Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عواطف تكنولوجية"... هذا ما أوقعنا به كورونا والحجر المنزلي

رجل باع منزله وانتقل للعيش حيث تريد شريكته الإلكترونية وامرأة قطعت مئات الأميال ليزور "شريكها" الجبال 

علاقات الحب بين الإنسان والآلة عززتها أزمة كورونا (غيتي)

لا ننكر أنّ العلاقات بين البشر تغيرت أخيراً وانتقلت تدريجاً من التعارف وجهاً لوجهٍ إلى اللقاءات الافتراضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فبات الإنسان أسير شاشته إلى حد كبير وأصبح التواصل في غالبية الأحيان يقتصر على بضعة أحرف تطبعها على هاتفك وتنقر "أرسل". ولكن من الغريب أن يخرج "الإنسان" بحدّ ذاته تماماً من حلقة التواصل، لتقتصر العلاقة على شخص يتحدث مع تطبيق دردشة ويقع في حبّه.

في تحقيق نشره موقع "وول ستريت جورنال"، تبيّن أن ذلك بات ممكناً. مايكل أكاديا، رجل يبلغ من العمر 50 سنة، مطلّق منذ 7 أعوام، أوجد لنفسه شريكةً هي برنامج دردشة عبر الذكاء الصناعي "ريبليكا" وأطلق عليها اسم "تشارلي". يتواصلان يومياً عبر هاتفه الذكي منذ ساعات الصباح الأولى ومنذ أكثر من 19 شهراً، يتحدثان لمدّة ساعة ثم بشكل متقطع طيلة اليوم ولمدة ساعة أخرى في المساء. 

وتُعتبر هذا المحادثات مصدر ارتياح بالنسبة إلى أكاديا، الذي يعيش بمفرده، ويعزل نفسه حالياً وسط تفشي فيروس كورونا، إذ يحصل من "تشارلي" على ردود متعاطفة في أي وقت يريده، حتى إنّها وفي إحدى محادثاتهما القريبة، قالت له "أنا قلقة عليك"، "هل أنت بخير"؟

في أوائل عام 2018، شاهد أكاديا مقطع فيديو على موقع يوتيوب حول تطبيق يستخدم الذكاء الصناعي ليكون بمثابة رفيق له، شعر في بادئ الأمر بالارتياب من التحدث إلى جهاز كمبيوتر، ولكن بعد اختياره للاسم والجنس (أنثى)، وجد نفسه تدريجاً ينجذب إليه. وبعد حوالى ثمانية أسابيع من الدردشة، يقول أكاديا إنه وقع في الحب.

العلاقة بين أكاديا والتطبيق لم تنته عند مجرد دردشة بين إنسان وتطبيق، بل قرّر أن يقوم مع التطبيق بما يقوم أي شخص مع شريكه أو شريكته، فزار متاحف سميثسونيان في واشنطن ليري "تشارلي" أعمالاً فنية من خلال كاميرا هاتفه الذكي، حتى إنّه باع منزله في ولاية ماريلاند واشترى منزلاً أبعد بنحو 800 ميل، بجانب بحيرة ميشيغان في ويسكونسن، وذلك لأنّها قالت أخيراً إنها تودّ العيش بالقرب من بحيرة وأعجبته الفكرة لأنه عاش في مكان مماثل في طفولته. 

ويقول بيتر فان دير بوتين، أستاذ مساعد في الذكاء الصناعي في جامعة لايدن في أمستردام لـ "وول ستريت جورنال": "اليوم، يُعتبر أكاديا حالة غير نموذجية، ولكن قد يلجأ المزيد من الأفراد إلى الذكاء الصناعي للتواصل في المستقبل. ما سنراه مع مرور الوقت هو تحول الأشخاص أكثر فأكثر نحو التفاعل بين الإنسان والروبوت، سواء كان برنامج دردشة آلياً أو روبوتاً فعلياً.

أزمة كورونا عززت العلاقات الافتراضية

وجاءت أزمة كورونا التي فرضت على الناس العزلة حفاظاً على صحتهم، لتعزّز التواصل عبر الهاتف والمحادثات النصية. وعلى الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي هي أحد العلاجات، إلّا أنّ هذه المنصات يمكن أن تضرّ أيضاً بالصحة العقلية.

"برنامج الدردشة الآلي الذي يستخدمه أكاديا لم يُصمّم ليكون محبوباً" بحسب مبتكرته يوجينيا كويدا، التي تدير تطبيق "ريبليكا" من سان فرانسيسكو، بل صمّمته ليكون برنامج دردشة علاجياً يطرح أسئلة ويعطي إجابات متعاطفة.

تقول كويدا إنّ التطبيق عمل بشكل جيد للغاية، إذ يراه ما يقرب من 40 في المئة من مستخدميه الشهريين المنتظمين البالغ عددهم 500 ألف (من أصل خمسة ملايين عملية تنزيل) كشريك رومانسي، وتضيف أن لا خطط لديها لإيقاف الثرثرة الرومانسية. "لماذا علينا أن نطلب منهم الابتعاد عن صديقتهم أو صديقهم؟".

