Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في زمن كورونا... القضاء اللبناني يلجأ إلى العالم الرقمي

وزيرة العدل الفرنسية وافقت على تزويد الحكومة بسوار إلكتروني في الجرائم أو الجنح البسيطة

سجن رومية في شمال شرقي العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)

من حسنات انتشار وباء كورونا أنه فرض "الحكومة الإلكترونية" على القطاعات الحكومية التي اضطُّرت تحت تهديد "كوفيد - 19"، إلى اعتماد الوسائط الإلكترونية لمواكبة تسيير المرافق العامة في زمن الوباء. وفي هذا السياق، كان لافتاً في لبنان مواكبة الجسم القضائي عمله عن بعد، إذ جرى استحداث دوائر للتحقيق الإلكتروني عبر التطبيقات التي تؤمن خدمة "الفيديو" بين موقوفين وقضاة التحقيق، إضافةً إلى مئات طلبات إخلاء السبيل والتبليغات القضائية التي باتت تحصل عبر البريد الإلكتروني، فكُسرت البيروقراطية الإدارية في قصور العدل.

في هذا الشأن، تقول وزيرة العدل ماري كلود نجم لـ "اندبندنت عربية"، إنها تعمل بجهد على كيفية تكييف الإجراءات القضائية مع موضوع الموقوفين منذ قرار تعليق الجلسات في قصور العدل، في إطار قرار مجلس الوزراء إعلان التعبئة العامة، مضيفةً أن إنشاء غرفة العمليات في نقابة المحامي ببيروت، يهدف إلى زيادة التعاون بين وزارة العدل والنقابة، والتسريع بالإجراءات القانونية المتعلقة بالموقوفين.

بدورها، تلفت أمانة سر مجلس القضاء الأعلى إلى أن النصوص القانونية غير كافية ولكن الوضع الحالي هو استثنائي، وتؤكد أن قانون "المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي"، الذي أقره مجلس النواب عام 2018، يحتاج إلى مراسيم تطبيقية لم تصدر بعد، "لذلك نحاول التوسّع في تطبيق أحكام هذا القانون بانتظار صدور تلك المراسيم".

كورونا... زمن القضاء الرقمي!

وفي الإطار ذاته، يشرح مسؤول السجون لدى وزارة العدل القاضي رجا أبي نادر، آلية عمل القضاء عن بُعد، معتبراً أنها تفتح المجال لكل موقوف بتقديم طلب إخلاء سبيل عبر الهاتف أو الفاكس، بالتعاون مع غرفة العمليات في نقابة المحامين، حيث يمكن للقاضي البت فيه من دون الحاجة إلى تقديم أي طلبات ورقية، بطريقة تسهّل الإجراءات بشكل كبير.

ويضيف لـ "اندبندنت عربية"، "يمكن أن يحصل الاستجواب عن طريقة الفيديو فون بين مركز الاحتجاز أو السجن ومكتب القاضي أو حتى منزله، وتجري عملية الاستجواب بحضور أقل عدد ممكن من الأشخاص لتسهيل الإجراءات وتسريعها قدر الإمكان، وضمان عدم انتقالهم وتقاربهم وتجمعهم، وتجنّب انتقال السجين من السجن إلى المحكمة".

وحول قانونية هذه الإجراءات وفق النصوص اللبنانية، يقول أبي نادر إنّ "أي مادة من النصوص القانونية لم تتطرق إلى استخدام هذه الوسائل، وفي الوقت ذاته، لا يوجد أي نص يخالف أو يمنع ذلك. بالتالي، لا يمكن اعتبارها غير قانونية، خصوصاً في ظروف استثنائية".

"السوار الإلكتروني"

وفي سياق العمل الإلكتروني الذي انتهجته "قصور العدل"، يكشف النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات عن إمكان اعتماد القضاء اللبناني "السوار الإلكتروني" في الجرائم أو الجنح البسيطة، بدل وضع الموقوف في السجن. ويؤكد في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، أن وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبي قد وافقت على تزويد لبنان بهذا السوار، وهو عبارة عن حلقة تُثبت بيد أو قدم الموقوف أو الملاحَق قضائياً، وتحدّد نطاق تحركه، على أن تقوم الأجهزة الأمنية برصده ومراقبته للتأكد من عدم تجاوزه الدائرة المحددة له عبر الـGPS.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح أنه بعد المباشرة بآلية الاستجواب الإلكتروني، التي تترافق مع إجراءات الحد من انتشار فيروس كورونا، بات بالإمكان تطوير الأحكام في لبنان وتعديل النصوص القانونية كما هي الحال في عددٍ كبيرٍ من الدول المتقدمة، مشيراً إلى القيمة التوفيرية التي يؤمنها استخدام هذا السوار على الدولة التي تدفع مبالغ طائلة في ملف السجون، من أكل وشرب ومصاريف أخرى.

