Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات سد النهضة بين التجاذبات والمحاذير

يتعدَّى نزاع النيل التأثير في الدول الثلاث إلى إحدى عشرة دولة أفريقية على منبعه وضفافه

سد النهضة الإثيوبي على الحدود مع السودان (حسن حامد)

بعد نقل ملف سدّ النهضة الإثيوبي إلى مسؤولية الخارجية الأميركية، بدلاً من وزارة الخزانة، بسبب اعتراض أديس أبابا على العودة إلى هذا المسار في حال استمراره تحت مسؤولية وزير الخزانة ستيفن منوتشين، ردَّت مصر بالموافقة على مقترح عودة المفاوضات. وتتمسّك إثيوبيا بموقفها الرافض لتدخل البنك الدولي كطرف مراقب، وتدعو إلى استبداله بطرف إقليمي، هو الاتحاد الأفريقي الذي رفضت القاهرة إشراكه.

ويشير توقف المفاوضات عند هذه العقبات في كل مرة إلى توجّسات تحيط بالموقفين المصري والسوداني من جهة، بينما لا يخلو الأمر من تكتيك إثيوبيا باعتمادها على المرونة التي لمستها من الدولتين. ووفقاً لذلك، شرعت في تحضيرات لملء الخزان والتشغيل، على الرغم من الضغوط الأميركية المتواصلة عليها لمنع هذه الخطوة، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.

دول الحوض

يتعدَّى نزاع النيل التأثير في الدول الثلاث، إثيوبيا ومصر والسودان، إلى إحدى عشرة دولة أفريقية على منبعه وضفافه وترتبط به في حياتها وتنميتها الاقتصادية، ما ينتج آثاراً مباشرة لنتيجة المفاوضات على تلك الدول. ولم تكن دول حوض النيل، سابقاً، مدركة حجم حاجتها إلى مياه النيل. فهي لم تستفد إلّا من نسبة ضئيلة من مياهه للري الزراعي، لأنّها كانت تعتمد على الري من الأمطار الكثيفة. ولكن، تغيرت الحال بالتوسع في المشاريع الزراعية نتيجة تزايد الكثافة السكانية في هذه الدول، وتحوّل الاتجاه إلى الاستفادة من مياه النيل، إذ بات ذلك أمراً محتوماً، وبدأت إشارات إرهاصاته بالظهور.

وهذا النزاع مسرحه نهر النيل الذي يتكوّن من النيل الأزرق أحد الروافد الرئيسة للنيل، الذي يتدفّق من منبعه في المرتفعات الإثيوبية ويندمج مع النيل الأبيض الذي ينبع من البحيرات الاستوائية في مقرن النيلين عند الخرطوم، ليشقّ رحلته شمالاً إلى مصر.

ويتهيّأ الاتحاد الأفريقي للانخراط في هذه القضية ويشرع في مشاورات مع دول حوض نهر النيل. في مطلع فبراير (شباط) 2020، قال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي "نحن في الاتحاد الأفريقي نطالب (إخواننا) في السودان وإثيوبيا ومصر بالسعي إلى حلٍ وسط بشأن هذه المسألة".

تجاذب التكتلات

قد لا يكون الاتحاد الأفريقي يمتلك القوة الكافية للوقوف في وجه راعٍ قوي للمفاوضات مثل الولايات المتحدة، ولكن يأتي الحرص أيضاً على القيام بدور بإيعاز من إثيوبيا التي استنجدت به عند إحساسها بتحرّك جامعة الدول العربية، وذلك عندما طرحت قراراً يؤكد الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل ويرفض أي إجراءات أحادية إثيوبية. ففي ختام الدورة 153 لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب في بدايات مارس (آذار) 2020، قال الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط، إنَّ "القرار يرفض أي مساس بالحقوق التاريخية لمصر، ويرفض أي إجراءات أحادية تمضي فيها إثيوبيا ويؤكد ضرورة التزامها بمبادئ القانون الدولي".

لكن وزارة الخارجية الإثيوبية، رفضت قرار الجامعة ووصفته بأنّه يقدم دعماً لدولة عضو (في الجامعة) من دون مراعاة حقائق رئيسة في المحادثات بشأن سدّ النهضة.

في المقابل، لجأت أديس أبابا إلى دول حوض النيل لزيادة الدعم في محاولة لمواجهة تحركات مصر الدولية التي رأتها معرقلة للبدء بملء الخزان. وفي الذكرى السنوية التاسعة لانطلاق الأعمال في سدّ النهضة، الذي صادف 1 أبريل (نيسان)، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن خطة بلاده بدء ملء السد في حلول موسم الأمطار المقبل، مؤكّداً أن "تفشّي فيروس كورونا ينبغي أن لا يعيقنا عن استكمال المشروع". واعتبر أنَّ السدّ رمزٌ للسيادة والوحدة.

في الوقت ذاته، زارت الرئيسة الإثيوبية ساهلورك زودي، كينيا وأوغندا ورواندا، الدول الأعضاء في "مبادرة حوض النيل"، وهي منظمة إقليمية مكلفة إدارة التعاون بين دول حوض النيل. وطالبت زودي تلك الدول بالالتزام بالاستخدام العادل والمنصف للمياه، ورفض أي اتفاقيات لم يتم التوصل إليها بالوسائل السلمية.

