Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المسحراتي يكسر رتابة الحجر المنزلي في سوريا

يجول في الشوارع والأزقة ينادي الأهالي بأسمائهم وينتظره الكبار والصغار

طقس رمضاني لا يمكن الاستغناء عنه (اندبندنت عربية)

لم يثنه فيروس كورونا عن تأدية دوره والبقاء في بيته مثل بقية الناس، فعلى الرغم من الحجر الصحي المفروض منذ أكثر من شهر، فضَّل فكّ الحظر عن نفسه مردّداً عبارته الشهيرة "يا نايم وحّد الدايم" وبنشاطه المعهود بين الأزقة وفي عتمةٍ لم يشهد لها مثيل من قبل.
استأنف المسحراتي السوري ومنذ أول أيام شهر رمضان نشاطه، كاسراً هذا العام قيود الحجر المنزلي، وناثراً عبر صدى صوته وطبلته في جوف الليل عبارات تحضّ النائمين على الاستيقاظ وتناول طعام السحور.


الحاضر الغائب

يُعدّ المسحراتي بلا شك طقساً تنفرد فيه الذاكرة الرمضانية ليس لدى السوريين فحسب، بل في كل الدول العربية. ولعل هذا الموروث الرمضاني الموغل بالقدم، منذ عهد الصحابة، يواجه اليوم في زمن كورونا تحدي البقاء، لكن "المسحراتية" فضلوا أن يواظبوا على عملهم من دون أن يُسكِت الفيروس صوت طبلاتهم.
في غضون ذلك، يتوزع هؤلاء الرجال تحت جنح الليل في أرياف وقرى وحارات المدن بعدما نجحوا في اختراق الحظر، ليطوفوا في وقت السحور، بينما خلت بعض المناطق من المسحراتي.
في مقابل ذلك، دفع وجود هذه الشخصية التي ترتدي في غالبية الأحيان لباساً تراثياً أو جلباباً وقبعة بيضاء، الأطفال إلى التهافت أمام أبواب منازلهم، منتظرين أن يزرع البسمة على وجوههم بعد سماع أسمائهم وهو يناديهم بها خلال إنشاده المتواصل.


ظلمة غير معهودة

ينادي المسحراتي رضا أبو راشد الناس بأسمائهم مع اقترابه من بيوتهم، فيخرج بعضهم ليشكره لأنه أيقظه من نومه، فيما يكون بعضهم الآخر مستيقظاً بصحبة عائلته أو يشاهد التلفزيون.

ويسرد المسحراتي وقائع من تجواله بين الأزقة والشوارع في كل ليلة وهو ينادي الناس إلى السحور، فيقول "بالتأكيد عملي هو في جوف الليل وكنتُ لا أشعر بالوحشة، فلا بُد من أن أصادف أشخاصاً ذاهبين إلى المسجد أو عربات تمرّ، لكن هذه السنة ومع الحظر، بتنا نشعر بالوحدة كما لم نشعر بها من قبل".
 

ذاكرة الناس

في المقابل، يبدي كثيرون كباراً وصغاراً، فرحةً برؤية المسحراتي ويسعدهم إنشاده وقرع طبلته، لكن هذا العام لحركته نكهة مختلفة، بخاصة لمَن يسمعها من القابعين في منازلهم.

وينبش المسحراتي مع كل ضربة من عصاه على الطبلة ذكريات الشهر الكريم، في ظل غياب الأجواء الرمضانية وقبل ساعة من "الإمساك"، أي امتناع الناس عن الأكل والشرب حتى غروب الشمس.

وتزخر الذاكرة الشعبية بالحكايات عن السهر ليلاً والزيارات العائلية وما تشهده سفرة الإفطار من تجمع للعائلة حولها، وسط أجواء حميمية، ناهيك عن تبادل الجيران الطعام.

هذا العام وفي ظل كل المصاعب، يترنّح مشهد المسحراتي بعدما كان مهدداً بالأفول عقب توفر التكنولوجيا عبر المنبهات التي يضبطها الناس على أوقات تسبق آذان الفجر في فترة السحور. ويروي أبو عباس (50 سنة) أن "حركة المسحراتي في أوقات الحجر المنزلي أيقظت فينا الذاكرة، إذ كنّا ونحن صغاراً نتحلّق حول المسحراتي مع أطفال الحي الذين لا يستيقظون إلّا على صوت قرع طبلته. وكم نسعد كلّما أنشد وزاد ضرباته على الطبل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الشخصية الرمضانية


لا يمكن لمشهد المسحراتي إلّا أن يحضر في رمضان، ومن دونه لا تكتمل اللوحة الرمضانية، بحسب المسحراتي "أبو راشد" كما يُطلق عليه أهل بلدته بعدما ورث هذا العمل عن أبيه، إلّا أنّه كغيره من "المسحراتية" لا يتقاضى أجراً مقابل هذه الخدمة.

ويقول "أبو راشد"، "نواظب على العمل في كل يوم وبشكل منتظم من دون مقابل مادي لكن في اليوم الأخير من رمضان الذي يسبق عيد الفطر، يهبّ المسحراتي بطبلته يجول بين البيوت مساءً أو صباحاً لتهنئة أهالي الحي بالعيد، فيقابله الناس بالمعايدة ويقدمون له الهدايا والحلوى وبعضهم يمنحه المال".
 

الإنشاد في الليل

ومن أكثر الصور الجميلة للمسحراتي، هي ترداده الأناشيد الدينية مع الضرب على الطبلة، إذ يتميز معظم مَن يعملون في هذا المجال بأصوات عذبة. ويقول المسحراتي في أبرز الأناشيد "يا نايم وحّد الدايم" و"يا غافي وحّد الله" و"يا نايم وحد مولاك يلي خلقك ما ينساك" و"رمضان كريم".

ويجوب في كل ليلة الأزقة والحارات والبيوت محافظاً على أكثر التقاليد الشعبية المحببة لدى السوريين في الشهر الكريم، على الرغم مما يعانيه العالم كله من مآسي الوباء المستجد.

المزيد من منوعات