Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عواقب غير مقصودة" أمام المجتمع الأميركي بسبب كورونا

معركة من أجل حقوق الإنسان وارتفاع في معدلات الطلاق وحالات الاضطراب النفسي ما بعد الصدمة قد تكون من آثار الوباء

تعيد الولايات المتحدة فتح اقتصادها- سواء أعجبكم ذلك أم لم يعجبكم.

وبينما ترفع أميركا تعليمات ملازمة المنازل وتحث المؤسسات على فتح أبوابها من جديد لاستقبال الزبائن، يحذر مسؤولو الصحة من أن البلاد ما زالت متأخرةً جداً في مجال الفحص وتتبع مخالطي المصابين. وقد تضرب موجة جديدة وأكثر فتكاً من فيروس كورونا المستجد الولايات المتحدة بشكل أعنف في الخريف كما قال الخبراء، نظراً لوجود قلة من الإجراءات حالياً تحول دون اندلاع موجة ثانية كبرى من كوفيد-19.

وأصيب أكثر من مليون شخص في الولايات المتحدة بكوفيد-19 وتوفي أكثر من 60 ألفاً جراء مضاعفات المرض. ويرفع المحللون حالياً تقديراتهم بشأن حصيلة الوفيات الوطنية ويشيرون إلى حصول "ذروة أكثر تدرجاً وأطول مدة" في ولايات مختلفة مثل نيويورك التي وجدت نفسها في قلب الأزمة فيما انتشرت داخل البلاد.

حتى أن دونالد ترمب بدأ يعترف بأن حصيلة الوفيات جراء الفيروس سوف تتخطى العدد الذي أقر به سابقاً- بينما يستمر في الوقت نفسه بالإصرار على "فتح أبواب" البلد من جديد بأسرع وقت ممكن ويحتفي بولايات تعيد فتح أبواب مؤسساتها لاستقبال العامة مثل تكساس.

وتناشد الهيئات الصحية في البلد نفسه كافة الولايات كي تستمر في تطبيق الحجر إلى أن تسجل تراجعاً مهماً في عدد الإصابات يترافق مع مبادرات جديدة لتوسيع قدرتها على الفحص. ومع ذلك تسير الولايات المتحدة على درب تحريك عجلة اقتصادها وسط تفشي جائحة، فيما تُطرح التساؤلات حول سبل حماية المعرضين للإصابة بالفيروس القاتل مع استئناف المجتمع شكلاً من أشكال الحياة الطبيعية.

كيف يمكن أن يبدو هذا الوضع الجديد؟ ما الذي يمكن أن ينتظره الأميركيون من حكومات ولاياتهم وحكومتهم الفيدرالية والمؤسسات المحلية مع سعي هذه الجهات إلى رفع الحجر عن البلاد؟ كيف يمكن أن تتأثر حياتهم على امتداد العقود المقبلة بسبب هذه اللحظة غير المسبوقة؟ طرحت "اندبندنت" هذه الأسئلة وغيرها على خبراء مختصين بجوانب مختلفة من التفاعل البشري من أجل التوصل إلى تصور حول شكل "الوضع الطبيعي الجديد" في المجتمع الأميركي ما بعد الجائحة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أوجه شبه بين عالم ما بعد الجائحة والحادي عشر من سبتمبر

قالت الدكتورة سارة لين مارك، اختصاصية الغدد الصماء وأول مستشارة طبية رفيعة المستوى لدى مكتب الصحة النسائية التابع لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة، "نحاول جميعاً أن نتصور شكل عالمنا المحتمل. نتكيف ونتطور ونتفاعل. أعتقد أننا سنقدم على كل ما تقدم كمجتمع".

توقعت الدكتورة مارك التي أمضت بعض الوقت في آسيا بعد تفشي المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (السارس) في عام 2003، أن الولايات المتحدة ستطبق على الأرجح عدداً من الإجراءات التي تبنتها المجتمعات في الصين وغيرها من الدول الآسيوية في أعقاب الفيروس المميت.

وقالت "بدأ الجميع يرتدي الكمامات، لا سيما من يعانون من خللٍ في مناعة جسمهم"، مضيفةً أن الناس في آسيا اعتبروا الكمامات مفهوماً "غريباً جداً" في البداية. إنما أشارت الدكتورة مارك إلى أن عادة وضع الكمامة في حال المرض أو خلال أوقات تفشي الأمراض الموسمية باتت مُعممةً في كثير من المدن والضواحي المكتظة في آسيا.

وقالت "بتنا الآن نتكيف مع الوضع الطبيعي الجديد، إذ نرى أشخاصاً ينزهون كلابهم وهم يرتدون كمامات- أصبح هذا الوضع طبيعياً بالفعل. ولا أعتقد أنه سيُطوى عما قريب".

وقارنت الدكتورة مارك ارتداء الكمامات خلال السنوات المقبلة بـ"الوضع الطبيعي الجديد"، الذي اختبرته الولايات المتحدة بعد الهجمات الإرهابية يوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من عام 2001.

