Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يعيد الثقة بمستشارة ألمانيا ويضر باليمين المتطرف

تراجع أرقام الاقتراع لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف في حين يلقى بث مدونة إذاعية لعالِمٍ رائد في الفيروسات تابع للحكومة اهتماماً متزايدا

شهدت المؤسسة السياسية في ألمانيا أزمة في فبراير (شباط) الماضي. ففي ولاية تورينغيا الواقعة إلى الشرق من البلاد، عمل حزب "البديل من أجل ألمانيا" AfD اليميني المتطرف، مع حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" CDU الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، على انتخاب رئيسٍ للوزراء في الولاية، وكسر قاعدة قانونية غير منصوصٍ عليها في ما يتعلّق بعدم التعاون مع اليمين المتطرف. وأدى الشعور بالغضب وعدم الرضا لدى جمهور حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، إلى استقالة أنيغريت كرامب كارينباور التي كانت تُعدّ في السابق خليفةً لميركل.

لكن بعد مرور ثلاثة أشهر فقط، بدت الأمور مختلفة تماماً، فقد شهد حزب "البديل من أجل ألمانيا" تراجعاً بعد أن بلغ التأييد الشعبي له ما يقرب 10 في المئة فقط، وهي أدنى نتيجة له منذ عام 2017، وذلك بعدما فشل سياسيّوه الانتهازيون عادةً في العمل على تجيير تفشّي فيروس كورونا لمصلحتهم. وفي هذا الإطار أظهر تحليلٌ لحسابات وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للحزب، أن مدى وصولها إلى الناس ما بين منتصف مارس (آذار) إلى أوائل أبريل (نيسان)، انخفض تقريباً بمقدار النصف.

في غضون ذلك، قفز حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" من نسبة تأييدٍ كانت في حدود 27 في المئة في فبراير (شباط) الماضي، إلى 38 في المئة. ويقول نحو 67 في المئة من الألمان إنهم إما "راضون" أو "راضون جداً" عن الطريقة التي تتعامل حكومتهم من خلالها مع مكافحة الوباء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وترى أندريا روميلي، البروفيسورة في علم الاتّصال في مجال السياسة والمجتمع المدني في "مدرسة هيرتي" في برلين، أن "في أوقات الأزمات، يحصل عادةً الذين يكونون في موقع المسؤولية على تأييد الناخبين. إنهم الوحيدون الذين يمكنهم القيام بأيّ شيء، في حين أن المعارضة تكون عاجزة عن التصرف". وفي دولٍ أوروبية أخرى مثل إسبانيا والنمسا والسويد وفنلندا، شهدت أحزاب اليمين الشعبوية التي تقف في صفوف المعارضة كذلك، انخفاضاً في دعم الناخبين لها.

يُضاف إلى ذلك، أن طبيعة أزمة تفشّي هذا الفيروس، حرمت حزب "البديل من أجل ألمانيا" من قدرته على استخدام تكتيكاته المعروفة. وتوضح روميلي أن "الحزب قدّم أداءً جيداً عندما كان هناك كبش فداء، أما اليوم فلا توجد ضحية. إنه حزب يقف عند أقصى يمين السياسة، وما نشاهده الآن هو عودةٌ للدولة الكبيرة والقوية، مع الأموال كلها التي يتم ضخها في سوق العمل، وهذا يناقض تماماً ما ينادي به حزب (البديل من أجل ألمانيا)".

في المقابل، سُجّل تطوّر آخر مثير للاهتمام على امتداد أزمة الوباء، تمثّل في تجدّد ثقة الناس في العلوم والخبرة، على نقيض الكلام الشعبوي للحزب اليميني، فقد تردد اسم العالم في الفيروسات كريستيان دروستن الذي يقدّم النصح للحكومة الألمانية، وبات معروفاً منذ بداية تفشي المرض، وحقّقت المدونات الإذاعية  اليومية التي يجريها مع محطة NDR التلفزيونية الرسمية، أكثر من 34.5 مليون عملية تنزيل.

وتكشف كورينا هينيغ الصحافية العلمية في محطة NDR، مستضيفة ومحررة حوارات هذه المدونات الصوتية مع دروستين، أن "الناس يبعثون بآلاف الرسائل الإلكترونية التي توضح مدى إعجابهم بتلك المواد، لا سيما التفاصيل العلمية المعقدة التي تشتمل عليها، وأعتقد أن هذا ما يجعلهم يثقون بها" على حد تعبيرها.

إلا أن هينينغ ترى أنه على الرغم من أن الهدف من مواد المدونات الصوتية هو إبقاء الناس على اطّلاع على تفشي المرض، فقد شكّل تحدّي الشعبوية بالتأكيد "أحد الآثار الجانبية". وتوضح أن "أشخاصاً كأعضاء حزب "البديل من أجل ألمانيا"، يقدّمون إجاباتٍ سهلة وبسيطة، فيما نحن نقول للناس إنه لا توجد أمور قاطعة، وعلينا جميعاً أن نعيش مع أسئلةٍ بلا إجابات".