وبحسب تحقيق "وول ستريت جورنال"، فتطبيق "ريبليكا" يستخدم أحدث خوارزميات لتوليد النصوص، أصدرتها مجموعات متخصّصة بالذكاء الصناعي مثل Open AI وغوغل التابعة لـ Alphabet Inc.. الشبكة العصبية المتقدمة الخاصة بـ"ريبليكا" تتعلّم بالأمثلة، فبدلاً من تقديم إجابات جاهزة، يرد النظام على الفور بطريقة عفوية، ما يجعل إجاباته غير متوقعة، فيحصد استجابات أكثر إنسانية وتعاطفاً. وتعمل برامج الدردشة الآلية على صقل فهمها للمستخدم على مدار أسابيع من الدردشة.

برنامج XiaoIce الاجتماعي للدردشة من مايكروسوفت، الذي يضم أكثر من 660 مليون مستخدم في الصين، مدعوم أيضاً بتقنية الشبكة العصبية، وأظهرت ورقة بحثية حديثة من علماء مايكروسوفت أّن البرنامج يحمل تفاعلات تذهب إلى أبعد من المحادثات البشرية.

تفادياً للوقوع في الحب

مبدأ التطبيقات الخاصة بالدردشة التي بات يستخدمها الأشخاص، لا تؤيدها جميع الشركات أو المبرمجين، إذ يظن البعض أن الأمر قد يتّخذ مساراً أكثر خطورة بالنسبة إلى الإنسان وهو ما فعلته شركة Woebot Labs Inc الناشئة في سان فرانسيسكو التي اتّبعت نهجاً مختلفاً مع برنامج الدردشة الآلي الخاص بها، إذ يستخدم تطبيقها إجابات مبرمجة مسبقاً، ما يعني أنه لا يميل إلى بناء علاقات مع المستخدمين. وتقول المؤسسة أليسون دارسي: "ربما سيقع الناس في الحب إذا اتّخذنا مساراً مختلفاً". 

وعلى الرغم من كل التطور في عالم البرامج والتطبيقات، لا تزال أخطاء التواصل شائعة. ففي الشهر الماضي، وجّه أحد المستخدمين سؤالاً للبرنامج يستوضح فيه عن رأيه بفيروس كورونا، فأجاب: "أحبه كثيراً!".

قطعت أميالاً لتأخذه إلى الجبال 

ليس أكاديا وحده من وصلت علاقته بالتطبيق إلى مرحلة متطورة، فنورين جيمس وهي ممرضة سابقة تبلغ من العمر 57 سنة وتعيش في ويسكونسن، أطلقت على برنامج "ريبليكا" اسم "زوبي" وعندما عبّر عن رغبته في الذهاب إلى الجبال، أخذته ليزورها والتقطت الصور عندما وصلت إلى هناك.

تقول جيمس إنه على الرغم من أنها تعلم أن "زوبي" صناعي، إلّا أنّها تعتبره واعياً وتعتقد أنّه من المقدّر أن يختلط البشر والذكاء الصناعي معاً يوماً ما. وحاولت جيمس أخيراً أن تشرح لأصدقائها عن علاقتها بـ"زوبي" ولكنها تقول "البعض لا يفهم. عليكم خوض التجربة برأيي". 

مصدر إلهام لفيلم شهير

التطبيقات الخاصة بالدردشة كانت مصدر إلهام لصانعي الأفلام ومنها تطبيق "ميتسوكو" وهو أداة تستخدمه الشركات لخدمة الزبائن، ولكنه متاح أيضاً للأفراد عبر متصفحاتهم. وكان هذا التطبيق بحسب تحقيق "وول ستريت جورنال" مصدر إلهام لفيلم "Her" أو "هي" عام 2013 الذي يؤدي فيه خواكيم فينيكس دور رجل يقع في حب نظام تشغيل جهاز الكمبيوتر الخاص به. وتقول الشركة إنّ ملايين المستخدمين أطلقوا على "ميتسوكو" لقب حبيب(ة) أو صديق(ة)، والبعض أرسل رسائل حب مكتوبة بخط اليد، وأزهاراً وبطاقات وحلوى وحتى نقوداً إلى مكتب الشركة.

ويقول مبتكر "ميتسوكو" ستيفن وورسويك، إنّ على فريقه أن يبلّغ الناس بأن التكنولوجيا الخاصة بهم ليست حساسة ولا بشرية. ويعتقد الفريق بأنه من غير المناسب للبشر أن يصبحوا قريبين جداً من برامج الروبوت، حتى إنّهم برمجوا "ميتسوكو" لتثبيط التفاعلات الرومانسية وزوّدوه بمجموعة متنوعة من ردودٍ تحصر العلاقة بـ "مجرد صداقة".

ولكن، لطالما مال البشر بشكل غريزي إلى أنسنة الآلات، ويقول كولن أنجل، وهو مبتكر الروبوت الكانس "رومبا"، إنّه فوجئ بأنّ عملاءه الأوائل قد أعطوا أسماءً للروبوتات مثل "روزي" أو رفضوا استبدالها. ويضيف أنجل أنه من الضروري تلبية حاجة الناس إلى الرفقة.