Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"متجر الكراهية"... أمازون ملاذ النشر الذاتي للمتطرفين البيض في أميركا

مئات الكتب المعادية للمسلمين واليهود والملونين تنتشر على المنصة العالمية

وجد المتشددون في أمازون ملاذاً آمناً يمكن من خلاله نشر رسائلهم داخل الثقافة الأميركية (رويترز)

في الوقت الذي تحقق فيه شركة أمازون الأميركية التي يمتلكها الملياردير جيف بيزوس أرباحاً طائلة بسبب الإقبال غير المسبوق على التسوق الإليكتروني في ظل تفشي كورونا، كشف تحقيق استقصائي أجرته مؤسسة "بروببليكا" المستقلة المتخصصة في الصحافة الاستقصائية بالتعاون مع صحيفة "ذي أتلانتك" الأميركية، أن خدمة "كيندل" التابعة لأمازون والمعنية بالنشر الذاتي لكتب القراءة الإليكترونية، تسمح منذ تأسيسها قبل 10 سنوات وحتى الآن بنشر الأفكار العنصرية المتطرفة للقوميين البيض في الولايات المتحدة، من بينها كتب تمتدح مرتكب مذبحة جرت في النرويج عام 2011 على يد متطرف أبيض نرويجي قتل عشرات من المسلمين، وكتب أخرى معادية لليهود، فضلاً عن كتب ضد الأميركيين الأفارقة وغيرها من كتب تتوقع تفكك الولايات المتحدة إلى ولايات تنشأ إلى أساس عرقي، منها ولايات يقطنها البيض فقط وفق تمنيات المتطرفين البيض.

بلا رقيب

ويشير التقرير الاستقصائي إلى شهادات مستخدمي خدمة "كيندل" للنشر المباشر المعروفة اختصاراً باسم "كيه دي بي"، والتي يؤكدون فيها أن كتب النشر الإليكتروني التي تسوق لها أمازون عبر هذه الخدمة وتستحوذ بها على 90 في المئة من سوق النشر الإليكتروني في الولايات المتحدة، تنشر أي شيء بلا عوائق، وتتيح لمستخدميها تحميل وشراء وقراءة الكتب الإلكترونية والمجلات وغيرها في دقائق معدودة عبر آلية النشر الذاتي بالحد الأدنى من الرقابة.

ومنذ تأسيس هذه الخدمة قبل حوالى 10 سنوات، نالت قدراً من الثناء والمديح لأنها منحت المؤلفين الممنوعين عبر وسائل النشر التقليدية، فرصة ذهبية للوصول إلى القراء بشكل لم يكن من الممكن تخيله، وأتاحت للمتشددين البيض والنازيين الجدد فرصة لنشر أفكارهم المتطرفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كتب الكراهية

وبالإضافة إلى كتاب "أنشيلوس" الذي يشيد في مقدمته بمُرتكب المذبحة الجماعية ضد المسلمين في النرويج، ينشر الموقع كتيّب الأرنب الأبيض وهو بيان يرتبط بميليشيا تتخذ من ولاية إلينوي مقراً لها، وتواجه اتهامات فيدرالية بجرائم كراهية لتفجير أحد المساجد في الولاية، وهو كتاب أزالته أمازون من منصة "كيندل" الأسبوع الماضي بعد تساؤلات من "بروببليكا" و"ذي أتلانتك" حول هذا الكتاب.

ويشير التقرير الاستقصائي إلى أن هناك 200 كتاب نشرتها أمازون من بين 1500 توصي مجموعة كولشستر بقراءتها، وهي غرفة قراءة أونلاين يديرها المتطرفون البيض ويتداولون من خلالها أفكارهم.

ووفقاً لتحليل أجرته بروببليكا لآلاف المحادثات والرسائل التي يتبادلها المتطرفون البيض عبر تطبيقات "تيليغرام" و"4 تشان" و"دسكورد"، فإنهم يشعرون براحة واسعة في استخدام منصة أمازون، ويخطرون بعضهم بعضاً بعدم وجود أية رقابة أو موانع للنشر، ويشيدون بسهولة استخدامها، لدرجة أن مرتكب مذبحة النرويج نصح أتباعه في البيان الذي نشره قبل دقائق من الهجوم الإرهابي باستخدام منصة أمازون لنشر رسائله.

ليست مصادفة

يؤكد التقرير أن نشر هذه الكتب المتطرفة المنتشرة على نطاق واسع عبر منصة أمازون لم تكن مصادفة، ولكنها نتيجة حتمية لاستراتيجية أمازون التجارية، وأشار أكثر من 20 موظفاً سابقاً في الشركة إلى أن سياستها هي الاستحواذ على أكبر حصة من السوق وتبني فكرة رفض الرقابة، ما جعلها تحتضن أي شيء من أن دون أن يكون هناك كاتب محظور أو محتوى ممنوع. 

وفي الوقت الذي تحظر شبكات التواصل الاجتماعي الرئيسة نشر أفكار المتطرفين والعنصريين فضلاً عن منصات النشر الأخرى، وجد المتشددون في أمازون ملاذاً آمناً يمكن من خلاله نشر رسائلهم داخل الثقافة الأميركية.

