Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التطوع" خشبة خلاص المجتمع الفرنسي في أزمة كورونا

ساند المتطوعون الدولة مادياً ومعنوياً في حربها ضد احتواء الوباء

"التطوع" فعل نبيل امتهنه عديدون من أبناء التنوّع الثقافي والعرقي الغنيّ على الأراضي الفرنسية (غيتي)

فرنسيون وآخرون من أبناء الأعراق المختلفة يعيشون في فرنسا، بلاد القوس قزح، جنباً إلى جنب وقت السلم وفي أوقات الشدائد، تحكمهم عقيدة موحّدة تقوم على مبادئ الحرية، والمساواة والإخاء. وهم اليوم يتقاسمون جميعاً مصيبة واحدة، ويواجهون معاً وباءً فظيعاً، لم يميّز في ضحاياه بين صغيرٍ أو كبيرٍ، بين فرنسيّ أو غير فرنسيّ.

لكن، وكما الحال في كل مصائب ومحن التاريخ، تنبثق من قلب العتمة خيوط ضوء، تعيننا على الاحتمال، وتنبئنا أن الإنسانية ما زالت على قيد الحياة. وفي محنة فرنسا الأخيرة، المستمرة حتى اللحظة، أضاء "التطوع" قتامة أيامنا، باعتباره فعلاً نبيلاً، امتهنه عديدون من أبناء هذا التنوّع الثقافي والعرقي الغنيّ على الأراضي الفرنسية، إذ تصدّر أبناء الجنسيات غير الفرنسية من مقيمين ولاجئين قوائم المتطوعين، مبادرين ومتكاتفين في مواجهة خطر الوباء الفيروسي.

منذ بداية انتشار فيروس كوفيد 19، ومع تنامي خطره على النسيج المجتمعي الفرنسي، ذهب كثير من المؤسسات والمنظمات والجمعيات الحكومية وشبه الحكومية إلى فتح باب التطوع أمام الراغبين في المساهمة بتقديم خدماتهم في عدة مجالات: مرافقة كبار السن، وتوفير حاجاتهم، وصناعة وسائل الحماية والوقاية، وغيرها من الاستراتيجيات اللازمة للمرحلة.

ويشكّل التنوّع في جنسيات المتطوعين في خضم الأزمة حجة قوية أمام الأصوات المتطرفة، التي تعادي موجات اللجوء والهجرة، محاربةً الوجود الأجنبي على الأراضي الفرنسية. إذ أثبت هؤلاء المتطوعون غير الفرنسيين، اندماجهم الحقيقي في المجتمع الفرنسي، وجاهزيتهم للدفاع عنه.

وفي الحقيقة، أنقذ المتطوعون الدولة، وساندوها مادياً ومعنوياً في حربها، لاحتواء المرض، وهو ما جاءت على ذكره وسائل الإعلام المحلية في فرنسا، مشيدةً بهذا الدور الإنساني الذي يعكس روح التضامن والمسؤولية.

في قطاع الصحة، لعب المتطوعون دوراً مهماً في استقبال المصابين وعلاجهم. وكانت صحيفة لوباريسيان ذكرت في الـ11 من أبريل (نيسان) الماضي على لسان مارتن هيرش المدير العام لمستشفيات باريس وضواحيها (AP - HP)، أن توقعات الوضع للأشهر المقبلة تقتضي وجود آلاف المتطوعين داخل المستشفيات والمراكز الصحية. إذ استقبلوا في ذلك الوقت نحو 1500 متطوع من الأطباء والممرضين، باستثناء المتطوعين الذين حضروا لدعم الطاقم الطبي. كذلك سُجِّل 18000 طلب تطوع على منصة (AP - HP) من قِبل أشخاص راغبين في عرض خدماتهم بقطاع الصحة.

واليوم، ومع تطبيق إجراءات رفع الحظر الصحي في فرنسا، ما زالت القصص عن المتطوعين والعمل التطوعي تحتلّ مساحات خاصة على المنصات الإعلامية. كذلك ما زالت الحاجة إلى التطوّع مُلحة في مجال تصنيع الكمامات والملابس الواقية، إذ تستمر الهيئات والجمعيات بطلب المساعدة من الأشخاص القادرين على التطوّع، بعد أن عاد كثيرون إلى أعمالهم.

ومن جهته، أعلن معهد إعداد الممرضين (Ifsi) في مدينة شوليه ضمن مقاطعة اللوار بالتعاون مع بعض الجمعيات، ورشات عمل لتدريب المتطوعين، وتعريفهم بالعمل المطلوب، بعد أن انخفضت أعداد المتطوعين مع رفع الحظر.

التقت "اندبندنت عربية" بعض المتطوعين، الذين أسهموا في تخفيف عبء المرحلة الراهنة، وحاورتهم لتسلّط الضوء على مبادراتهم الإنسانية بالمجتمع الفرنسي.

التطوع أسلوب حياة
يرى الصحافي السوري صخر إدريس أن العمل التطوعي "يلغي جميع الفروق بين البشر، فهو أسلوب حياة يُضفي قيمة نوعية للإنسان". ويقول "هذا ليس أوّل عمل تطوعي أقوم به. تطوّعت في عدة مجالات، مثل حماية الصحافيين بمناطق النزاع. لكن في الحقيقة، إن تطوعي الحاليّ يحمل قيمة أكبر، لأنه ينقذ حياة الآخرين".

