Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل سينجح الكاظمي في استثمار التأييد الذي فاز به داخليا وخارجيا؟

الأجواء تسمح لرئيس الحكومة بالعمل على توسيع هامش المناورة لصالح تعزيز استقلالية الدولة وتوازنها ومؤسساتها

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يترأس اجتماعا وزاريا للحكومة الجديدة (أ.ف.ب)

هذه المرة، لعب عامل الوقت لصالح الإدارة الأميركية، ما سمح لوزير الخارجية مايك بومبيو أن يسارع إلى مصادرة الحدث العراقي مستبقاً غريمه الإيراني، عندما وجّه رسالة تهنئة وتبريك لرئيس الوزراء العراقي وفريقه الوزاري لنيل الثقة والعبور من قناة التصويت البرلمانية في الساعات الأولى من فجر السابع من مايو (أيار) 2020، مستفيداً بذلك من الفارق في التوقيت بين منطقة الشرق الأوسط والقارة الأميركية، الذي يصل إلى ثماني ساعات، في وقت كانت الإدارة الإيرانية بكل مستوياتها تحت سلطان النوم ولم تسعفها طقوس السحور الرمضاني في استدراك السبق الأميركي.

الإدارة الأميركية التي ترددت، في ما يبدو، بإعلان موقف مرحب عند تمسية الكاظمي كمرشح لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة بدلا عن عدنان الزرفي، كانت تسعى لاختبار الجديّة الإيرانية في موقفها الإيجابي من هذه التسمية، بعد أن سبق لعدد من فصائل الحشد الشعبي الموالين والتابعين لإيران اتهامه بالضلوع في عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني مطلع العام الحالي في بغداد.

وبعيداً من سياسة "التنميط" التي تسهّل عملية التصنيف للأشخاص ووضعهم في خانات سياسية تساعد لاحقاً على تسويغ أي موقف منهم، وهي التي، أي سياسة التنميط، سمحت للكثير من القوى السياسية والأحزاب القريبة من إيران وضع الكاظمي في خانة التوصيف بأنه "أميركي الهوى والهوية"، إنما كانت تصدر عن أزمة بنيوية في تكوينها السياسي والفكري لا تسمح لها أن ترى خارج الصندوق الذي أتت منه أو تفكر في التحديات التي تواجهها من خارج هذا الصندوق، ومن منطلق وطني أعمّ وأشمل.

قد ينطبق هذا الوصف أو التصنيف على جزء أو بعض هذه القوى التي تضع نفسها في خانة القوى العقائدية والولائية المحضة في السياق الإيراني، في حين أن المسار الذي اتخذته التطورات التي سبقت ورافقت تكليف الكاظمي، ومن ثم تشكيل حكومته، كشفت أن بعض القوى والأحزاب المحسوبة في ولائها على طهران، ذهبت مذهباً مختلفاً عن نظيراتها العقائدية أو تلك التي فضّلت أن تبقى خارج لعبة السلطة وعدم المشاركة والحصول على حصة في الدولة. إذ ذهبت هذه الفصائل إلى التعامل البراغماتي مع الواقع الذي فرضه وصول الكاظمي ليكون الخيار المنقذ لها ولغيرها من القوى والأطراف وللعراق من الوقوع في المجهول الذي يحمل إمكانية التفجير في أي لحظة نظراً لاحتدام التحدي في معركة الإرادات، خصوصاً بين هذه الفصائل والقوى وبين الشارع المتأهب للانفجار إذا لم يلمس آليات جديّة في تعامل الطبقة السياسية مع الاعتراضات والتراكمات السلبية لتجربة الحكم التي أجبرته على الخروج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا شكّ أن لدى الكاظمي فرصة قد لا تتوفّر ولا تتهيأ لشخص أو رئيس وزراء غيره لإحداث فارق في العملية السياسية والحدّ من مسار الانحدار بالعراق نحو مزيد من الفساد، وكبح جماح أطماع القوى السياسية في تقاسم السلطة وتحويلها إلى حصص ومحاصصات من دون الأخذ بعين الاعتبار مستوى التردي الذي وصلت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية في العراق. لذلك فإن التحدي الأكبر أمام رئيس الوزراء الجديد أن يجيد إدارة هذا التأييد المعلن وغير المعلن داخلياً وأن يقدّم نموذجاً مختلفاً عن سلفه في إدارة الأزمة العراقية وإعادة بناء الثقة الشعبية بمؤسسات الدولة من خلال الحدّ من "ثقافة الفساد" وفتح باب المحاسبة بقدر ما يسمح به ما تبقى من مؤسسات الدولة الرقابية التي نخرتها الاستقطابات والمحاصصات الفئوية والحزبية والعصبية.