ويقول جيه بيرغر وهو باحث في شبكة "فوكسبول" التي يمولها الاتحاد الأوروبي، إن هناك الكثير من المحتوى المتطرف في أمازون، فقد اختبرنا الكتب والنصوص التي ينشرها اليمين المتطرف، واكتشفنا أن العديد منها يمكن أن يملأ المستخدمين بالكراهية لأن الكتب تعزز رؤية القوميين البيض، ويشجع على انتشار هذه الأفكار أن سعر الكتب الإليكترونية يتراوح بين ثلاثة و10 دولارات، يحتفظ مؤلفو الكتب بـ 70 في المئة من الأرباح بينما تحصل أمازون على 30 في المئة.

ردود أمازون

وللرد على تساؤلات "بروببليكا" و"ذي أتلانتك"، أرسل المتحدث باسم أمازون بياناً أوضح فيه أن شركته كبائع كتب، ترى أن توفير منصة للكلمة المكتوبة أمر مهم، بما في ذلك الكتب التي يعتبر البعض أنها تواجه بالرفض المجتمعي، على الرغم من وجود سياسات تحدد ما يجب إدراجه للبيع لكن أمازون تستثمر الكثير من الوقت والجهد والموارد لضمان الالتزام بمحدداتنا وإرشاداتنا، ونزيل الكتب والإصدارات التي لا تلتزم بهذه المحددات، كما نحقق على الفور في أي كتاب قد يثير الجدل والقلق.

وأدى التأثير المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي في الحياة السياسية إلى تفجر نقاش عام في المجتمع الأميركي حول ما يجب أن يستمر، وما يجب أن يُلغى من على هذه الشبكات وعلى من تقع المسؤولية، وبعد أحداث العنف الدموية التي وقعت في مدينة تشارلوتزفيل بولاية فيرجينيا عام 2017، أزالت كل من "فيسبوك" و "تويتر" وشبكات اجتماعية أخرى خطابات المتعصبين البيض وجماعات اليمين المتطرف من منصاتهم.

استثناء وليست قاعدة

وخلال السنوات الأخيرة ، منعت أمازون العديد من المؤلفين المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض من بيع كتبهم عبر منصتها بمن في ذلك ديفيد ديوك زعيم جماعة "كو كلوكس كلان" المتطرفة، كما سحبت " كيندل" التابعة لأمازون كتباً أخرى بعد أشهر أو سنوات من نشرها من دون تقديم أي تفسير، لكن التقرير الاستقصائي وصف هذه الإجراءات بأنها تبدو مجرد استثناءات قليلة وليست القاعدة، إذ لا تتناول سياسات النشر في "كيندل" ما الذي يجب أن تفعله مع خطابات الكراهية أو العنصرية أو التحريض على العنف، على الرغم من أن أمازون تحتفظ بالحق في إزالة أي محتوى يخيّب آمال عملائها أو يفشل في توفير تجربة قراءة ممتعة.

وهكذا أصبحت أمازون التي تسيطر على نصف سوق الكتب المطبوعة والغالبية العظمى من سوق النشر الإلكتروني بوابة لوصول اليمين المتطرف والعنصريين البيض إلى جمهور القراء الأميركيين.

منصة للمتطرفين

وأورد التقرير الاستقصائي أمثلة عديدة عن الكتاب المتطرفين المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض الذين تفتح أمازون أبوابها لنشر أفكارهم المسمومة من خلال منصاتها، ومنهم على سبيل المثال "بيلي روبر" الكاتب الأكثر قراءة في أوساط الحركة القومية البيضاء في أميركا، والذي يقود شبكة تدعى "شيلد وول" وهي مجموعة تحاول بناء دولة عرقية للبيض فقط في جنوب ولاية ميسوري وشمال ولاية أركنسو، وكانت هذه المجموعة قد تصدرت عناوين الصحف العام الماضي حين نظمت تظاهرة احتجاجية على إحياء ذكرى المحرقة النازية لليهود، وردد المحتجون شعار "6 ملايين أخرى" ، في إشارة إلى عدد اليهود الذين قتلتهم ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الكاتب روبر، نشر 17 كتاباً على منصة أمازون للنشر الذاتي من بينها كتب خيالية تتحدث عن السنوات التالية لتحول الولايات المتحدة إلى دول تتحارب على أساس عرقي، وهو ما يعتبره روبر أمراً حتمياً، ويؤكد في مقابلة هاتفية مع "بروببليكا"، أن "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" أوقفت حساباته، لكن أمازون أبقت عليه مشيراً إلى أن وجود كتبه على أمازون يمنحه شرعية ويجذب جماهير جديدة، كما ينشط روبر على شبكة "غودريدز" التي تمتلكها أمازون أيضاً إذ يستخدمها في إثارة نقاشات حول الكتب المؤيدة لتفوق العرق الأبيض، ومن خلالها طرح ذات مرة سؤالاً يقول فيه ، هل من المفيد قراءة كتب اليهود والمعارضة؟