ويروي إدريس تجربته التطوعية، مبيناً أن النداءات المباشرة وغير المباشرة التي وجّهت لملء الخدمات المنقوصة في فرنسا منذ بداية الأزمة، استفزته للمبادرة، فتواصل مع بلدية باريس وعدة جهات أخرى من أجل التطوع وتقديم المساعدة المطلوبة.

 

من بين الجهات مدرسة Ecole Fair التي يتعلّم فيها اللغة الفرنسية، التي طلبت منه المسؤولة فيها العمل في مجال تصنيع الكمامات، وعلى الرغم من أنه كان يفكّر بالعمل في دعم ومساندة كبار السن، على سبيل المثال، ولم يخطر بباله أبداً الكمامات. فإنه وافق من دون تردد، فالمبدأ واحد.

ذهب إلى المدرسة، وتعلّم قصّ القماش، ومن ثمّ في مرحلة لاحقة صار يقوم بالخياطة. العملية في مجملها سهلة، ولا تحتاج إلى تعقيد، عبارة عن مربعات بقياس موحّد، لا أكثر. كذلك أرسلت له بلدية باريس للمساعدة في توزيع وجبات أسبوعية على كبار السن، وقَبِلَ المهمة.

ويقول إدريس: "معظم أفراد الفريق التطوعي هم من اللاجئين الذين جاؤوا إلى فرنسا من بلاد أنهكتها الحروب والكوارث. اللاجئون مجبورون على مغادرة أوطانهم، لذا تجدهم دائماً يبحثون عن أوطانٍ بديلة. لن يتأخّروا أبداً على مساعدتها ودعمها في أوقاتها الحرجة. وهم أكثر قدرة على الفدائية، باعتبارهم خاضوا مصائب كثيرة في الحياة". ويضيف: "أتمنى أن تكون مبادرات اللاجئين التطوعية رسالة واضحة في وجه الشريحة العنصرية الموجودة بفرنسا".

واجبنا مساعدة مجتمعنا الجديد
"بادرت بالمساعدة لا شعورياً. إنه الحس الإنساني الطبيعي. ومن جهة أخرى، أجد أنه من واجبنا اليوم أن نساعد وندعم هذا المجتمع الذي صرنا جزءاً منه. ومما لا شكّ فيه أن مبادرتي هذه ستشجّع غيري"، هذا ما قاله فرحان ضاحي سوريّ الجنسية، في تعليقه على مبادرته بتقديم وجبات إلى عدد من الطلاب الجامعيين بمدينة بوردو، الذين تضرروا مادياً بسبب الإغلاق والحظر الصحي.

يعود ضاحي بالفكرة إلى البداية، عندما قرأ خبراً في إحدى الصحف الفرنسية يؤكّد أن نحو 700 طالب في المدينة الجامعية ببوردو، من الذين كانوا يعملون نصف دوام توقّفوا عن العمل، بالتالي لم يعودوا قادرين على تلبية حاجاتهم اليومية والبسيطة من الطعام. ويقول: "لقد شعرت بقهرٍ شديد، وانزعجت جداً".

 

وبعد أن قام ببعض الاتصالات والاستفسارات، استطاع التواصل مع جمعية Le Diaconat de Bordeaux إحدى الجمعيات المعنية بتوفير وجبات مجانية للمحتاجين وسط أزمة كورونا. أخبرته الجمعية بأنها تقوم بمساعدة فئتين من مجتمع بوردو: الطلاب، والواصلين الجدد إلى الأراضي الفرنسية، الذين جرى تأجيل تقديمهم للجوء بسبب توقف الدوائر الحكومية عن العمل، وهم لا يحصلون على أي مساعدات مادية.

تعمل الجمعية على جمع التبرعات، وطهي الطعام وتجهيزه في مقرها الخاص. وكحالة استثنائية قَبلت أن تأخذ من وجبات طبخها في مطعمه داخل المنزل، لتوزّع على طلاب المدينة الجامعية.

قدّم ضاحي 55 وجبة، تضمّ مجموعة متنوّعة من الأكلات السورية، التي باتت معروفة ومفضّلة لدى الفرنسيين. مع العلم أنه كل يوم إثنين يذهب لمساعدة أعضاء الجمعية في طبخ وتجهيز 100 وجبة، لتوزّع على المشردين الذين جرى إيواؤهم في زمن كورونا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لرمضان من التطوع نصيب
وفي رمضان، وبينما البلاد الفرنسية ما زالت تقبع تحت الحجر الصحي، التفتت الأعمال التطوعية إلى ضرورة تأمين وجبات إفطار للصائمين المسلمين في عدة مدن، إذ قد يصعب على البعض تلبية حاجاتهم بسبب الأزمة الاقتصادية التي ألمّت بهم.

مراد مرجي، جزائريّ يدرس في معهد اللغات والحضارات الشرقية بباريس، يوضّح لنا في حديثه عن عمله بإحدى المبادرات من هذا النوع، أن الفكرة بدأت عفوية كدعوة تطوعية عبر موقع "فيسبوك"، وتقدّم إليها كثيرون، إلا أنه وبعد دراسة طللبات التطوّع اُختير البعض فقط، ولحسن حظه كان منهم.

ويؤكّد عفوية المبادرة، حتى إنهم لم يقوموا بتسميتها أو بتبني أي شعار لها. المتطوعون معظمهم من الطلبة الذين يرغبون في المساعدة، جزائريون، وفرنسيون، وتونسيون، ومغاربيون، وسوريون.

 

المزيد من تقارير