الانهيار الاقتصادي يطرق أبواب اوروبا... وخطط التحفيز المالي تحت الاختبار

حروب أسعار النفط تعمق الأزمة... وشدّ وجذب بين واشنطن وبكين بسبب الفيروس

تفريغ سفينة شحن إيطالية في ميناء ليماسول القبرصي في خضم تفشي كورونا (أ.ف.ب)

في ما أعلن وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية من الاقتصادات العشرين الرئيسة في العالم، عن "خطة عمل" للتصدي لجائحة فيروس كورونا المستجد، لكن يبدو أن هذه الخطة ستصطدم بحروب الأسعار التي تشهدها سوق النفط، وحروب التصريحات بين الصين والولايات المتحدة حول منشأ الفيروس القاتل.

وعلى الرغم من تلميح مؤسسات وجهات دولية حول دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود حتمية، بسبب استمرار تداعيات ومخاطر الفيروس القاتل على الاقتصاديات الكبرى، لكن تبقى الآمال معلّقة على تحركات البنوك المركزية والإجراءات العنيفة التي أعلنتها حكومات العالم في التخلص من قبضة كورونا والاتجاه نحو الاستقرار بعد موجة الخسائر الحادة التي ضربت جميع أسواق العالم.

في بيان أصدرته أمانة مجموعة العشرين بعد اجتماع للمسؤولين الماليين، أشار إلى أن "مركز إطفاء الحرائق" العالمي يتجاوب ببطء مع الأزمة الآخذة بالتفاقم، حيث حثت الأرجنتين، التي يقول صندوق النقد الدولي إنها أصبحت عاجزة عن خدمة ديونها، جميع أعضاء مجموعة العشرين على التحرك بحزم من أجل "تفادي انهيار اجتماعي" مع انتشار الجائحة.

تعقيدات في ظل حرب أسعار النفط

وخلال الأيام المقبلة، من المقرر أن يعقد قادة مجموعة العشرين قمة استثنائية مع استمرار الانتشار السريع للفيروس، الذي أصاب نحو 337 ألفاً و500 شخص في أنحاء العالم وأودى بحياة أكثر من 14 ألفاً و600 ضحية على مستوى العالم.

لكن القمة، التي دعت لها السعودية، رئيس المجموعة هذا العام، ستواجه تعقيدات في ظل حرب أسعار النفط بين عضوين، هما السعودية وروسيا، وحرب التصريحات بين عضوين آخرين، الولايات المتحدة والصين، بخصوص منشأ الفيروس. حيث قال وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، إن نظراءه اتفقوا على أخذ إجراءات لدعم اقتصاداتهم والتنسيق على المستوى الدولي عند الضرورة.

وأصدر المسؤولون في اليابان والأرجنتين بيانات يدعون فيها إلى تحرك حاسم، في حين قال محللون ومختصون إن هناك حاجة ملحة إلى إجراءات محددة، وليس التطمينات العامة التي قدمتها مجموعة العشرين حتى الآن.

وزير الخزانة الأميركي قال إن بلاده تعمل عن كثب مع دول مجموعة العشرين ومجموعة السبع وصندوق النقد والبنك الدوليين من أجل التعامل مع الأزمة. وقال "منوتشين"، الذي يواجه صعوبة لنيل موافقة الكونغرس على حزمة إنقاذ أميركية بتريليوني دولار، إن "هذا عمل جماعي لقتل هذا الفيروس وتوفير دعم اقتصادي".

وأمس، أعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي، عن حزمة برامج ضخمة لدعم الاقتصاد الأميركي، تشمل خطوات لدعم مشتريات سندات الشركات وقروضاً مباشرة لها وتوفير الائتمان للشركات الصغيرة والمتوسطة التي توظف نصف قوة العمل الأميركية.

هل فشلت خطط التحفيز المالي؟

ويبدو أن خطط التحفيز المالي التي أعلنتها دول أوروبا فشلت في احتواء الأزمة، حيث قال بنك "يو.بي.إس" إن حدوث ركود اقتصادي عميق في أوروبا أصبح السيناريو الأساسي حالياً، رغم التحفيز المالي والنقدي القوي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال الأسابيع الأخيرة، أعلن البنك المركزي الأوروبي خطة لضخ 750 مليار يورو (820 مليار دولار) في الاقتصاد، في محاولة لتعزيز الاقتصاد الذي تأثر سلباً بسبب أزمة الوباء المتصاعدة.

