Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوجه الشبه بين أوروبا اليوم والثلاثينيات مخيفة

ثمة حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إجماع أوروبي على مسألة اللاجئين

اللورد آلف دوبس أمام البرلمان البريطاني (غيتي)

تفاقمت في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي أزمة اللاجئين في أوروبا. فقد توافد آلاف الأشخاص إلى الحدود بين تركيا واليونان التي ظلّت موصدةً أمامهم، على الرغم من تأكيدات الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان، الخادعة بأنهم سيتمكّنون من عبورها.

وردّت السلطات اليونانية التي غمرتها أعداد النازحين التي وصلت إلى جزر بحر إيجه ليسبوس وخيوس وساموس، بالغاز المسيّل للدموع، بما في ذلك ضدّ عائلاتٍ كان برفقتها أطفال. ويهدّد فيروس "كوفيد- 19" الآن بإرباك المخيّمات غير الصحّية المزدحمة فعلاً والحدود بين البلدين حيث يتجمّع اللاجئون فيها بأعداد كبيرة. هذا الفصل الأخير من فصول المعاملة المخزية لقارتنا مع الهاربين من الحرب في الشرق الأوسط.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع المشؤومة في فبراير (شباط)، حاولت مجموعة من المتطرّفين اليمينيّين، مع تحقيق بعض "النجاح"، الحؤول دون نزول هذا السيل الأخير من اللاجئين من القوارب التي استقلوها للعبور من تركيا. وغرق طفلٌ لاجئ كان في زورقٍ لحظة انقلابه، وكان المتطرّفون اليمينيّون يستهدفون أيضاً المنظّمات غير الحكومية والمتطوّعين وحتى الصحافيّين الذين كانوا يبلّغون عن الأزمة المتصاعدة.

لم يتعرّض المهاجرون إلى القارة لمثل هذا الهجوم المتواصل في أوروبا منذ الثلاثينيات. وتغيّرت المواقف في بريطانيا حيال المهاجرين منذ أن استقبلنا قرابة 27 ألف لاجئ آسيوي وأوغندي في السبعينيات. وعندما فرّ نحو مليون و100 ألف بوسني من حروب البلقان في التسعينيات، وافقت بريطانيا على قبول آلاف منهم أُنقذوا من معسكرات الاعتقال الصربية، ووصلوا إلى المملكة المتّحدة من دون معارضة تُذكر. وقد كُلّفتُ بصفتي الرئيس التنفيذي لـ"مجلس اللاجئين" في ذلك الوقت، المساعدة في ترتيب استقبالهم ودعمهم. واستضافت النمسا من جهتها، التي تُعدُّ الآن إحدى دول الاتحاد الأوروبي الأكثر عدائية تجاه اللاجئين، أكثر من 86 ألف لاجئ بوسني بين عام 1992وعام 1995، بعدما فتحت أبوابها سابقاً لآلاف المجريّين الفارّين من حملة القمع السوفياتية عام 1956.  

وإنصافاً لتركيا، جدير بالذكر أنها استوعبت ملايين اللاجئين منذ بدأ النزاع السوري يلفظهم من مواطنهم. وكانت اليونان تُكابد فعلاً اقتصادياً عندما بدأ آلافٌ من هؤلاء اللاجئين الوصول إلى شواطئها.