من جانبها، نجحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في كسب الثناء في سياسة التواصل الواضحة والثابتة التي اعتمدتها مع الناس، ما أسهم في تحسين مستوى الثقة فيها وفي تصنيفات الموافقة على أدائها. وتلفت روميلي إلى أن ميركل "عندما تخاطب الجمهور على شاشة التلفزيون غالباً ما يكون برفقتها أحد العلماء في الفيروسات، ما يدل على مدى اعتمادها على العلوم والأرقام". وترى الخبيرة في علم الاتصال أن المستشارة الألمانية "قد لا تكون الشخصية الأكثر حيويةً وجذباً وتألقاً، لكنها اكتسبت بطريقتها التكنوقراطية كاريزما جديدة، على ما أعتقد".

وكان حزب "البديل من أجل ألمانيا" قد انتقد في بداية الأزمة الحكومة المركزية على عدم تصرفها بالسرعة الكافية. أما الآن، وفيما بدأت ألمانيا إعادة فتح اقتصادها ببطء، يحاول الحزب إجراء إعادة التموضع بتصوير نفسه على أنه الحزب المناهض للإغلاق. وقد نُظّمت احتجاجاتٍ متصاعدة في جميع أنحاء البلاد خلال الأسابيع القليلة الماضية، شارك فيها طاقم متنوّع من منظّري المؤامرة من أقصى اليسار إلى اليمين المتطرّف. وعلى الرغم من ذلك، لا يبدو أن هذه التحركات قد حسنّت من موقع حزب "البديل من أجل ألمانيا" في الاستطلاعات.

لكن البروفيسورة روميلي نبّهت إلى أن الحزب ما زال قادراً على العودة، وتقول إن "ألمانيا، كغيرها من البلدان الأخرى، تواجه مرحلة ركود اقتصادي. وعندما تنتهي هذه الأزمة، لنقل بعد سنة من الآن، سنواجه أزمة بطالةٍ كبيرة واستياءً لدى الناس". وترجّح أن يحقّق الحزب مكاسب أكبر في مناطق ألمانيا الشرقية السابقة، حيث يحظى بدعم أكبر، فالولايات الشرقية هي أكثر فقراً، ويحقق الموظفون الذين يعملون بدوامٍ كامل، متوسط دخل أقل بنحو 16 في المئة من نظرائهم في الولايات الغربية، ويُحتمل تالياً أن يوجه الركود الاقتصادي ضربةً أكبر إليهم.

وتشير روميلي إلى أن "تلك المناطق تشكل جزءاً من البلاد شهد فيها السكان تبدّلاتٍ كبيرة حتى الآن، الأمر الذي يمثّل تغييراً آخر في اللعبة. إن ثقتهم بالدولة ليست كبيرة هي الأخرى، وهو أمر مفهوم، نظراً إلى ماضيهم". ومما لا شك فيه أن دولةً قويةً سيكون لها الدور الأكبر في محاولة إعادة الاقتصاد إلى مساره الصحيح، وهذا قد ينشيء ظروفاً مؤاتية يمكن لحزب "البديل من أجل ألمانيا" أن يستغلها.

معلومٌ أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" قام أساساً في عام 2013 على مبدأ التشكيك في أوروبا، واعترض على عمليات الإنقاذ المالي في جنوب القارة، وهو يمكن أن يتطلّع الآن إلى استغلال الضجة الراهنة المتعلقة بما تُسمى "سندات كورونا" coronabonds، وهي طلبات لتخفيف الديون المشتركة في منطقة اليورو، من جانب إيطاليا وفرنسا وإسبانيا. وتقول روميلي "لقد رأوا في الهجرة فرصةً أفضل، لكن ربما تكمن الآن إحدى استراتيجيات الحزب في العودة إلى جذوره".

يمكن القول أيضاً إنه، بغض النظر عن استطلاعات الرأي، فإن حزب "البديل من أجل ألمانيا" ألحق حتى الآن ضرراً جدّياً بالمجتمع الألماني، قد تصعب إزالة آثاره. وفي هذا الإطار كان تقرير صادر عن "المفوضية الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصّب" قد لاحظ في وقتٍ سابق من هذه السنة، أن الخطاب العام أصبح يتسم بطابع أكثر كرهاً للأجانب، وأن هجماتٍ إرهابية عِدة تم شنها من قبل متطرفين يمينيين.

على الرغم من ذلك، تعتقد البروفيسورة روميلي أنه ما زال هناك مجال لوقف هذا الانتشار، وتقول "إننا نتيح للناس استخدام موقع يويتوب كي ينشروا كل ما يعكس آراء حزب (البديل من أجل ألمانيا)، وكأن كل شيء مفبرك، وأنه لا يمكن الوثوق بالسياسيين. لكن هناك مجموعةً صغيرة تقف في منطقةٍ رمادية ما بين الأبيض والأسود، ويمكن الوصول إلى أفرادها".

© The Independent

المزيد من تحلیل