وأوضح البنك الاستثماري السويسري، في مذكره بحثية حديثة، أن اقتصاد أوروبا يمكن أن ينكمش بنسبة تصل إلى 4.5 في المئة، وهي نسبة مماثلة لما حدث في الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

ويرى اقتصاديون في "يو.بي.إس" أن الركود الأوروبي يبدو أمراً لا مفر منه، والسؤال الآن يتعلق بمدى قوة الركود ومدة استمراره. وتوقع أن تكون إيطاليا - التي تعيش في حالة إغلاق كامل حالياً- وألمانيا ضمن الاقتصادات الأكثر تضرراً في أوروبا.

ويشير سيناريو الحالة الأساسية للبنك إلى استمرار عملية الإغلاق في أوروبا حتى منتصف مايو (أيار)، قبل أن يعقبه حالة من الانتعاش.

ويعتقد "يو.بي.إس" أنه رغم التحفيز الشديد من السياسة النقدية والمالية فإنه لا يمكن تجنب الآثار الجانبية السلبية للأزمة، حيث سترتفع البطالة وحالات الإفلاس خلال الأسابيع المقبلة مما يضغط على استهلاك الأسر والاستثمار الثابت حتى بعد انتهاء الإغلاق.

في السياق ذاته، توقع صندوق النقد الدولي أن ركود الاقتصاد العالمي هذا العام قد يكون أسوأ مما كان عليه خلال الأزمة المالية العالمية نتيجة لفيروس كورونا.

وقالت مديرة صندوق النقد، كريستالينا جورجيفا، إن الاقتصاديين في صندوق النقد يتوقعون أن ركود الاقتصاد العالمي بالنسبة إلى عام 2020 في الأقل سيكون سيئاً كما كان أثناء الأزمة المالية العالمية أو ربما أسوأ.

وتابعت "نتوقع التعافي في عام 2021، وللوصول إلى ذلك، من الأهمية بمكان إعطاء الأولوية لاحتواء وتعزيز النظم الصحية في كل مكان".

وأوضحت أن التأثير الاقتصادي سيكون حاداً، لكن كلما توقف الفيروس بشكل أسرع، كان التعافي أسرع وأقوى، لافتة إلى أن 80 دولة طلبت مساعدة طارئة من صندوق النقد لمواجهة الفيروس، مضيفةً "سنعمل على زيادة التمويل الطارئ بشكل مكثف".

وأضافت "نحن ندعم بقوة الإجراءات المالية غير العادية التي اتخذها العديد من البلدان بالفعل لتعزيز النظم الصحية وحماية العمال والشركات المتضررة، ونرحب بتحركات البنوك المركزية الرئيسة لتيسير السياسة النقدية، وستكون هناك حاجة إلى المزيد، بخاصة على الصعيد المالي".

وأوضحت مديرة صندوق النقد أن الاقتصادات المتقدمة عموماً في وضع أفضل للاستجابة للأزمة، لكن العديد من الأسواق الناشئة والبلدان منخفضة الدخل يواجه تحديات كبيرة، كونها تتأثر بشدة بتدفقات رأس المال الخارجة. حيث قام المستثمرون بالفعل بسحب 83 مليار دولار من الأسواق الناشئة منذ بداية الأزمة، وهو أكبر تدفق نقدي تم تسجيله على الإطلاق.

ورحبت مديرة صندوق النقد بالخطوات المالية والنقدية المتخذة حتى الآن، لكنها قالت إن هناك حاجة إلى المزيد، ولا سيما على الصعيد المالي. وأكدت أن "التكلفة البشرية لجائحة فيروس كورونا غير قابلة للقياس بالفعل، وعلى كل الدول العمل معا لحماية الناس والحدّ من الأضرار الاقتصادية".

التأثير أعنف من تداعيات الأزمة المالية في 2008

في مذكرة حديثة لعملائه، توقع بنك "غولدمان ساكس"، انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على مستوى العالم نحو واحد في المئة في عام 2020، وهو تراجع اقتصادي أكبر مما حدث في العام التالي للأزمة المالية العالمية في 2008.

وأوضح أن "أزمة كورونا، أو بالأحرى سبل مواجهة هذه الأزمة، تضع قيوداً مادية (وليست مالية) على النشاط الاقتصادي بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ ما بعد الحرب".

ويتوقع البنك الاستثمار الأميركي انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الاقتصادات المتقدمة بشدة خلال الربع الثاني من العام الحالي، بما في ذلك تراجع نسبته 24 في المئة في الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يفوق التراجع القياسي الذي سجلته البلاد بعد الحرب بمرتين ونصف المرة.