Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الحجر الصحي" للوكليزيو... تمييز في جزر اللجوء

الرواية التي تبدو وكأنها كُتبت في وقتنا الحالي ترصد العنصرية الفجة في أزمنة الموت والوباء

الكاتب الفرنسي غوستاف لوكليزيو (أ.ف.ب)

قبل سنوات عديدة من فوزه بجائزة نوبل للآداب، كانت لغوستاف لوكليزيو إطلالة هامة على الحياة الثقافية العالمية من خلال واحدة من رواياته الأساسية التي يُستعاد ذكرها اليوم باعتبارها تجمع موضوعين يشغلان العالم من أقصاه وأدناه، أحدهما قديم لكن كل مناسبة تجيء لتجدّده، والثاني جديد لكن له سوابق مؤلمة. ونتحدث هنا من ناحية، عن العنصرية التي كثيراً ما شغلت هذا الكاتب الفرنسي الكبير، ومن ناحية ثانية عن الوباء وفعله الاجتماعي الذي لئن تجدد الاهتمام به في زمننا هذا لمناسبة انتشار وباء كورونا، فإنه لم يفته أن يشغل كتّابا متبصّرين عادوا إلى تاريخه وتأثيراته الاجتماعية حتى من قبل حلوله مع أواخر العام الفائت واستفحاله يوماً بعد يوم في هذه الحقبة الكأداء من تاريخ البشرية. ومنهم لوكليزيو الذي عرف كيف يجمع الموضوعين معاً وبقوة لافتة في روايته "الحجر الصحي" التي صدرت عام 1995 يوم لم يكن ليخطر في بال أحد أن زمناً قريباً سوف يجيء تكاد تلقي البشرية فيه أسلحتها كلها أمام وباء مفترس، لم يعد في مقدورها مجابهته إلا بالأمل.

الوباء... مناسبة وذريعة

بالنسبة إلى لوكليزيو وروايته هذه التي تلفت النظر بحجمها الكبير، كان الوباء آتياً لا محالة وإن بشكل يختلف عما ستكون الحال عليه بالفعل بعد ربع قرن من صدور الرواية، ومع هذا يمكن الافتراض بأن الكاتب إنما استخدم الوباء، كما يفعل كثر من الكتّاب، على سبيل الكناية كي يطرح من خلاله عدداً من المعضلات الإنسانية التي تقضّ باله، وفي مقدمتها قضية العنصرية التي لطالما عالجها في أعمال سابقة له وسيواصل معالجتها في أعمال لاحقة بالطبع، وهو الذي يعتبر نفسه ابناً لجزيرة موريشيوس التي عاش فيها ردحاً من طفولته، بقدر ما هو ابن لفرنسا موطن جدوده الأصلي، وابن للعالم موطنه الأكثر فساحة.

مهما يكن من أمر فإن لوكليزيو يكتب هنا استناداً إلى ما يدنو من سيرته الذاتية أو بالأحرى من سيرة جدود له كما يخبرنا بنفسه. وتلك ممارسة عمد إليها الكاتب في عددٍ من أعماله ولا سيما في "أونيتشا" و"الأفريقي" وغيرهما. إذ ها هو هنا ينقل إلينا ما رُوي له عائلياً ولم يبرح خياله، على شكل حكاية تتعلق بسفر الأخوين ليون وجاك، وأولهما مستوحى من شخصية أليكسي جد كاتبنا، على متن السفينة "آفا" باتجاه موريشيوس. ولكن فيما هما على مقربة من شاطيء تلك الجزيرة يُعلَم الربان أن ثمة وباء "الجدري" ينتشر الآن ويتوجب على السفينة أن ترسو في جزيرة صغيرة غير بعيدة عن ذلك الشاطيء كي تبقى في حجر صحي غير محدّد زمنياً بالنظر إلى أن راكبين صعدا السفينة خلال وقفة غير متوقعة في زنجبار، كانت قد ظهرت عليهما علامات العدوى. وبالتالي فإن الحكاية تصبح حكاية الإقامة في تلك الجزيرة التي يُحجر فيها المسافرون من أوروبيين وهنود على وجه الخصوص ريثما يتم التيقن من الوضع الصحي لكل الركاب.

الفرز العنصري والحب البريء

غير أن المسألة لن تكون على مثل تلك البساطة خصوصاً أننا نعيش هنا في الزمن الكولونيالي الذي يفترض أن كل آسيوي أو أفريقي إما مصاب أو عرضة للإصابة، وأن كل أوروبي سليم حتى يحتك بـ"الشعوب الأدنى". والحقيقة أن ذلك ما يصبح علة الموضوع الأساس لـ"الحجر الصحي" على جزيرة بلات البركانية الجرداء وسط المحيط الهندي. ناهيك بأنه يصبح أيضاً حكاية حب، هو ذاك الذي جمع بين جد الكاتب الأوروبي وجدته المنتمية إلى المهاجرين الهنود الذين يصلون إلى موريشيوس للعمل.

