Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بالرسم والعزف والثقافة يحمي الفلسطينيون أنفسهم من "كورونا"

ساهر اشتية يعود بعد طول غياب ليرسم الوباء بوحشيته الفظيعة

قلم من الفحم ولوح من الكرتون هو كل ما يحتاجه ساهر اشتية لرسم لوحاته بالرمادي والأسود (اندبندنت عربية)

داخل حجره المنزلي في مدينة نابلس (شمال الضفة الغربية) يتابع الفنان الفلسطيني ساهر اشتية (34 عاماً) نشرات الأخبار عن كثب، فمع تفشي وباء "كورونا" في كثير من دول العالم ومن بينها فلسطين، وارتفاع عدد الإصابات والوفيات، وتعّطل العملية التعليمية في المدارس والجامعات، وإغلاق المساجد والمزارات الدينية، وأزمة المستشفيات المرعبة، قرر اشتية أن يجسد هذا الواقع الجديد بطريقة مختلفة، فبعدما هجر ألواح الرسم والألوان لـ 13 عاماً، يعود من جديد ليرسم "كورونا" بوحشيته الفظيعة.

الفن والرسم

قلم من الفحم، ولوح من الكرتون المقوى هو كل ما يحتاجه يومياً ليرسم لوحاته التي تميّزت بألوان الرمادي والأسود، والتي تعكس الواقع القاتم والمحزن الذي يحدثه الوباء، يتحدث اشتية لـ "اندبندنت عربية " قائلاً "في كل مرة كنت أشاهد الأخبار، كنت أشعر بالحزن والقهر، فكيف لفيروس لا نراه ولا نشعر به أن يزلزل العالم بهذا الشكل، ولعل أكثر المشاهد ألماً بالنسبة لي، والتي حركت مشاعري بالعودة للرسم من جديد، هي رؤية الحرم المكي في المملكة العربية السعودية شبه فارغٍ من المصلين والمتعبدين، وكذلك الحال في المسجد الأقصى في القدس. رسمت سبع لوحات منذ بدء الحجر المنزلي الذي فرضته السلطة الفلسطينية في 23 مارس (آذار) الحالي، ضمن خطة الطوارئ للحد من تفشي المرض في الضفة الغربية".

ويتابع اشتية "مع نهاية مدة الحجر ستكون معظم لوحاتي جاهزة لإقامة معرض فني يجسد الحالة الحقيقية التي سببها الوباء، وهذه اللوحات تعكس رسائل عدة أبرزها أن الرسالة السامية التي تحملها منظمة الصحة العالمية على كاهلها لإنقاذ البشرية، وما يتحمله الطبيب والجندي والمعلم في سبيل استمرار الحياة والأمل لملايين الأجيال، إضافة لذلك، فقد بيّنت بعض اللوحات كيف تحولت أشهر المعالم والمواقع الشهيرة إلى مدن أشباح خالية من المارة، وبالتأكيد لم أنس كبار السن وسبل حمياتهم، فهم الأمهات والآباء والأجداد الأعزاء الذين يحصدهم الوباء يومياً بلا رحمة.

ولم يكتفِ اشتية بالتعبير عن مشاعر الحزن والغضب بداخله تجاه "كورونا" من خلال الرسم، وخلق حالة فنية فريدة يمكن استثمارها خلال فترة الحجر المنزلي المفروض على الفلسطينيين، بل يخطط خلال الفترة الحالية لإعطاء دروس في الرسم والتصوير عبر الإنترنت، لإتاحة المجال أمام كل المهتمين بالفن والرسم صقل مواهبهم داخل المنزل.

الموسيقى غذاء الروح

الفنان الفلسطيني سمير جبران (47 عاماً) من مدينة رام الله (وسط الضفة الغربية) استطاع بأنامله السمراء، رسم أجمل المقطوعات الموسيقية، التي صدحت في أبرز المسارح العالمية، وهو أحد أعضاء فرقة " الثلاثي جبران" الشهيرة عالمياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جبران الذي يحترف العزف على آلة العود، اكتشف قبل أسبوعين إصابة ابنته كاتيا العائدةِ من فرنسا بالوباء ونقلت إلى المستشفى، ومنذ ذلك الحين وهو يكرس جزءاً من وقته يومياً ليعزف لها وللمصابين الآخرين بجوارها، مقطوعات موسيقية تساهم في التخفيف عنها خلال مكوثها داخل الحجر بعيدة عنه، من دون القيام بأي أنشطة أو فعاليات، يتحدث جبران لـ "اندبندنت عربية" قائلاً "قبل أن أعلم بإصابة ابنتي بالوباء، كنت قد بدأت بالعزف المباشر عبر الإنترنت من خلال شبكة التواصل الاجتماعي، وذلك للتخفيف عن المصابين والمعزولين في المنازل، وعلى الرغم من أن نبأ إصابة ابنتي لم يكن بالأمر السهل، لكنني آثرت الاستمرار من أجلها ومن أجل المصابين الآخرين، ليس فقط في فلسطين بل في كل العالم، وكلما عزفت لها شعرت بالراحة والطمأنينة بأنني أرسم ابتسامة فوق شفتيها، كيف لا والموسيقى هي غذاء العقل والروح، لا يمكنني القول إنني أعالج الفيروس بالموسيقى، بل أساهم كما الطبيب، في تحصين نفسية المصابين وتقوية مناعتهم، فالنفسية القوية الصامدة المطمئنة، هي التي باستطاعتها التغلب على المرض".