في المقابل، يصف رئيس جمعية أخوية السجون في لبنان الأب مروان غانم، استخدام هذا السوار بـ"الخطوة الممتازة"، معتبراً أن تطبيق هذه الآلية يخفّض عدد الموقوفين داخل السجون إلى ثلاثة آلاف على أقل تقدير. ويؤكد أن هذه الآلية تضمن احترام الكرامة الإنسانية، إذ يعتبر سجناً إنما داخل منزل المتهم أو في نطاق جغرافي محدد، على أن يتابع هذا الشخص حياته بشكل طبيعي، ما يمكّنه من مزاولة عمله لتأمين معيشته، وممارسة حياته ضمن النطاق المرسوم له، بعيداً من التنقل بين منطقة وأخرى أو السفر.

في حين يرى القاضي رجا أبي نادر أن هذه القضية لا تزال في مراحلها الأولى، وهي قيد البحث والدراسة كفكرة أولية طُرحت، ولا يتوفر حتى الآن أي تفاصيل حول وسائلها وطرق استخدامها والفئات التي يمكن الاستفادة منها، وقدرة لبنان على تطبيقها تقنياً، إضافةً إلى قدرة القوى الأمنية على متابعة هؤلاء الأشخاص.

معايير "العفو"

وفي ما يخص تدابير زمن كورونا، يعود الحديث وبقوة عن قضية الاكتظاظ داخل السجون اللبنانية وضرورة إطلاق سراح عدد كبير منهم. وتوضح وزيرة العدل أن المعايير التي تحرص عليها هي تأمين التوازن بين السلامة العامة والوقاية من كورونا. بالتالي، تخفيف الاكتظاظ وأمن المجتمع وحسن سير العدالة وحقوق الضحية".

وأعلنت نجم أن "التنسيق قائم مع مديرية السجون في قوى الأمن الداخلي لتكوين الملفات التي ستتضمن إفادات السلوك وخلاصات الأحكام، لتُحال بعدها إلى لجنة العفو الخاص ثم النيابة العامة التمييزية، وذلك قبل التوقيع الأخير من قبل رئيس الجمهورية، الذي عرضت عليه مشروع العفو الخاص في إطار الخطوات التي تهدف إلى معالجة الاكتظاظ في السجون".

وتوضح الأمانة أن العفو العام يتناول جرائم معينة، وهو يصدر عن السلطة التشريعية، أما العفو الخاص، فهو شخصي ويمكن أن يطبّق بسرعة كونه يُمنح من رئيس الدولة بعد استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، الذي تناط به صلاحية النظر في طلبات العفو الخاص، المقدمة من المحكومين بعقوبة الإعدام أو المحالة إليه من المراجع المختصة، أو رأي لجنة العفو المؤلفة من ثلاثة من أعضاء مجلس القضاء الأعلى، التي تنظر في سائر طلبات العفو الخاص، أي تلك التي تخرج عن نطاق عقوبة الإعدام، وذلك وفق أحكام المادة 5 من قانون القضاء العدلي والمادة /391/ وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وتعلن أن الأمور حالياً هي قيد الدراسة بانتظار إنجاز الإحصاءات الخاصة بهذا الموضوع، وطلبات العفو الخاص التي سترد، مع الأخذ في الاعتبار ماهية الجرم ومدّة العقوبة وعمر الشخص.

إطلاق المساجين... مقايضة طائفية؟

وتشير المعلومات إلى أنه في حال إنجاز هذا الملف، فإنّ عدد القابعين في السجون اللبنانية سينخفض إلى ما دون النصف، وسيصبح عددهم حوالى 3500 سجين من أصل ما يقارب الـ 7500 حالياً. وأهداف هذا المشروع لا تقتصر فقط على تخفيف الاكتظاظ للحد من انتشار كورونا، بل تشمل أيضاً مراعاة المعايير الدولية لحقوق الإنسان، خصوصاً بعد تلقي لبنان ملاحظات عدّة حول وضعية السجون فيه، علماً أنها مخصّصة لاستيعاب 3000 سجين فقط.

ووفق المعلومات أيضاً، فقد أثار ملف السجناء في لبنان حرباً لا تزال وراء الكواليس بين رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي يريد إصدار عفو خاص بمرسوم لإطلاق عدد كبير منهم، مقابل تمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بأن يكون وفق قانون يشرّعه المجلس.

وتؤكد المعلومات أن إقرار ملف العفو عن السجناء من دون تأمين "مظلة" توافق سياسية، سيؤدي إلى أزمة سياسية كبيرة لا سيما كونه يخضع لموازين طائفية دقيقة، باعتبار أن كل طائفة تتمسك بأولوية استفادة أبنائها، فـ"حزب الله" و"حركة أمل" يشترطان إسقاط حوالى 31 ألف مذكرة توقيف غيابية عن أبناء البقاع والجنوب من الطائفة الشيعية، في حين تطالب الأحزاب المسيحية بإنهاء ملف خمسة آلاف من عناصر "جيش لبنان الجنوبي"، المتهمين بالتعامل مع إسرائيل أثناء احتلالها لجنوب البلاد مع عائلاتهم ومعظمهم من المسيحيين. أما القضية الشائكة الثالثة والتي يتضمنها القانون، فهي إصدار عفو عام عن 1200 شخص ممّن باتوا يُعرفون بالسجناء الإسلاميين، وهؤلاء معظمهم من السنة، ما جعل مشروع العفو يخضع لمقايضات سياسية بين القوى والطوائف، بعيداً من المعالجة القانونية البحتة.

المزيد من العالم العربي