Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جولة في معتقدات التعامل مع الأمراض والأوبئة قديما

آمن الإنسان البدائي أن الأرواح الشريرة سبب لعدد كبير من مآسيه

قبل تقدّم العلوم شاعت معتقدات وطقوس لطرد الأمراض والأوبئة التي حيّرت أسلافنا (أ.ف.ب)

اختلف تعامل البشر مع الأمراض والأوبئة. وقبل تقدّم العلوم، شاعت معتقدات وطقوس لطرد الأمراض والأوبئة التي فاجأت وحيّرت أسلافنا، فعدّوها شرّيرة أو من مصدر شرّير أو بسبب ارتكاب خطأ، وما إلى ذلك.

كأن يُعتقد في بعض جزر الهند الشرقية أنه من الممكن شفاء مرض الصرع بنقله إلى أوراق أشجار معينة، عن طريق ضرب المريض على وجهه بهذه الأوراق ثم التخلص منها، وبذلك يشفى من المرض. أو بنقلها إلى دمية، في مرحلة أولى قبل انتقالها منه إلى شخص آخر، كما في قبائل الباجندا في أوغندا، حيث كان يصنع الطبيب دمية من الصلصال، ثم يفرك أحد أقرباء المريض الدمية بجسد المريض قبل دفنها أو وضعها على العشب، جانب الطريق. وأوّل من تطأ قدمه على الدمية يُصاب بالمرض.

ولسكان المنطقة الغربية من جزيرة تيمور، تقليد نقلوه عن أجدادهم يتمثّل في استخدام الأغصان المورقة كمراوح لنقل إعياء السفر إليها حين يكونون في رحلة طويلة مضنية، ثم يرمونها في أماكن معينة. وهذا ما يفعله سكان جزر أرخبيل بابار أيضاً، الذين إذا شعروا بالتعب، ضربوا أنفسهم بالحجارة اعتقاداً منهم بأن ذلك ينقل الإعياء إلى الحجارة، ثم يقذفون بالحجارة إلى أماكن أُعدّت خصيصاً لهذا الغرض.

وكان الرومان واليونان يعالجون الحمّى بلصق قصاصة من ظفر المريض بالشمع على باب أحد جيرانه قبل شروق الشمس، اعتقاداً منهم بانتقال المرض إلى جاره بهذه الطريقة.

أما سكان جزر أوركني الاسكتلندية، فكانوا يغسلون المريض ويرمون ماء الغسل عند البوابة، وبذلك يخرج المرض من جسده وينتقل إلى العابر بجانبها.

وفي بافاريا، كانوا يعتمدون على الكتابة كوسيط لعلاج الحمّى باستخدام عبارة "ابتعدي أيتها الحمّى، فأنا لستُ في البيت"، ثم توضع القصاصة الورقية في جيب أحدهم لتنتقل إليه الحمّى.

وفي أوروبا، حاول الأشخاص نقل آلامهم وأمراضهم إلى الحيوان، ضمن سلسلة معتقدات غريبة. فكانوا ينصحون الشخص للتخلص من ألم لسعة العقرب بأن يركب حماراً بالمقلوب ثم يهمس في أذنه "لدغتني العقرب". وكذلك رُوي عن علاج مرض القلاع الذي يصيب الفم والحلق عند الأطفال، بحيث يُمسَك ضفدع صغير ويُوضع رأسه لبضع لحظات في فم المصاب الذي يُفترض أن يتعافى فينتقل المرض إلى الضفدع. ومن الطرق المتّبعة في علاج السعال في ديفون وويلز في إنجلترا، وضع شعرة من المصاب بين شريحتَيْ خبز مطليَّتَيْن بالزبد وإعطاء الشطيرة إلى كلب، وبذلك ينتقل السعال من المريض إلى الكلب.

طرد الوباء

لقد اتُّبعت وسائل مشابهة لتخليص مجتمع بأكمله من مختلف أنواع الأوبئة والكوارث، في عالم خيالي يعجّ بالجن والأشباح والشياطين، إذ كان الإنسان آنذاك مهجوساً بأفكار وتفسيرات جعلت الوباء يتراءى له في هيئة أرواح وأعمال أرواح، هواجس أبعدها عنّا العلم اليوم وأصبحت أقرب إلى الشطحات.

اعتقد الإنسان البدائي أن هذه الأرواح الشريرة سبباً لعدد كبير من مآسيه، وظنّ أن بتخلصه منها يتحسّن كل شيء بالنسبة إليه. وقُسّمت محاولات الناس لطرد المآسي المتراكمة في المجتمع إلى فئتين، الأولى بطرد الشرور مباشرة، والثانية بطردها باستخدام وسيط أو كبش فداء.