وفي مجتمع يكاد يكون مُقَدِّساً للقوة والحزم، وهو البعد الذي عملت على توظيفه الفصائل المسلحة متأثرة بالنمط الذي أسس له رئيس النظام السابق صدام حسين، فإن التحدي الأكبر أمام الكاظمي العمل على ترميم التصدعات التي أصابت المؤسسة العسكرية والجيش العراقي خلال السنة الماضية من حكم سلفه عادل عبد المهدي، التي هشّمت الكثير من الإنجازات التأسيسية التي قام بها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الأمر الذي يسمح بإعداد مسار تعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها العسكرية على أسس وطنية بعيدة من التحاصصية، ما يسمح لاحقاً في تحجيم دور وتأثير تلك الفصائل التي تعتاش على ضعف المؤسسة العسكرية الرسمية وتبني نفوذها وسلطتها على حساب مؤسسات الدولة عامة، إذ ليس المطلوب الدخول في مواجهة معها على ما في ذلك من مخاطر قد تفجّر العراق برمته، بل العودة إلى تفعيل عملية دمجها كأحد "صنوف القوات المسلحة" الخاضعة لأوامر وتوجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة، خاضعة للآليات المعتمدة في هذه المؤسسة بما يقطع الطريق على بقائها أداة في يد الفصائل داخل الدولة تسمح لها بممارسة الضغط والابتزاز.

وفي هذا السياق، إذا ما كانت واشنطن والمجتمع الدولي يضعان في سلم أولوياته مسألة السلاح خارج مؤسسة الدولة في العراق، فإن الطرف المعنيّ بهذا السلاح، أي طهران التي تعتبر الراعي والمستفيد الأول من هذا السلاح لدى الفصائل خصوصاً تلك التي لم تدخل في إطار منظومة هيئة الحشد، سيكون مجبراً على تمرير قرار إعادة التنظيم وضبط السلاح المتفلت ومنعه من ممارسة ابتزاز الدولة ومؤسساتها وتغليب مصالحه ومصالح الجهة الراعية على المصلحة الوطنية، ولن يكون أمام الكاظمي سوى ممارسة الكثير من الحزم والجدية والاستفادة من التراكم نتيجة حركة الاحتجاج ومطالب ساحات الاعتصام، للوصول إلى هذا الهدف، خصوصاً وأن الأرضية لمثل هذا الأمر جاهزة وسبق أن أسس لها العبادي بعد معركة تحرير الموصل ومحاولاته تطبيق رؤيته الوطنية بحصرية السلاح بيد الدولة، ثم جاء عبد المهدي الذي ذهب إلى الاستعراض بوضع توقيتات لهذه العملية مع علمه بعجزه عن تنفيذ ذلك بسبب ارتهانه لهذه الفصائل التي جاءت به نتيجة معادلة تسجيل النقاط بين طهران وواشنطن.

هذه المؤشرات توحي بأن طهران ذهبت في العراق لاعتماد خيار التراجع الذي ستحاول تقديمه على أنه تكتيكي، في وقت لم تسارع واشنطن إلى الإعلان عن تحقيق نصر على غرار ما فعل العديد من المسؤولين الإيرانيين بعد انتخاب الرئاسات الثلاث والانتصار على الإدارة الأميركية بالنقاط الثلاث مقابل صفر، وهو الأمر الذي يسمح للكاظمي بالعمل على استغلال هذه المعادلة وتوسيع هامش المناورة لصالح تعزيز استقلالية وتوازن الدولة العراقية ومؤسساتها، ليس بين طهران وواشنطن، بل حتى بين المحيط العربي للعراق وإيران، وبالتالي تكريس وترسيخ جهوده لتأكيد أنها المرة الأولى التي يحظى هذا البلد بحكومة بنكهة عراقية طاغية على جميع الأطراف القبول بها منذ عام 2004.

المزيد من تحلیل