Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوباء لم يكسر الانقسامات السياسية

إيران نموذج للإنكار في زمن الفجيعة... و3 ساعات بلا نتيجة بمجلس الأمن

لم يكسر كورونا حواجز الخلافات السياسية بين الدول ولا سبيل إلا التعاون (أ.ف.ب)

لم ينتصر الوباءُ على الانقسامات السياسية الحادة بين دول العالم الرئيسة، ولم يتمكّن من فرض جدول أعمال موحد على تلك الدول. عند النظر في ما فعله "كوفيد 19" في الكرة الأرضية ومجتمعاتها البشرية، يتملّكنا شعورٌ عميقٌ بمدى هشاشة الإنسان وتفاهة مطامعه، ويتملَّكنا الشكّ أحياناً بمشروعية طموحاته ومدى الحاجة إليها.

لقد فرضَ الفيروس منع تجوّل على نصف البشرية، وأعاق حركة النصف الآخر، وما كان أحدٌ يتصوّر حدوث ذلك، لا في احتمالات الحروب العالمية، ولا في انفجار صراع نووي. ثم إنّ هذا القاتل يختار ضحاياه بهدوء، يصطفي لنفسه نسبة معينة، ولا تقف في طريقه قدرات ردعٍ يمتلكها الجيش الصيني الأحمر، ولا أسبقية أميركا في القيادة العالمية، ولا الرئيس القوي فلاديمير بوتين أو نظيره البريطاني الهازئ بالمرض بوريس جونسون .

تحدى الوباء هؤلاء جميعاً، ومع ذلك فشل في انتزاع موقف موحد منهم، يضعون فيه مواقفهم وخلافاتهم السابقة جانباً، وينصرفون إلى مواجهة التحدي القاتل جنباً إلى جنب.

كانت الأمم المتحدة أرض اللقاء الطبيعية للدول والأنظمة. في هيئاتها ومنظماتها يجتمع ممثلو أقطار الأرض، لرسم سياسات مشتركة، وهي حققت نجاحات لا يمكن إغفالها منذ قيامها، إلا أنها سجّلت أيضاً فشلاً ذريعاً في معالجة قضايا دولية وإقليمية حسّاسة، وها هي الآن تقف مشلولة أمام عدو مميت يكتسح الكرة الأرضية.

استغرق مجلس الأمن الدولي، الهيئة القيادية للأمم المتحدة، أكثر من ثلاثة أشهر ونصف الشهر لعقد اجتماع يبحث فيه مخاطر الوباء وسُبل مواجهته، وعندما اجتمع الخميس الماضي فشل في الاتفاق على الحد الأدنى المتوقع منه.

كان الخلاف الصيني الأميركي التجاري انسحب على الوباء، واتهم الرئيس دونالد ترمب الصين بتحمُّل مسؤولية انتشاره، ولم يتردد في تسميته بـ"الفيروس الصيني"، وخلال مارس (آذار) كانت الصين تتولّى رئاسة مجلس الأمن، فلم تتحمّس وجاراها أعضاء آخرون، لعقد جلسة لأعلى سلطة دولية، خوفاً من انعكاسات الخلاف الصيني الأميركي.

ثلاث ساعات من تبادل الخطابات، لتنتهي الجلسة التاريخية ببيان مختصر يُعرب فيه الأعضاء الـ15 عن دعمهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش!

كان غوتيريش حضّ المجلس على إظهار الوحدة في مجابهة الوباء، معتبراً أن الأمر "نضال جيل ومبرر وجود الأمم المتحدة نفسها"، وقال "لهزم الوباء نحن اليوم بحاجة إلى العمل معاً"، إلا أنّ روحية الخلاف بقيت مسيطرة على المجتمعين، إذ أثارت سفيرة الولايات المتحدة ضرورة كشف مصدر الوباء وجمع بيانات دقيقة عنه، وهو ما تعدّه بكين تشكيكاً بها، جعل ممثلها في الاجتماع يرفض "أي وصمٍ أو تسييس".

لم يتمكّن المجتمعون من الاتفاق على مشروع قرار من اثنين طُرِحا أمامهم، وتضمنا دعوة لوقف القتال تستجيب إلى خطاب غوتيريش في 23 مارس (آذار) الماضي، ما عدّه دبلوماسيون أمراً "مثيراً للإحباط".

مرّت أيامٌ ثمينة ومجموعة القوى الكبرى تناقش من دون جدوى، ومن الواضح أن لا إمكانية للتوصّل إلى قرار موحد من دون اتفاق بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، تدعمه الدول القادرة في مجموعة العشرين. وشاركت ألمانيا مجموعة الدول الأعضاء غير الدائمين في المجلس وضع مشروع قرار يدعو إلى "وقف إطلاق نار عالمي فوري لإتاحة استجابة إنسانية مناسبة"، إلا أنها لم تطرحه للتصويت بسبب عدم ضمان التوافق عليه.