طلة ثقافية

وزارة الثقافة الفلسطينية ولمحاربة "كورونا"، أطلقت برنامجاً ثقافياً على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "طلة ثقافية" تهدف لتنشيط المشهد الثقافي في ظل الأوضاع الصعبة التي تواجه الفلسطينيين في ظل الالتزام في البيت، عملاً بتعليمات الوقاية والسلامة، وذلك من خلال تقديم وجبات ثقافية غنية للمتابعين لإثراء الروح وتثقيفها.

وزير الثقافة الفلسطينية عاطف أبو سيف قال لـ "اندبندنت عربية" "هناك أهمية كبيرة لتكاتف جميع فئات الشعب لا سيما المثقفين والفنانين في بث رسائل أمل وتفاؤل، أن فلسطين قادرة على تخطي الصعاب، وبث رسالة توعية بأهمية إتباع إرشادات السلامة من هذا المرض، وبدأنا بكبار فناني وكتاب وشعراء فلسطين، لتوجيه رسائل مهمة في زمن "كورونا" ضمن حملة أطلقتها الوزارة بعنوان "وطنك صحتك" لتوعية المواطنين بالمخاطر وضرورة الاستجابة للتعليمات المتعلقة بالحجر المنزلي وبطرق السلامة، ومن ثم انطلقنا إلى فكرة الطلات الثقافية التي تشبه الندوات الفكرية والأُمسيات الشعرية إلى حد كبير، بيد أن الجمهور من وراء الشاشة بإمكانه الاستماع لصاحب الندوة وتوجيه الأسئلة اليه، فمن المهم أن تكون هناك استمرارية مؤثرة للمشهد الثقافي الفلسطيني حتى لو كنا داخل الحجر المنزلي، إذ إن هناك نخبة من الفنانين والكتاب والشعراء المحجورين في كل دول العالم، قدموا لفلسطين ندوات ثرية ومفيدة عبر الإنترنت من داخل منازلهم".

المسرح داخل البيت

يضيف أبو سيف "ولأن الأطفال جزء أساسي من حياتنا، ومن الصعب السيطرة عليهم داخل الحجر بسبب قلة الأنشطة والفعاليات الأسرية، قررنا تقديم مسرحية بالتعاون مع مسرح الطنطورة الفلسطيني، إذ يتم عرضها في الشارع ومشاهدتها من خلال النوافذ، لكن تخوفنا قبل العرض بساعات من خروج الأمور عن السيطرة وخروج الأطفال من منازلهم، ولذلك قررنا تعديل العرض ليصبح عرضاً مصوراً في ساحة مقر وزارة الثقافة في مدينة رام الله، ومن ثم نبثه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ إن العروض تستهدف بطريقة أو أخرى حض المواطنين على أخذ إجراءات السلامة والوقاية من الوباء، وضرورة البقاء في المنزل، كما طلبنا من أصدقاء موسيقيين، تأليف مقطوعات موسيقية تتحدث عن "زمن كورونا"، وستكون هناك حفلات أخرى تبث عبر الإنترنت، لعرض تلك المقطوعات".

ولحض المواطنين على الالتزام ببيوتهم خلال فترة حظر التجول في الضفة الغربية وتحفيز الأسر على تجنب الاختلاط، قامت بلدية رام الله عبر صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بنشر حملة "احنا على موعدنا" والتي تقوم على بث مباشر لقصص الأطفال بطريقة تفاعلية عبر الحكواتي" الراوي"، كما تعاونت البلدية مع عدد من المسارح الفلسطينية المحلية لتقديم عروض فنية وكوميدية مباشرة للأطفال، لإبعاد الملل والرتابة عن حياتهم خلال فترة الحجر الصحي.

يذكر أن السلطة الفلسطينية كانت في الخامس من الشهر الجاري أعلنت حالة الطوارئ في مناطق الضفة الغربية بإغلاق الجامعات والمدارس ورياض الأطفال مدة 30 يوماً، ومنعت إقامة حفلات الزفاف والمباريات الرياضية والمؤتمرات والمهرجانات، بعد اكتشاف أولى الإصابات في مدينة بيت لحم (جنوب الضفة الغربية)، وفي 23 من الشهر نفسه، فرضت الحجر المنزلي الاجباري، ومنعت التنقل بين المدن والقرى، خصوصاً مع ارتفاع أعداد المصابين.