غير أنّ تركيا واليونان وكتلة الاتحاد الأوروبي ككلّ، لم تسلم كذلك من الأحداث الأخيرة. فإردوغان يستخدم اللاجئين أدواتٍ سياسية. ولكن تركيا لا تنفرد بذلك. فقد رفضت كذلك إيطاليا في عهد ماتيو سالفيني، وزير الداخلية الإيطالي السابق، السماح للاجئين بوضع الرحال على سواحل البلاد. وأعلن فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري، أن اللاجئين ليسوا شاغله، وأنه يجب السماح للمسيحيين البيض فحسب بدخول البلاد. وتتفاقم حدّة المشاعر المعادية للمهاجرين في كلٍّ من النمسا وفرنسا وجمهورية التشيك والمملكة المتّحدة وأماكن أخرى. واستغلّ اليمين المتطرّف في عدد من دول الاتحاد الأوروبي وضع اللاجئين لتحقيق مكاسب سياسية. ولسوء الحظ، فإنّ إحراز ممثليه نجاحاً انتخابياً هو دليل على نجاح هذه الاستراتيجية القميئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لمواجهة هذا الواقع، وفي ضوء التهديد الحقيقي للغاية الذي يمثّله فيروس "كورونا" الآن للأشخاص الذين يعيشون في ظروف مكتظة ويفتقرون إلى شروط النظافة على التخوم الخارجية لأوروبا وفي المخيّمات، يحتاج الاتحاد الأوروبي بشكلٍ عاجل إلى صوغ سياسة عامة في شأن الهجرة، وإعادة توطين اللاجئين على امتداد القارة. ويعيش اللاجئون في الجزر اليونانية متجاورين في مسافة قصيرة، في ظروف غير صحية إلى حدّ يتعذر معه التزام التباعد الاجتماعي. وحتى غسل اليدين بانتظام هو أمر صعب عندما يكون توفر الصابون أو الماء الساخن محدوداً. وبحسب تقديرات منظّمة Safe Passage، ثمة نحو 30 ألف لاجئ في الجزر اليونانية، في مرافق بُنيت لاستيعاب نحو 6 آلاف شخص فقط. وفي ضوء أزمة فيروس "كورونا"  ولتجنّب كارثة إنسانية، يجب إخلاء، على وجه السرعة، المرافق هذه وإعادة توطينهم.

لكن صعود اليمين في القارة الأوروبية جعل مهمّة صوغ سياسةٍ للاجئين على مستوى القارة شبه مستحيلة. أما المملكة المتحدة  التي كانت عضواً سابقاً في الاتحاد، فلا كلمة لها في الأمر، ولم تَعُد لديها وسائل يمكن من طريقها الضغط، ولا مقعداً في الاتحاد الأوروبي أو سفيراً، ولا وسيلة للسياسيين البريطانيين للدفاع عن اللاجئين الذين يدخلون إلى أوروبا. يمكن أيضاً أن تُعزى انعزاليتنا الجديدة، الناتجة من خروج إنجلترا من الكتلة الأوروبية، إلى تغيير في المواقف تجاه الهجرة التي ترسّخت خلال الأعوام الأخيرة. وقد يُفسر ذلك أيضاً لماذا كانت الحكومة البريطانية بطيئةً في اتّخاذ إجراءاتٍ ضد انتشار وباء "كورونا" عندما كان جيراننا في الاتحاد الأوروبي يتحرّكون بشكل أكثر حسماً وحزماً.

المفتاح لفهم سبب تغيّر المواقف المحلية تجاه الهجرة بهذه السرعة هو قرار حكومة حزب "العمّال" السماح لمواطني الدول الشيوعية السابقة في وسط أوروبا وشرقها بالعمل في المملكة المتحدة فور انضمام تلك الدول إلى الاتحاد الأوروبي في 2004، من دون ضوابط انتقالية، وقد أعقب ذلك تدفق إضافي عام 2007 عندما انضمّت رومانيا وبلغاريا إلى الكتلة الأوروبية.

وحين انضمّت بولندا إلى الاتحاد الأوروبي، قدّر سفيرها أن نحو 30 ألف بولندي سيأتون إلى المملكة المتحدة. في نهاية المطاف، وصل أكثر من مليون شخص. وإثر الحكمة المستمدّة من التجربة، نقول كان علينا أن نسير كما معظم دول الاتحاد الأوروبي وأن نلتزم مدة انتقالية قبل أن نشرّع أبوابنا. وفيما قدّم المواطنون الجدد في الاتحاد الأوروبي مساهماتٍ إيجابية بسرعة إلى بلادنا، استغلّ معارضو مجيئهم الفرصة وكالوا لهم عباراتٍ عنصرية. وفي الآونة الأخيرة، عزّز هوس حكومة "المحافظين" بإبقاء أعداد الهجرة منخفضة اعتقاداً لدى بعض البريطانيين بأن الهجرة تستنزف موارد البلاد، في حين أن جميع الأدلّة تشير إلى خلاف ذلك.