ولفتت إلى التغيرات التي طاولت السفر منذ الهجمات قائلةً، "بتنا نعتبر الموضوع طبيعياً. نخلع ثيابنا في المطار ونخلع أحذيتنا، تغيرت حياتنا وتقبلنا الموضوع. وفي الحقيقة، أستغرب شخصياً إن لم يُطلب مني خلع حذائي عند المرور بنقطة التفتيش".

وتبين أن هذه الاحتياطات الإضافية مفيدة من بعض النواحي. وفي الدول الآسيوية بعد "السارس" مثلاً، اتضح أن الكمامات قلصت نسب الإصابة بالإنفلونزا بشكل كبير، وفقاً للدكتورة مارك. ومن نواحٍ أخرى، تمثل هذه الكمامات إجراءات رمزية- "اعتبروها كما لو كانت إشارة السير الحمراء (حظر المرور)"، كما قالت.

فسواء كنت مريضاً أم لا، ترسل الكمامة "إشارة للآخرين بأنك تتخذ الاحتياطات اللازمة"، وتحذر الناس إلى ضرورة "وضع مسافة" بينهم.

وكما هي الحال في أي أزمة، تقول الدكتورة مارك أننا "لا بد أن نمر بنوع من اضطراب ما بعد الصدمة".

وأضافت "إن رأينا أحدهم يسعل أو يعطس، سوف تتوقف قلوبنا. سيصعب علينا أن نغير هذا الواقع لبعض الوقت. فكما يحدث عند رؤية حقيبة (متروكة) في مكان عام، سوف تتكيف أجسامنا كي نحمي أنفسنا. قد يتغير هذا الأمر مع توالي الأجيال وتحول الفيروس إلى مرض متوطن ربما، عندها سنتقبل الموضوع".

الطلاق والمواعيد الغرامية الإلكترونية والعلاقات المتوترة

 سوف يختبر الأميركيون مزيداً من التردد في المواعدة على شبكة الإنترنت وثقافة العلاقات العابرة، إضافة إلى ارتفاعٍ في معدلات الطلاق خلال الأشهر المقبلة مع رفع أوامر الحجر برأي المعالجة النفسية وخبيرة العلاقات ليزا برايتمان، التي قالت لـ"اندبندنت"، "أنا على تواصل مع بعض محامي الطلاق الذين يقدمون الكثير من الاستشارات عبر تطبيق زوم أخيراً".

وأضافت "ما لاحظته خلال الأسابيع الثلاثة الماضية هو أن الأزواج يسيرون في اتجاهين مختلفين خلال الحجر الصحي: بعضهم يشعرون بأنهم أقرب إلى بعضهم بعضاً ويساندون بعضهم بعضاً، وهم يعيشون التجربة معاً وتزيد الحميمية بينهم لأنهم يتشاركون أموراً لا يتسنى لهما وقت التمتع بها عادة، وهم يواكبون بعضهم على أمثل وجه. كما أعمل في آن واحد مع أشخاص يعانون من صعوبات كبيرة لأن الأمور التي لم تكن تسير جيداً في السابق تتفاقم الآن مع وجودهما معاً على مدار الساعة".

وقالت السيدة برايتمان، إن معدلات الطلاق ستبدأ بالارتفاع على الأرجح بعد ثلاثة أشهر، بعد أن يحظى الناس بمتسع من الوقت لاستشارة المحامين وفسخ ارتباطهم بشركائهم الذين يقضون الحجر معهم.

وعن المواعدة في مجتمع ما بعد الوباء، قالت السيدة برايتمان إن "البعض قد يتردد في معاودة الدخول في تجارب جديدة" وإن شكل المواعيد الغرامية سيختلف كثيراً عما كان عليه منذ أشهر فقط.

"لماذا تحتضن شخصاً لا تعرفه لمجرد أن قريبك يعرفه"؟ سألت، مشيرةً إلى احتمال الالتقاء بشخص غريب لمواعدته. "سنقيم حواجز خلال أول ثلاثة إلى أربعة أشهر تحكم هوية الأشخاص الذين نتحدث إليهم وطريقة لمسنا لهم".

وأضافت "وإن كنت عالقاً في هذا الوضع المتأزم، ستحتاج، كلما امتد، لأشهر أكثر قبل أن تعود إلى حالك الطبيعية مع العائلة، فما بالك بالمواعدة".

ومع أن الناس يستمرون باستعمال تطبيقات المواعدة لتنظيم لقاءات افتراضية مع معجبين محتملين، توقعت السيدة برايتمان أن يقضي المستخدمون وقتاً أطول في الحديث مع الأشخاص قبل أن يلتقوا بهم لقاء عابراً أو يواعدونهم في المستقبل ما بعد الوباء.

وقالت "لماذا يبذلون جهداً ويقطعون مسافة من أجل الوصول إلى موعدٍ وتناوُل القهوة سوياً فيما يستطيعون إجراء الحديث نفسه على الإنترنت؟ لن يسارع الناس إلى تناول القهوة سوياً أو الذهاب في ثلاثة مواعيد مختلفة خلال ليلة واحدة كما كانوا يفعلون قبلاً- أقله هنا في مدينة نيويورك".