النازيون الجدد

مثال آخر على طبيعة ما تنشره شركة أمازون لليمين المتطرف، يتجسد في نشرها لدعاية الحزب النازي الأميركي الذي يقوده غاري لاك بعدما كان يعتمد في السابق على البريد العادي لتهريب دعايته النازية إلى ألمانيا وأوروبا قبل أن يتم حظره، لكن منظمته تنشر ما تريد عبر منصة "كيندل أنليميتد" وهو برنامج يقدم كتباً للقراء مقابل رسوم اشتراك، كما أعادت المنصة إلى الحياة قانوناً وطنياً للبيض عبر إعادة نشره، وأعادت نشر الأعمال التاريخية للنازيين القدامى والتي لم تعد تحتفظ بحقوق التأليف والنشر، ومن خلال منصة "كيندل"، أصبح أعضاء غرف الدردشة من اليمين المتطرف أكثر تواصلاً وترابطاً مع بعضهم بعضاً.

وعلى الرغم من أن الكتب تتنافس في الوقت الراهن مع مقاطع الفيديو والبودكاست في عالم الإنتاج الثقافي الذي يتوسع بسرعة لافته، إلا أنها لا تزال تلعب دوراً مهماً حتى الآن.

الجيد والسيّء والقبيح

وتقول "بروببليكا" إن سياسة أمازون الحالية تعود إلى حقبة تأسيسها منذ عام 1994 حين أسسها جيف بيزوس على مبدأ أن يبيع للناس ما يريدون متى أرادوا ذلك، وحدد بيزوس هدفه وهو رفض أن يتداخل أي شيء مع سعي الشركة لتوسيع نطاق عملها، فغرس في الموظفين رفضه فكرة الرقابة وحارس البوابة أي أولئك الصحافيين والنقاد المتطفلين الذين يقفون بين مؤلفي الكتب والقراء ويقررون ما يجب على القراء أن يقرأوه وما لا يجب أن يطلعوا عليه، وقال بيزوس في خطاب له عام 1998 "نريد أن نجعل كل كتاب متاحاً... الجيد والسيّء والقبيح".

ويوضح "ريك جونز" الذي أدار عمليات "دار بوكسيرج" للنشر بعد أن اشترتها أمازون "لقد نشرنا كل شيء بدءاً من كتب الأطفال إلى الروايات المثيرة إلى الكتب المخصصة للكبار فقط، ولم تكن مهمتنا أن نحكم ما إذا كان هناك شيء صحيح أم خاطئ، بل كان هدفنا هو السماح للسوق والناس بتحديد القيمة".

تدخل سلبي

وبينما تصف أمازون خدمة "كيندل" بأنها خدمة طباعة وليست ناشرة أو شبكة اجتماعية، فإن الدور الذي تقوم به أمازون يعد سلبياً بكل معنى الكلمة حيث تستخدم لوغاريتمات للتوصية بالكتب التي ينبغي عليك شراؤها من خلال التعرف على تصفحات المستهلك وتاريخ ونوعية مشترياته السابقة، وهو ما يعد توجيهاً لاختيارات القراء، على عكس مبدأ أمازون الذي حددته في البداية بعدم التدخل بين القراء والمؤلفين.

وما حدث مع غرف الدردشة الخاصة باليمين المتطرف أن أمازون أوصت بتصفح وشراء مزيد من الكتب المتطرفة لهم، فعززت من الأيديولوجيا السياسية لديهم، وكشفت اختبارات أجريت على هؤلاء أن أمازون اقترحت مزيداً من كتب الفاشية عليهم حتى بالنسبة إلى المستخدمين الذين لم تخزن أمازون لهم سجلاً للتصفح.

أمازون والتطرف

وتقول هايدي بيريتش، المؤسس المشارك للمشروع العالمي ضد الكراهية والتطرف إن بحثها في المجموعات اليمينية المتطرفة كشف أن "شركة أمازون تدفع القراء إلى مزيد من التقدم في طريق التطرف عبر الإنترنت في حين أنها لا تحتاج إلى القيام بذلك".

ويبدو أن أمازون تتخذ إجراءات حالياً ضد النصوص اليمينية المتطرفة بشكل أساسي استجابة لشكاوى بارزة، ووصف موظفو أمازون السابقون تحركات الشركة بأنها "تفاعلية" من حيث اتخاذ بعض القرارات الصعبة التي تجنبتها في السابق، ففي السنوات الأخيرة، أزالت المئات من أعمال إنكار الهولوكوست، وفي عام 2019 ، حظرت العديد من الكتب التي ألفها القوميون البيض، وأزالت أيضاً أعمال مؤلف عن الإسلام كتبه تومي روبنسون، وكلاهما نشرهما ذاتياً موقع "كيندل" التابع لأمازون، غير أنه لا يزال هناك الكثير من الكتب التي تحتاج إلى المراجعة بينما لا تزال أمازون مترددة بشأن كيفية تحديد وتعريف الكتب المتطرفة.

المزيد من تحلیل