محاذير إثيوبيا

قبل أن تظهر الولايات المتحدة على مسرح قضية السدّ، كانت إثيوبيا تناضل من أجل منع أي قوة خارجية من لعب دور مباشر في المفاوضات. فقد رفضت عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للوساطة. ولكنها قبلت بوساطة واشنطن لرجائها في الحلف الأميركي. وبعدما نسّقت وزارة الخزانة المفاوضات، رأت إثيوبيا أنّ بُعد وزارة الخارجية الأميركية سيمكّن وزارة الخزانة والبنك الدولي من تصعيد الضغط عليها، خصوصاً بعد بذل البنك الدولي موارد كبيرة لجهود الإصلاح في البلاد، وأنّ هناك تكاليف مالية سابقة ستغلُّ يدها وتحدُّ من رفضها أي مقترح.

بعد جولات من التوتر، انتقلت المفاوضات بين الدول الثلاث إلى الولايات المتحدة على أمل أن يتم التوصل إلى اتفاق قبل اكتمال السدّ. وعندما قدَّم وزير الخزانة ستيفن منوتشين مسودة الاتفاق في اجتماع عُقد في 27- 28 فبراير 2020، وغابت عنه إثيوبيا، حذرها منوتشين من ملء السدّ بحلول يوليو (تموز) قبل التوصل إلى اتفاق بين الدول المشاطئة. وأثار منوتشين حفيظة الإثيوبيين بقوله "في المفاوضات، لا يمكنك الفوز بكل شيء ولكن هناك حداً أدنى تحصل عليه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووسط هذا التوتر وإحساس إثيوبيا أنّ الولايات المتحدة ستضغط عليها للموافقة على صفقة ضد مصالحها، اتهمتها أديس أبابا بأنها "غير دبلوماسية" في محاولتها حلّ الخلاف بشأن سدّ النهضة. جاء ذلك بعدما أصدرت وزارة الخزانة الأميركية، إثر جولة المفاوضات الأخيرة التي قاطعتها إثيوبيا، بياناً أعلنت فيه التوصل إلى اتفاق، نفته الدولة الأفريقية، معربةً عن خيبة أملها فيه.

وعندما صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في منتصف المحادثات، بأنّه حلَّ قضية جغرافية سياسية شائكة، وصف وزير الخارجية الإثيوبي جيدو أندارجاشيو البيان الأميركي بأنَّه "تدخل وعدم احترام لسيادة" بلاده. وقال في مؤتمر صحافي في أديس أبابا "حوَّلت الولايات المتحدة دورها من مراقب إلى صانع قرار في النزاع الذي كان ينبغي تركه للدول الثلاث للتوصل إلى تسوية تكون مقبولة من جانب كل دولة".

بعد تصريحات منوتشين، حشد الإثيوبيون أنفسهم في معارضة لها، منادين بالتقاسم العادل لمياه النيل. وبذلك تستخدم إثيوبيا رد الفعل الشعبي القوي للوقوف بحزم في رفضها خطته ومحاولة إعادة تأسيس نفسها كطرف مهيمن في المفاوضات. وتعمل قوة الدفع الشعبية نتيجة الدعم الحالي لآبي أحمد ومنعها من التراجع، خصوصاً مع الاستعداد  للانتخابات  المزمع إجراؤها في أغسطس (آب) 2020.

موقف السودان

تمثل الخلافات السياسية بين الدول الثلاث عائقاً رئيساً أمام تفعيل أي حلّ مرتقب لقضية سدّ النهضة الإثيوبي، خصوصاً مع وجود تاريخ طويل من عدم الثقة في ما بينها. وقد تعزّزت هذه الخلافات وأصبحت أكثر تعقيداً مع اتّخاذ كل منها نموذجاً مختلفاً لكيان الدولة الرسمي وتعامله في علاقاته الدولية. وإذا كانت مصر وإثيوبيا تقفان على طرفَيْ نقيض في خلافاتهما الواضحة، فالسودان كفاعل ووسيط بين البلدين عالقٌ في اتفاقيات الحقبة الاستعمارية وقضاياه الداخلية الخاصة وموقعه السياسي وتنازعه بين البلدين وعلاقاتهما المؤثّرة.

يمثّل موقف السودان في رؤية الصادق المهدي رئيس الوزراء في فترة الديمقراطية السابقة وزعيم حزب الأمة القومي، التي جاءت في كتابه (مياه النيل... الوعد والوعيد)، "أنّ لدول حوض النيل مصالح لا بد من رعايتها وذلك بالاعتراف بالسيادة المشتركة على النهر". وحدّد الصادق المهدي مصر كصاحبة المصلحة الأكبر في مياه النيل لأسباب تاريخية وطبيعية، والسودان كصاحب مصلحة كبيرة باعتبار ما لديه من أراضٍ صالحة للزراعة المروية، وإثيوبيا كمنتجة كبرى للمياه والكهرباء. وإزاء هذه الأدوار لكل دولة، فإنّ المطلوب نظرة تكاملية لمصلحة الأمن الغذائي وأمن الطاقة في ما بينها. ولا بد من أن تدخل دول الهضبة الاستوائية في معادلة التكامل هذه بعد أن يتأكد الجميع من أنَّه في الإمكان وجود معادلات كسبية في حوض النيل. وهذه قد تتحوّل إلى معادلة صفرية إذا غابت الحكمة والقيادة الرشيدة.

المزيد من تحلیل