وفيما قال المُراجعون الأصغر سناً للسيدة برايتمان إنهم يتحرقون شوقاً للعودة إلى الوضع الطبيعي، توقعت أن حتى الأجيال الأصغر سناً ستواجه "عواقب غير مقصودة" بسبب الجائحة.

"يضع الجميع الكمامات الآن لأن التوجهات تقضي بذلك. ولمدة طويلة مقبلة، سينظر الناس إلى الآخرين ويفكرون 'هل هم آمنون'؟"

حقوق الإنسان بخطر على امتداد أجيال

حذرت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أن الصلاحيات المُستخدمة أثناء جائحة فيروس كورونا "يجب ألا تشكل سلاحاً تستخدمه الحكومات بهدف قمع المعارضة، والسيطرة على الشعب وإدامة وجودها في السلطة"، فيما يحذر الخبراء من أنها تستخدمها لهذه الأغراض بالتحديد.

وتواجه حقوق الإنسان- وحقوق النساء تحديداً- هجماتٍ بالغةً وتراجع لم يحصل على تغطية كافية عبر البلاد خلال الأشهر القليلة الماضية. واستعرت معركة الإجهاض على الرغم من إملاءات الحجر فيما وضعت عدة ولايات حواجز قاسية لمنع النساء من الوصول إلى خيارات آمنة في مجال الرعاية الصحية الإنجابية وسط الأزمة.

وبرر الزعماء المحافظون في هذه الأثناء هذه التدابير المتطرفة ومنع الإجهاض إلى أجلٍ غير مُسمى على أنها استجابة للفيروس، لكنها فعلياً جزء من حرب تدور منذ عقود ضد حقوق النساء الإنجابية، وفقاً لمؤرخة الشؤون القانونية ماري زيغلر.

وقالت "إن الولايات التي تحظر الإجهاض خلال الجائحة هي الولايات عينها التي أرادت أن تحظر أو تقيد الإجهاض قبل الجائحة، لذا فأي فكرة تربط هذا الموضوع بمعدات الوقاية الشخصية أو غيرها بعيدة من الواقع فعلياً. حتى أن الاستراتيجية التي تستخدمها الولايات من أجل تبرير المنع أمام المحاكم الفيدرالية والتي ستعتمدها على الأرجح أيضاً أمام المحكمة العليا هي نفسها".

ولفتت السيدة زيغلر إلى طريقة تحول الولايات من التركيز على حجة "الحق في الحياة" إلى التركيز على القضايا المحلية التي تؤثر في الحقوق الإنجابية قبل الجائحة بكثير. فولايات مثل تكساس استخدمت هذه المسألة الآن لفرض قيود على إمكانية الوصول إلى عمليات الإجهاض بذريعة الحاجة إلى معدات الحماية الشخصية ظاهرياً. لكن عمليات الإجهاض المنزلية لا تتطلب أي معدات حماية شخصية كما أشارت السيدة زيغلر التي اعتبرت المزاعم الأخرى التي تحيط بالقيود "باطلة".

وقالت "يزعمون أنه يجب الانصياع لأوامر الولايات في حالات الطوارئ. إن وضعنا جانباً الجزء المتعلق بالطوارئ، نرى أن هذه الاستراتيجية هي نفسها التي استخدمت لنقض" قضية رو ضد وايد التي حكمت بقانونية الإجهاض.

في حال حكمت المحكمة العليا بأن الولايات تتمتع بحق فرض قراراتها خلال حال الطوارئ، ترى السيدة زيغلر إنه لن يعود من الواضح متى أو كيف يمكن رسم حدود تمنع المُشرعين من التمادي في التعدي على حقوق الإنسان والحقوق المدنية.

وأضافت "لن يعود أمام الولايات ما يمنعها من إعلان حالات طوارئ خاصة بها حتى عندما لا يعتقد معظم الناس بوجود أي خطب. إن انصعتم لأمر الولايات بشأن طريقة التصرف خلال الطوارئ هل تقبلون قرارها حين تعلن حال طوارئ؟ يعيد هذا الأمر إلى الأذهان بعض الأسئلة التي طُرحت خلال الحرب على الإرهاب".

وتابعت "يصعب علي أن أتخيل تكساس مثلاً تقيد حرية التعبير أو تصادر الأسلحة إلى أن تنتهي الجائحة".

وتوقعت السيدة زيغلر كذلك أن يرسم هذا العام وجه النظام القضائي الأميركي لأجيال لاحقة، مع احتمال أن يخلف مآل الانتخابات في 2020 أثراً سلبياً على حقوق الإنسان.

وتقول "أعتقد أن الناس قللوا من شأن تأثير انتخابات 2020 على المحاكم. إذا قيض لترمب ولاية ثانية، سوف تُستبدل القاضية في المحكمة العليا روث بادر غنسبيرغ أو ربما ستيفين براير بقضاةٍ محافظين للغاية. فيغيب الصوت المتأرجح الحاسم".

© The Independent