Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا الهوس البريطاني بالتزعم؟ يجب أن نتعلم من بلدان أخرى خلال هذه الأزمة

على أقل تقدير، أن يُجبر فيروس كورونا الحكومة على التمعن في نفسها وهي ترى الكيفية التي تنظم الأمم نفسها لمواجهته

فرقة الخيالة التابعة للحرس الملكي خلال الاستعراض السنوي بعيد الملكة إليزابيت الثانية (غيتي)

أوائل هذا الشهر، عندما كان يعلن الانتقال من مرحلة "الاحتواء" في مواجهة كورونا إلى مرحلة "التأخير"، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون "خلال الأيام القليلة الماضية، كنت أقارن الملاحظات وأتحدث مع الزعماء في شتى أنحاء العالم وأستطيع أن أقول لكم إن المملكة المتحدة تقود حملة عالمية متنامية مع أصدقائنا وحلفائنا، سواء في البلدان السبع الكبرى أو مجموعة العشرين أو الأمم المتحدة أو صندوق النقد الدولي- كل هذه الهيئات التي نلعب فيها دوراً مهماً، نحن نقود حملة لمحاربة هذه المرض".

يؤسفني أن أقول هذا يثير الحفيظة. فقد يكون للمملكة المتحدة سادس أكبر اقتصاد في العالم (وهذا يعتمد على الكيفية التي يحتسب بها)؛ ولعلها واحدة من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وربما هي تنتمي إلى منظمات عالمية أكثر من العديد من البلدان. بل وربما إذا رجعنا إلى الوراء لفترة زمنية طويلة كانت جزءاً من التحالف المنتصر الذي هزم الفاشية. لكن لماذا هذا الهوس بـ "الزعامة"؟

ما هي مشكلة المملكة المتحدة مع "التزعم"؟ ألا يمكننا يوماً ما أن نكون فقط جزءاً من جهد تعاوني لقضية مشتركة جديرة بالثناء، بدلاً من أن يكون علينا دائماً "تزعم" هذا الجهد؟

في المقابل، نجد أن مشاعر العظمة في 10 داونينغ ستريت (مقر الحكومة البريطانية) أصبحت فقط أسوأ فأسوأ. يجب القول إن الحملة التي نقودها هي ليست لـ"مقاومة هذا المرض" مثلما يقول جونسون بل "لإبقاء الاقتصاد ينمو، وللتوثق من أن البشر يستطيعون الحصول على الأدوية والعلاجات التي نحتاج إليها جميعاً. كذلك فإن المملكة المتحدة في مقدم البلدان في ما يخص الجهود المبذولة لدعم الأعمال، ودعم اقتصادنا، والتوثق من أننا سنتجاوز الأزمة".  

وإذا كان جونسون يردد أن الهدف هو "للتأكد أن البشر" – البشرية جمعاء، لا أقل - "يستطيعون الحصول على الأدوية والعلاجات التي نحتاج إليها جميعاً"، فقد أصبح واضحاً يوماً بعد يوم، بأننا لا نملك "الأدوية والعلاجات التي نحتاج إليها جميعاً" على صعيد وطني، ناهيك عن كل البشر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نحن لدينا أسرّة أقل للعناية المركزة قياساً بعدد السكان، من أي بلد مماثل في أوروبا. وهذا ما جعل الحكومة تطلب من أصحاب المشاريع وشركات صناعة السيارات إنتاج أجهزة إنعاش، وهناك تعثّر محرج في العثور على معدات للفحص، وهذه الأمور ظلت مخفية وراء غابة من العبارات الغامضة مثل "التقدم بسرعة" و"في أقرب وقت ممكن". ولحد الآن، وخلال فترة عشرة أيام تقريباً، حقق هذا "التقدم بسرعة" فحوصاً بلغت ما بين 5 آلاف و6 آلاف في اليوم، وهذا بعيد عن الهدف المبتغى الذي يصل إلى 25 ألف فحص يومياً.

كان يجب أن نعرف منذ وقت طويل – أو على الأقل منذ انهيار 2008 المالي- أن المملكة المتحدة لا تقود في أي مجال، عدا ربما في حجم  قطاعنا المالي مقارنة ببقية قطاعات الاقتصاد الأخرى، وفي عدد المصرفيين بالنسبة لعدد سكان البلاد. وربما -في أحسن الأحوال- مزاج الشعب وقدرتنا على تنظيم حفلة.

كانت دورة ألعاب 2012 الأولمبية احتفالاً مجيداً بالاثنين، وتلك الخاصيتان قد تدعمانا لتجاوز حالة الطوارئ التي فرضها فيروس كورونا. فحين يدعو وزير الصحة ربع مليون من المتطوعين إلى مساعدة هيئة "خدمات الصحة الوطنية" يتقدم إليه خلال 24 ساعة فقط ضعف هذا الرقم، وقد نخرج في نهاية المطاف من نهاية النفق، لكن، وأخشى أن أقول، من دون تعلم القليل من التواضع خلال الأزمة.

أولاً، في ما يتعلق بهيئة "خدمات الصحة الوطنية" وخدماتنا الاجتماعية بشكل عام. نحن لا نملك خدمة نموذجية ومتطورة للعناية الصحية والاجتماعية. نعم، لدينا واحدة تقدم خدمات "مجانية في عين المكان"، حمداً لله على ذلك (طالما أنك لا تحتاج إلى طبيب أسنان، أو للعلاج الطبيعي، أو العلاج النفسي العاجل أو أي خدمة أصبحت وبشكل متزايد غير مغطاة وتتطلب دفع أجور للحصول عليها). 