الطرد المباشر

وفي هذه الحال، تكون الشياطين غير مرئية بالنسبة إليهم، فكانت إذا ما حلّت مصيبة ما في جزيرة روك في المحيط الأطلسي، يركض الجميع وهم يصرخون ويضربون الهواء بالعصي لكي يطردوا الشيطان، ثم يسوقونه نحو البحر كي يخرجوه من الجزيرة.

أما في جزر المحيط الهادئ في كاليدونيا الجديدة، يُقال إن السكان يعزون الشرور إلى روح شرّيرة خبيثة، وللتخلّص منها، يحفرون أخدوداً كبيراً يتجمع حوله أفراد القبيلة، ويُطلقون اللعنات على الشيطان، ثم يملأون الأخدود بالتراب ظنّاً منهم بأنهم دفنوا الروح الشريرة.

وهناك ممارسات مشابهة في إحدى جزر إندونيسيا، حيث يلقي سكان مينا هاسا اللوم على الشياطين حين تُصاب القرية بوباء خطير، فيخلونها بالخروج من منازلهم ويقيمون في أكواخ مؤقتة لأيام عدّة، ضمن طقس احتفالي يقدّمون فيه القرابين. ثم يعود الرجال إلى القرية المهجورة خلسة وقد دهنوا وجوههم بالأسود أو ارتدوا الأقنعة، مسلّحين بالأدوات القتالية. وعند إشارة الكاهن، يندفعون بصخب في شوارع القرية وصولاً إلى منازلهم وهم يصيحون ويضربون الجدران والأبواب والنوافذ لطرد الشياطين. بعد ذلك، يأتي الكهنة وبقية السكان يحملون النار المقدسة ويطوفون تسع مرات حول كل منزل وثلاثاً حول السلالم، ثم يحملون النار إلى المطبخ لتظلّ مشتعلة لثلاثة أيام متواصلة، وبذلك تُطرد الشياطين.

الطرد الوسيط

أما الحالة الثانية، فهي في تجسيد التأثير الشرير في شكل مرئي أو في وسيط مادي، ويُستخدم كأداة لإبعاد الشياطين عن القرية أو المدينة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا انتشر وباء الكوليرا في إحدى قرى الأقاليم الوسطى من الهند، عاد الجميع إلى بيوتهم بعد غروب الشمس، ثم جمع الكهنة قشة من سقف كل منزل لتُحرق مع قربان من الرز والسمن والكركم عند نصب مقدس، شرق القرية. وتساق نحو الدخان طيور الدجاج المصبوغ باللون القرمزي التي يُعتقد أنها تحمل المرض. وإذا فشل الدجاج، جرّبوا الماعز والخنازير.

وعام 1857، حين تفشّى الطاعون في بوليفيا وبيرو، وضع الناس كمية من ملابس المصابين بالوباء على ظهر حيوان أسود من اللاما (فصيلة الجمليات)، ورشّوه بالبراندي (عنب مقطر)، ثم أطلقوا الحيوان في الجبال ليبعد بذلك الوباء عنهم.

كبش فداء بشري

وقد يكون القربان شخصاً أحياناً، فعند حدوث وباء لدى بعض القبائل الأصلية في الصين، كانت تختار القبيلة رجلاً قوي البنية ليؤدي دور القربان. وبعد أن يُطلى وجهه، يؤدي حركات عدّة ليجتذب إليه الوباء، ثم يسوقه رجال ونساء يقرعون الطبول والأجراس إلى خارج القرية.

كما كان قدماء اليونان على دراية باستخدام الأضحية أيضاً، ففي مسقط رأس راوي السِيَر بلوتارك كان يُقام احتفال "التخلص من الجوع" برئاسة كبير القضاة ورب كل أسرة، يُضرب فيه أحد العبيد بعصي من شجرة فلفل الراهب (كف مريم)، حتى يخرج من الباب وهم يردّدون "أُخرج أيها الجوع وادخُلي أيتها الثروة وأيتها الصحة".

وفي اليونان أيضاً، اتّخذت عادة اختيار القربان أحياناً أشكالاً عنيفة، فكلما حلّ داء في مارسيليا، وكانت من أشد المستعمرات اليونانية ازدحاماً وثراءً، قَدم رجل من الطبقات الفقيرة نفسه قرباناً، بحيث تتكفّل الخزينة العامة بنفقاته على مدى سنة كاملة، وفي نهاية السنة، تُخلع عليه ملابس مقدسة، ويُطاف به في شوارع المدينة، مُرافقاً بابتهالات لوقوع كل آثام الناس على رأسه، ثم يُطرد من المدينة أو يُرجم خارج أسوارها حتى الموت.