Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عشاق القهوة في الجزائر... شغف لا يعوض بزمن الكورونا

غلق المقاهي أكبر مؤشر على تعطل الحياة

أحد مقاهي الجزائر العاصمة خلال احتجاج للمدرسين والطلاب (أ.ف.ب)

الرشفة، أو ما يُعرف شعبياً في الجزائر بـ"الكوبة"، أكثر ما يفتقده الجزائري خلال فترة الحجر الصحي الذي فرضته الدولة بعد انتشار فيروس "كورونا" المستجد في البلاد.

"منبّه الجزائريين اليومي" غاب عنهم عقب قرار غلق المقاهي ضمن حزمة إجراءات وقائية من الوباء، وهو ما حول حياةَ العديد منهم وما أكثرهم إلى كابوس حقيقي.

ومن بين هؤلاء الحاج رشيد (56 سنة)، الذي يفتقد ما يُعدل مزاجه كل صباح مردداً "أعيش وضعاً لا أُحسد عليه، والأكيد أن كثيرين يشاركوني هذا الشعور، أنا أفتقد للقهوة المركزة مع سيجارة أفتتح بها يومي. آه كم أشتاق لها".

من جهته، يقُول شفيق 26 (سنة)، إن أكثر ما يزعجني في الحجر ليس البقاء في المنزل بقدر ما أفتقد تلك "الرشفة الصباحية"، ورائحة القهوة "المضغوطة التي نتغنى بها"، قائلاً "أول مكان أتوجه إليه بعد استيقاظي هو مقهى الحي، هناك أجد وقودي لأكمل يومي الشاق".

البيع خلسة

في شارع الكاليتوس الشعبي، عشرة كيلومترات عن قلب عاصمة البلاد، يصطفُ عدد من الشباب أمام مقهى مُغلق في عز الحجر المطبّق على البلاد خوفاً من تفشي كورونا، لتناول فنجان القهوة من تحت الباب، فينحني أول الواقفين لأسفل الباب الحديدي للمقهى، الذي تخرج يدٌ منه حاملة للكوب الورقي "الشهير".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كمن يتهافت على "الممنوعات"، ينظر الشباب من حولهم، خوفاً من حضور دورية الشرطة، يحصل كريم (36 سنة) على كوبه بعد أن يدفع ضعف ثمنه "قبل الأزمة" (60 ديناراً حالياً أي حوالى نصف دولار)، يرسم ابتسامة ويغادر المكان مسرعاً وهو يرتشف يقول، "لو خيروني بين العيش من دون لحم وخضار وبين القهوة، لاخترت القهوة بلا تردد فهي تمنحي النشاط".

تضحية إنسانية

في الجهة المقابلة، يجدُ بعض أصحاب المقاهي صيغة جديدة لمواصلة العمل في "خلسة"، من خلال رفع سنتيمترات قليلة من الستار الحديدي لمقاهيهم، إذ يقول أحدهم "أنا لا أخالف القانون من أجل نفسي وإنما هي تضحية مني للتخفيف من معاناة يومية لهؤلاء الشباب، لأني أعرف قيمة القهوة المعصورة بالنسبة إليهم، أنا لا أعتبر نفسي في العمل وإنما هي مهمة إنسانية"، بحسب قوله.

وعن وقوف الطوابير إلى جانب محله، على الرغم من التحذيرات من خطورة التجمع في زيادة نسبة انتشار الفيروس، يضيف صاحب المقهى "قبل أن أرفع ستار المحل أتفق مع الزبائن على احترام مسافة الأمان في ما بينهم وعدم الوقوف طويلاً أمام المقهى، فمن يأخذ فنجانه لا يسمح له بالبقاء، المكان ليس للتجمع وإنما لقضاء حاجة ضرورية".

ويعتبر المدافعون عن محاولات بعض المقاهي، كسر قواعد الحجر والاحترازات الوقائية منCoVID-19 ، والتحايل عليها، أن القهوة المضغوطة من الضروريات، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية العادات الغذائية للجزائريين، ويقول هؤلاء إن "القهوة من الأساسيات التي لا يمكن مقاطعتها، بأي شكل من الأشكال".

مكان غير عادي

في الجزائر، لا يعد المقهى مكاناً عادياً يرتاده عامة الناس الأغنياء منهم والفقراء، فهو ملتقى الأحبة والأصدقاء لتجاذب أطراف الحديث وحتى بداية التفاوض على مشاريع أو عقد صفقات. فلقد أصبحت القهوة عادة لا يمكن الاستغناء عنها، لا بل ظاهرة اجتماعية بامتياز.

ويقابل الإدمان على القهوة انتشار رهيب في عدد المقاهي، فبين مقهى وآخر يُوجد مقهى في الجزائر، فهي بالنسبة لها البلد المغاربي، أكثر من مادة استهلاكية، وإنما شغف لا يعوّض. وبحسب إحصاءات منظمة القهوة الدولية، احتلت الجزائر المرتبة الأولى في قائمة الشعوب العربية الأكثر استهلاكاً لمادة القهوة، إذ يستهلك شعبها 135 ألف طن سنوياً، وهو ما يُعادل 3.1 كيلوغرام للفرد الواحد.

لدرجة الإدمان

ويقول أستاذ علم الاجتماع نوري إدريس إن "انعكاسات غلق المقاهي بسبب الحجر الصحي، يتجاوز افتقار مشروب تعوّد الناس عليه لدرجة الإدمان، وهذا يعني توقف الحياة الاجتماعية والمهنية والاقتصادية، فأينما وُجدت المهن والمصانع والمؤسسات تُوجد مقاهي".

"هي فضاء اجتماعي يلتقي فيه الناس لمناقشة مشاريع وصفقات، وللحديث في السياسة والاجتماع والاقتصاد وحتى الحب. بالتالي فتحها يعني استمرار الحياة وازدهارها، وغلقها يعني توقف الحياة بأكملها"، يسترسل إدريس.

وبنبرة حزينة يضيف "اعتدنا المرور بمقهى الحي لارتشاف فنجان كل صباح قبل التوجه إلى العمل، واعتدنا اللقاء على قهوة بعد الغداء وقبل مواصلة الدوام ومع نهايته. أظن أن غلق المقاهي هو أكبر مؤشر على تعطل الحياة بسبب جائحة كورونا".

المزيد من منوعات