فمقارنة بالعديد من البلدان الأوروبية بما فيها إيطاليا (على الرغم من معرفة القليل بذلك)، لدينا خدمة صحية متقادمة، بإدارة فقيرة، وبيروقراطية من دون ترابط، مع قدرة ومعايير تحددها المنطقة التي يسكن فيها الفرد. وأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة هم بشكل محدد موضع عناية ضعيفة. مع ذلك، وعلى الرغم من نواقصها الحالية،  فإننا نتجنب تدريب وتكوين موظفينا بشكل كاف، مفضلين جلب أطباء وممرضين من بلدان أفقر أبنائها في أمس الحاجة إليهم مثلما هي حالنا.

وإذا لم يكن بريكست تنبيهاً قوياً بما فيه الكفاية عن حاجتنا إلى تدريب موظفينا، فإن فيروس كورونا سيرفع درجة صوت المنبه أعلى. أنا لن أبدأ حتى بتعداد الاجحافات القائمة في نظام الرعاية الاجتماعية – على الأقل في إنجلترا، حيث أنها خارج نطاق هيئة "خدمات الصحة الوطنية". إذ يكفي القول إن فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا تؤدي عملاً أحسن، حيث معدل أعمار السكان فيها أكثر مما هو لدينا.

الجانب الصارخ الآخر الذي تطري المملكة المتحدة غالباً نفسها عليه هو أنها تتزعم – لكنها في حقيقة الأمر لا تفعل ذلك- بقية شبكة الضمان الاجتماعي. هذا البلد ظل يتبع، وبشكل متعمد، سياسة التشغيل العالي للعاطلين من العمل. أنا لا أختلف مع ذلك. لكن إحدى النتائج التي ترتبت على هذا المسعى هو تنامي عدم المساواة بين العمال من حيث أن أشغالهم منقسمة إلى "مأمونة" أو "غير مأمونة". فهناك افتراض أن أولئك الذين وظائفهم "مأمونة" يتمتعون جميعاً بظروف متماثلة للجميع، لكن في الحقيقة الأمور لا تسير بهذه الطريقة.

ما يُطلق عليه العمل وفق عقود قصيرة الأجل أو المستقل، هو آخر مظهر حاد لظاهرة أوسع.

وحقيقة النموذج الاقتصادي للاقتصاد البريطاني، والتي من النادر الإقرار بها، هي أنه أصبح في العديد من الوجوه محدداً بأجور منخفضة، وانتاجية اقتصاد منخفضة. وعلى هذا النحو، أصبح يتحرك على مسار مختلف من اقتصادات العديد من البلدان المتطورة في أوروبا. وعلى الرغم من أن "التقشف" أصبح شفرة لـ"بذاءة" المحافظين، فإنها صفقة التزمت بها الحكومات المتعاقبة.

حين ضرب فيروس كورونا سنّت إيطاليا- نعم إيطاليا مرة أخرى- وفرنسا إجراءات غطت وفقها معظم العمال، بغض النظر عن القطاع الذي يعملون فيه، والشروط التي يعملون  وفقها. الحكومة هنا اتبعت ما قرره البلدان ولكن بتقديم العون للعمال المأجورين. وكان لزاماً أن يمضي أسبوع آخر من الدراسة المحمومة والاقتراحات المرتجلة، قبل توسيع التغطية الجزئية لتشمل البقية. وهذا على الأقل لأن حماية الدولة للعمال المستقلين والعاملين لحسابهم الخاص والمتعاقدين لفترة محددة مختلفة كثيراً عن غيرهم (على الرغم من الطعون القضائية أخيراً).

يمكن القول إنه في هذين المجالين الأولَين- الصحة وشبكة الضمان الاجتماعي- لعبت حالة  الطوارئ لمواجهة فيروس كورونا دوراً في التخلي عن طرائق لا تصل إلى مستوى شركائنا السابقين. كذلك أظهر الفيروس أنه على الرغم من الصورة الرفيعة التي نمتلكها عن أنفسنا، ثبت أن تحضّرنا في بعض الأوقات هبط دونها. فعلى الطرف الآخر من القناة الإنجليزية (بحر المانش) ليست هناك حالة تهافت مذعور على المشتريات. مع ذلك، فإننا نحن الذين نعيش هذه الحالة، أو على الأقل فإن حكوماتنا، ظلت تزعم مراراً بأن من حقنا لعب دور "الزعامة".

لذلك فإنه على أقل تقدير، يجب أن يُجِبر فيروس كورونا الحكومة على التمعن في نفسها وهي ترى الكيفية التي تنظم الأمم الأخرى نفسها لمواجهته وحماية مواطنيها. كتب أحد الأطباء هذا الأسبوع قائلاً، إن الأسابيع الثلاثة الأخيرة أظهرت أن هناك تحولاً ثقافياً عاصفاً في هيئة "خدمات الصحة الوطنية". وقصد أن التحول كان إيجابياً.

هناك مؤشرات تدلل على أن الحكومة و هيئة "خدمات الصحة الوطنية" تستفيدان من تجربة إيطاليا وإسبانيا، فيما هما تتهيآن لأسوأ ما تفعله الجائحة. غير أن تلك العملية يجب ألا تقف عند بدء تراجع الفيروس. هناك أمور كثيرة يمكن للمملكة المتحدة أن تتعلمها من الآخرين – إنْ هي تخلصت من زعمها البالي وغير المعقول بالتزعم.

© The Independent

المزيد من آراء