضروري لجهود التلقيح العالمية التي نحتاجها بشدة في مواجهة جائحة فيروس كورونا. وكذلك لا تتطلب تخزيناً بارداً مستمراً بطريقة تثير تحديات لدى توزيع اللقاحات في البلدان الفقيرة والمناطق الريفية التي لا يتوفر فيها نُظُم تبريد موثوقة كي تستفيد منها مواقع الرعاية الصحية.
استطراداً، تفيد الحقائق بإن اللقاحات المستندة إلى "الحمض النووي الريبوزي المرسال"، لم تُسوَّق أبداً من قبل بهدف الاستخدام البشري. ويعني ذلك أيضاً أن الضجيج المُثار حول لقاح "موديرنا" يتطلب منا أن نصدق في شكل أعمى أمرين، لا أمراً واحداً، أولهما أن اللقاح سينجح في مكافحة فيروس غير معروف قبلاً، وسيفعل ذلك بطريقة لم نشهد لها مثيلاً قبلاً.
في السياق ذاته، يكون السؤال الأهم الواجب طرحه حول اللقاح المستند إلى "الحمض النووي الريبوزي" الخاص بـ"موديرنا" ليس سؤالاً علمياً أو فنياً، بل سؤال أخلاقي ومعنوي. وبمقدار ما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة ونظامها الصحي المملوك من القطاع الخاص، تمتلك شركات المنتجات الصيدلانية تاريخاً طويلاً ودنيئاً من تفضيل الأرباح على البشر وحياتهم. ومثلاً، يجري تسعير أدوية مهمة كالـ"إنسولين" الأساسي في علاج السكري، بما يجعل الوصول إليها قصراً على من يستطيع دفع ثمنها، وذلك حساب مميت بالنسبة لمن لا يستطيعون ذلك. وتذكيراً، حين اكتشف الدكتور فردريك بانتينغ والدكتور تشارلز بست مادة الـ"إنسولين" في 1921، باعا براءة اختراعها في مقابل دولار واحد لأنهما لم يستطيعا تحمل فكرة التربح من عقار يستهدف إنقاذ حيوات البشر. لكن شركات للمستحضرات الصيدلانية، مثل "إيلي ليلي"، رفعت سعر الإنسولين في شكل هائل باستخدام عملية اسمها "التجديد الدائم"، إذ تدخل تغييرات بسيطة إلى العقار بهدف تجديد براءات اختراعاتها إلى مالانهاية. هل يمكن أن يحدث الشيء نفسه مع اللقاح المستند إلى "الحمض النووي الريبوزي المرسال" الجديد والثوري الذي تعمل "موديرنا" عليه لمكافحة فيروس كورونا؟ وإذا أصبحت شركات المستحضرات الصيدلانية الأميركية حراساً للقاح، فهل ستسمح للجميع بالحصول عليه بتكلفة منخفضة أم ستولي الأولوية للأغنياء والأقوياء؟
تمتلك "مجموعة أوكسفورد للقاحات" لقاحاً منافساً لفيروس كورونا اسمه "سي إتش إيه دي أو أكس وان إن كوفيد-19" (ChAdOx1 nCoV-19). ويعمل بواسطة إعادة البرمجة الجينية لنوع من الفيروسات لا تتسبب بسوى زكام عابر لدى البشر، لكنه يستطيع تحفيز استجابة مناعية قوية. وتشتغل عليه "مجموعة أوكسفورد" كي يصبح قادراً على صنع النتوءات الشهيرة الموجودة على سطح فيروس كورونا، لأنه [فيروس اللقاح] يحتوي نتوءات مماثلة على سطحه أيضاً. ومن ثم يُحقَن ذلك الفيروس الذي يمكن تعديله بطريقة تضمن عدم تسخيره الخلايا البشرية في صنع نُسخٍ متكاثرة عنه، كلقاح يتيح لأجسامنا توليد أجسام مضادة واقية وذاكرة مناعية لمقاومة فيروس كورونا.
وعلى خلاف اللقاح المستند إلى "الحمض النووي الريبوزي المرسال" لـ"موديرنا"، لا يحتاج فيروس لقاح أوكسفورد إلى اقتحام خلايانا ومصادرة آليتها الخاصة كي يُنتج النتوءات المطلوبة على سطحه. وبدلاً من ذلك، يعمد الفيروس إلى مصادرة آلية تستخدمها الفيروسات في دخول أجسامنا. ومن المنظور الطبي والسريري، ثمة خطر أقل لتوليد استجابة مناعية بأجسام مناعية مضادة من نوع "إنترفيرون" ولا تحفيز رد فعل التهابي، لأنه يحول دون دخول كل أنواع الحمض النووي الريبوزي المرسال [كتلك التي يسخرها كورونا في عمله] إلى دمنا، وتالياً لا يمكّنها من اقتحام خلايانا.
والأهم أن "مجموعة أوكسفورد للقاحات" جزء من نظام شامل للرعاية الصحية اسمه هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" في المملكة المتحدة. وهكذا يقل كثيراً احتمال التلاعب بالأسعار وإقامة حواجز أمام الوصول إلى اللقاح النهائي لفيروس كورونا، بالمقارنة بالحال بالنسبة إلى لقاح "موديرنا". وإذا سمح الضجيج غير المستحق في صفوف المستثمرين ووسائل الإعلام في شأن اللقاح المستند إلى "الحمض النووي الريبوزي المرسال" لفيروس كورونا الذي تختبره "موديرنا"، للشركة بأن تسبق المنافسين جميعاً حول العالم، فقد يضحى في متناول أيدينا لقاح قد يكون خطراً أو مجهول العواقب، وكذلك قد لا يتمكن كثيرون منا حتى من مجرد دفع ثمنه. فلتكن الفرص متكافئة هنا. فلنركز إثارتنا وحيويتنا على الوقائع والأدلة والبيانات الفعلية، بدلاً من عواطفنا ومشاعرنا غير المستقرة. نحن في هذه المعمعة معاً، بمن في ذلك الفقراء في أميركا والفقراء في البلدان الفقيرة حول العالم الذين يصبون في نهاية المطاف إلى لقاح لفيروس كورونا يكون آمناً وفاعلاً وأخيراً وليس آخراً، بسعر مقبول.

© The Independent

المزيد من داء ودواء