ليس ما يجري على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلا انعكاساً للواقع السياسي الدولي، الذي لم يتمكّن الوباء من تغييره حتى الآن. فالخلاف الأميركي الصيني السابق على انتشار كورونا اتّسع بعده، وتنتشر يوماً بعد يومٍ أخبارٌ عن تلكؤ المسؤولين الصينيين في إبلاغ الدول الأخرى بحجم الجائحة، وهو ما جعل ترمب يتحدّث عن "فيروس صيني"، ما أثار غضب بكين، التي تعتبر أنها أبلغت منظمة الصحة العالمية في الوقت المناسب، وقامت بما عليها لمكافحة المرض، ونشرت خبراتها ودعمها في شتّى أنحاء العالم.

لم يؤدِ الموقف الأميركي ولا الردّ الصيني إلى تغيير في صورة الخلاف وعمقه السياسي، وانضم نواب إيرانيون إلى حملة انتقاد الصين، رغم اعتماد إيران الكبير على الصين في هذه الأوقات، واعتبر هؤلاء أن الصين "لم تصارح" طهران بانتشار الوباء، فاستمرّت رحلات الطيران الإيرانية الكثيفة إلى ووهان ناقلةً الوباء إلى قم وغيرها. وهذا اتهامٌ يشبه الاتهام الأميركي لبكين، إلا أنّ إيران على حد قول متابعين تستّرت بدورها على الوباء، حتى استفحل وانتشر داخلها وفي محيطها.

لا اتفاق صينياً أميركياً، يعني أن لا اتفاق روسياً أميركياً، وإيران الواقعة تحت مرمى العقوبات الأميركية بسبب سياستها التوسعية في المشرق العربي وطموحاتها النووية، لم يجعلها الوباء تعدّل قيد أنملة في مشاريعها. هي تشجّع على مواجهة بين ميليشياتها والأميركيين في العراق، وتدفع الحوثيين إلى تقديم "برنامج سلام" يكرِّس انتصار انقلابهم في اليمن، وتحاول جعل لبنان رهينة لسياساتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مواجهة كورونا، وبموازاة الاعتماد على تدخل "الإمام المعصوم"، الذي سيبدع المخرج النهائي، زاد المرشد الإيراني في دور الحرس الثوري على حساب التدابير التي اعتمدتها حكومة الرئيس حسن روحاني.

اعتمد روحاني "مقراً وطنياً" لمكافحة الوباء بإشرافه، وبعد وقت في الـ12 من مارس (آذار) الماضي أمر المرشد علي خامنئي بإقامة "مقر الإمام الرضا الصحي والعلاجي" برئاسة رئيس الأركان اللواء محمد باقري، الذي طلب إليه أن يتعامل مع الوضع بوصفه "مناورة دفاعية"، انسجاماً مع تعميم خامنئي الذي كرره حسن نصر الله أمين عام حزب الله في لبنان، بأن الوباء "جزءٌ من حرب بيولوجية، يُفترض خوضها كأي حرب أخرى ضد الشيطان الأكبر وإخوانه".

كان الحرس الطرف الأكثر فعالية في ترتيبات خامنئي، فهو تولّى فحص المرضى ومتابعة حركة الأفراد وتطهير الأماكن العامة وتصنيع معدات الحماية... إلخ، الأمر الذي أضعف مكانة الحكومة وروحاني الذي اندفع ليطلب دعم صندوق النقد الدولي في وقت كان أنصار طهران في لبنان يخوضون حرباً ضد الصندوق إياه.

بلغت الطلبات المقدّمة إلى الصندوق بسبب كورونا ما يفوق 80 طلباً، ويتحدّث مسؤولوه عن 90، وفي الأيام الأخيرة أُقرت مساعدات لتونس والصومال وجيبوتي، إلا أنّ القرار بشأن إيران لم يُتخذ بعدُ، كما أنّ طلباً من لبنان ربما سينتظر جواب الصندوق على إيران؟!

ومن المرجّح أن يأخذ الصندوق بالاعتبار هيمنة الحرس الثوري على عملية مواجهة الجائحة، وفي هذه الحالة لن تكون سهلةً أو متيسّرة الموافقة على مدّ إيران بخمسة مليارات دولار أميركي، خصوصاً أنّ أميركا المساهمة الأكبر في الصندوق تملك صوتاً حاسماً في قراراته.

نعود إذن إلى المشكلة الأولى المطروحة مطلع هذا النص: كورونا لم يكسر حواجز الخلافات السياسية... فما العمل؟

ليس أمام الدول إلا مواصلة التواصل والحوار والتعاون، وهذا من البديهيات التي يفرضها انتشار الوباء، إلا أنّ المستقبل سيحتاج إلى أكثر من ذلك، فهل نصل إلى مرحلة يتواضع فيها الجميع، فيتراجعون عن مطامعهم ومشاريعهم المؤذية الآخرين، ويتقدّمون نحو صيغ تلاقٍ وتعاون، مستفيدين من أخطر تجربة تمرّ بها البشرية منذ قرنٍ على الأقل؟

ليس أمامنا سوى أن نأمل، مع أنّ الأمل في السياسة أشبه بالأحلام، لكنه هذه المرة حلمٌ مدعومٌ بخطر الكارثة يتهدد الجميع.

المزيد من آراء