وأحدث تجسيد لهذا الانعطاف في المواقف من المهاجرين هو نظام الهجرة الجديد القائم على النقاط الذي اعتمدته الحكومة، والذي يضرّ بالمصالح الاقتصادية للبلاد. ويعتمد نظام الرعاية البريطاني، وكذلك قطاع الخدمات وقطاعي الزراعة والبستنة، على المهاجرين، الآن أكثر من أي وقت مضى. ففي لندن على سبيل المثال، تُقدَّرُ نسبة العاملين في مجال الرعاية من غير البريطانيين بحوالى 40 في المئة. ويعود ذلك إلى أن متوسّط راتب عامل الرعاية بدوامٍ كامل في لندن هو 17 ألف جنيه استرليني (21,700 دولار أميركي) أي أقلّ حتى من الراتب المدرج في "قائمة الوظائف الحكومية المتاحة لغير البريطانيين" البالغ 20500 جنيه استرليني (26,500 دولار) سنوياً. لذا، لن يكون هؤلاء العمّال الذين لا غنى عنهم مؤهّلين لدخول المملكة المتحدة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1938، ألقى النائب "العمّالي" فيليب نويل بيكر خطاباً في مجلس النواب عن مسألة الأقليّات العرقية والدينية والسياسية. وكانت الخلفية المباشرة لما وصفه "أزمة لاجئين" ذات أبعاد ضخمة ترتّبت على عزم الدولة الألمانية على القضاء على العرق اليهودي. وقال بيكر في خطابه آنذاك أمام مجلس العموم: "يلاحظ هذا المجلس بقلق عميق المعاملة المؤسفة التي تعاني منها بعض الأقليّات العرقية والدينية والسياسية في أوروبا، ونظراً إلى تفاقم خطورة مشكلة اللاجئين، فإنه يرحّب بجهود متضافرة فورية، بما فيها الجهود بين الدول ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، للتوصل إلى سياسة مشتركة. أعلم أن مجلس النوّاب سيدرك أن هذا النقاش لا تُرتجى منه فائدة إلاّ إذا قلنا الحق وإذا واجهنا الحقائق وراجعنا الوضع كما هو بالفعل". وفي تلك المناسبة، استقبلت المملكة المتحدة وحدها من بين الدول الأوروبية نحو 10 آلاف طفلٍ لاجئ يهودي، وأنا منهم، وصلوا إلى هنا بفضل حملة إنقاذ الأطفال من النازية.

إن معاداة السامية التي اعتقدنا أنها طُويت عامَيْ 1944و1945، عاودت الظهور هي الأخرى، سواء في دول أوروبا الشرقية أو في بريطانيا. وعلى الرغم من جهود منظّماتٍ مثل "جمعية المحرقة للتعليم" و"مؤسسة ذكرى الهولوكوست"، لا يزال ثمة من ينكرون وقوع المحرقة على الإطلاق، وللمرّة الأولى في ذاكرتي الحيّة، سمح حزب "العمّال"، وهو كان السد التقليدي ضدّ التحيّز، لعبارات مجازية ضدّ اليهود بأن تشوب خطابه السياسي. 

نحن بحاجة إلى تحييد الرأي العام، وإلاّ فإنّ اليمين المتطرّف سيستغل الوضع أكثر، ما قد يؤدّي إلى زيادة الشرور المزدوجة من كراهية الإسلام ومعاداة السامية. ولم تنته أزمة الهجرة بَعد. اليوم، استقبل كلّ من الأردن ولبنان مليون لاجئ، وتركيا استضافت ما يصل إلى 4 ملايين، بينما أخفقت دول الاتحاد الأوروبي في استقبال بضعة آلاف.

يجب أن يُرسى اتفاق عالمي، وبالتأكيد على الأقل على مستوى أوروبا في شأن اللاجئين، فلا يمكن لليونان وتركيا وإيطاليا أن تعالج الأزمة بمفردها. وعلينا رعاية خطاب وحوار أكثر نزاهة في الداخل والخارج في ما يتعلّق بفوائد الهجرة.

( آلف دوبس هو عضو في مجلس اللوردات عن حزب "العمّال" البريطاني، ونائب سابق عن منطقة باتيرسي، وناشط مدافع عن حقوق اللاجئين. وصل إلى المملكة المتحدة لاجئاً حين كان في السادسة من عمره إبان الحرب العالمية الثانية) 

© The Independent

المزيد من آراء