من الواضح هنا من خلال الحكاية التي يرويها ليون جد الكاتب بصيغة المتكلم، أن الحجر سوف يطول، لكن الأدهى منه أن الجزيرة الصغيرة التي سيبقى فيها الركاب منتظرين سفينة إنقاذ لا يعرف أحد متى ستصل، قُسمت إلى حيين يُحجز الهنود في واحد منهما والأوروبيون في الآخر من دون أية إمكانية للتواصل بين الفئتين. ويلاحظ جاك "أننا مسجونون هنا" لكن ليون الذي يكون قد تعرف على الحسناء سوريافاتي وأغرم بها، لن يرضى بأن "يُسجن" ولا بأن يُحرم من اللقاء مع حبيبته بالفصل العنصري، ومن هنا ستُخصص صفحات عديدة لمغامراته في التسلل بين الحيّين وتعبيره عن غضبه ومشاكسته ضد الاستعمار الذي يصرّ على أن ثمة أكثر من طريقة للتعامل مع البشر تبعاً للونهم وعرقهم. وبهذا، بأكثر مما بالوباء نفسه، يُدخِل لوكليزيو هذه الحكاية في عوالمه المعهودة.

قسوة العالم وبراءة الطفولة

في خطابه الذي ألقاه في ستوكهولم يوم تسلمه جائزة "نوبل" للآداب بعد فوزه بها بشهر تقريباً، قال لوكليزيو كل ما يمكنه أن يقول عن أدبه، عن أحوال العالم، عن العنصرية عن الأدب، عن الأطفال وكذلك عن لبنان. قد يكون كثر فوجئوا بما تضمنه خطاب صاحب "صحراء"، لكن الذين يعرفون أدبه، لم يفاجَأوا.

فهو لم يتوان في أعماله كلها عن التنديد بالعنصرية، مستخدماً غالباً براءة الصغار  للحديث عن شجاعة التصدي. فمن "آدم بولو" بطل "المحضر" الذي يعيش في احتجاج دائم على قسوة العالم، إلى "هوغان" بطل "كتاب الهرب" الذي يعيش ترحاله حاملاً آلامه وأحزانه واحتجاجاته، متنقلاً عبر العالم، مروراً بـ"باتريس ب" في رواية "الحرب" وقد أرعبه عنف المجتمعات الحديثة، و"بوغو" الأخرس، ذلك الطفل الذي يرفض الكلام في رواية "العمالقة" لأن الكبار ما عادوا يعرفون شيئاً غير إعطاء الأوامر.

عبر هذه الشخصيات القلقة، البريئة، الطفلة حتى ولو كان بعضها قد تجاوز سن الطفولة، يتنقل لوكليزيو عبر صفحات رواياته العديدة، ما جعل منه واحداً من أهم أدباء الجيل الجديد في الرواية الفرنسية، مع أنه حافظ دائماً على نوع من الغموض يحيط بشخصيته، وعلى شيء من الصمت يطبع عمله وانكبابه على ذلك العمل. ولقد وصل لوكليزيو إلى ذروة تألقه في نصين صدرا قبل سنوات، أحدهما رواية عن تاريخ الاقتلاع الفلسطيني من خلال الحياة اليومية في مخيم "نور الشمس"، منظوراً إليها بعيني الطفلة نجمة التي أفقدها الاقتلاع والرمي في المخيم صباها، لكنه لم يفقدها براءتها. أما الثاني فعبارة عن كتاب عن إبادة الأوروبيين للحلم المكسيكي وقتلهم لحضارة عريقة، ولألوف الأطفال (الأطفال دائماً). وقد أصدر لوكليزيو بعد ذلك مجموعة بعنوان "ربيع ونصوص أخرى" تعود بدورها إلى عالم الأطفال، وتتوقف على وجه الخصوص عند طفولة المهاجرين العرب في فرنسا، وعند أحلامهم الخائبة.

حتى الحضارات تُستشهد

الطفولة، والمصير الإنساني، والظلم الذي يتفنن عالم الكبار في ابتكار ضروبه، وفوق هذا كله عالم الحضارات المستشهدة والعوالم الثقافية التي ضربتها المركزية الأوروبية من دون رحمة، عالم أسئلة القلق والموت والخيبة والهرب. تلكم هي الموضوعات الرئيسة التي طبعت دائماً كتابة جان ماري غوستاف لوكليزيو، المتمرد على الحداثة الذي جعل دائماً من شخصيات أعماله صورة لقلقه وغضبه، وهو الفرنسي المتحدر من أم فرنسية وأب ولد في جزيرة موريشيوس، وهو من أصل بريتاني، فرنسي.

ولوكليزيو نفسه وُلد في نيس عام 1940 وعاش طفولته متنقلاً، وأمضى ردحاً منها في أفريقيا، حيث فتح عينيه على العالم، ثم لم يكف بعد ذلك عن الترحال، إنما من دون أن ينسى سنته الأفريقية، من دون أن ينسى أفريقيا التي تسللت إلى داخل جلده ووعيه، ولم يكف بعد ذلك عن الحلم بها، وعن الدنو منها في رواياته، ولا سيما في رواية "صحراء" (1980) التي تروي لنا حكاية "للا" ذات الجدود الطوارق، مقاتلي الصحراء، والتي تعيش الآن في بيوت التنك في ضواحي مرسيليا، لكنها تعيش في عجز دائم عن نسيان تاريخها العريق.

من مثل هذا الربط بين الناس، ماضيهم وحاضرهم، بصرف النظر عن أصولهم وأعراقهم وألوانهم، صنع لوكليزيو ذلك الأدب الإنساني الكبير الذي لا شك أن إنسانيته عرفت كيف تصل إلى ذروتها في رواية "الحجر الصحي" التي ستبدو لنا إن قرأناها اليوم وكأنها كُتبت في أيامنا هذه لتتحدث عنها.

المزيد من ثقافة