Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كورونا"... وغريزة البقاء

يبرز الخوف في درجات معتدلة كعامل صحي

القضية الاجتماعية الكبرى هي كيف للمرء أن يحافظ على مسألة التعاطف مع الغير (غيتي)

فيروس طارئ أصاب إحدى المدن بشكل مفاجئ، انتشر سريعاً وفي كل مكان، تدخلت الجهات الرسمية للسيطرة عليه، لكن تفشى ومعه موجة من الذعر والهلع، وبقراءة معمقة نجد غريزة البقاء كامنة ما بين السطور.

اتخذ هذا الفيروس مَنحىً مغايراً لما اعتدناه سابقاً في استهدافات نظرائه، وضرب رأس الهرم في كل مكان وُجد فيه، فالفيروس المكلل بالتيجان لا يعترف بالفوارق الطبقية الاجتماعية والعرقية والعقائدية، لا تهزه أقوى الاختراعات التكنولوجية، ولا يعنيه أين تعيش وكيف تعيش ومن هم حلفاؤك، فهو يدخل كل مكان وينتشر بسرعة مخيفة ويقول لك "لا تثق حتى بيديك، لا تضعهما على وجهك لا تلمس عينيك، ارفعهما عالياً، فأنت مهدد الآن".
 
الخوف وغريزة البقاء
تعيش غالبية البشر في المجتمعات الحالية، بما فيها المتحضرة منها، حالة من الخوف البدائي والقلق الاجتماعي العام حول مصيرهم، فيعيش معظمهم في مستويات متدنية من الوعي، حيث تُفسر السلوكيات الأنانية على أنها شرط للنجاة.
سيدفعك الخوف إلى الوسواس القهري، ويقودك لكثير من السلوكيات المتوترة مدفوعاً بالوعي الجمعي الذي يسير بك إلى محاكاة أنماط سلوكية معينة، واتخاذ قرارات سريعة وخطيرة بناءً على مجموعة كبيرة من المعلومات الواردة وبعيداً من مدى فهمك الواعي لما يجري حقاً، فبحركة غير متوقعة، في ظل الحضارة والمدنية، عزز الخوف غريزة البقاء والميل لتخزين الطعام أولاً وقبل أي شيء.
 
اللامبالاة والاستهتار
 
إذا ما تفحصنا أحوال العالم سندرك سريعاً أن سكان بعض القارات بالكاد يجدون قوت يومهم، حيث الاضطهاد والأمراض والمجاعات والعوز في الموارد، لذلك يعيش كثير منهم على مستوى اللامبالاة، مستسلمين لا يبدون أي رد فعل إزاء أي جديد طارئ ولا يستجيبون لأي مستجد، ما عاد يصدمهم ولا يؤثر فيهم شيء، تعزلهم قلة الوعي والمعرفة عن التفكير الذي يفترض أن يؤدي بهم إلى التوتر الفكري والهلع السلوكي.
من ناحية أخرى، ينطلق قسم آخر من أفكار بدائية لا تؤمن بضرورة الحجر الصحي أو الالتزام بالتدابير الوقائية، فهي تقييد لحرية الحركة والحياة، والبعض الآخر بقي مطمئناً مدفوعاً بأيديولوجيات واعتقادات دينية، بعيدة من "أعقلها وتوكل"، هو توكل فعلاً لكن نسي أن يعقلها أولاً، وفاته الأخذ بالأسباب لدفع الضرر.
 
الوعي والتوازن
 
البشر هشّون سريعو التأثر والانقياد، والهلع يكبح العقل، وحين تبحث عن مساعدة يتلقفك الإعلام الذي يلعب على وتر خوفك مدفوعاً بغايات تسويقية، فالشعور بعدم الأمان هو المحرك الرئيسي للسوق، حالما يستحوذ الخوف الأعمى على المرء فإنه يتغذى على كل الأحداث من حوله، وما إن يتجاوز حده الطبيعي فأنه سيتجسد في كل شيء.
 
لكن ما بين الهلع واللامبالاة، يبرز الخوف في درجات معتدلة كعامل صحي، بخاصة عندما يصبح العالم خطراً ومليئاً بالتهديدات والأفخاخ، فالخوف هنا يعد دافعاً ومحركاً لحياة كثير من الناس، ويدفعهم لأخذ الأمور المستجدة بجدية ومتابعة تطوراتها حتى يُكشف النقاب عن تفاصيلها، وهذا كله ضمن سلوك حذر متزن يتسم بتحكيم العقل والالتزام الجيد والمتابعة الصحية.
 
القوة أم الإكراه
 
ولأن المجتمعات تفتقر للأرضية الواقعية لإجراء حلول فعالة لما تواجهه من مشكلات طارئة، فإنها تتقهقر ليعود الإجبار سيد الموقف في كل ما يجسده من قوانين وقرارات.
وفي الأزمات كظهور الجوائح (انتشار الأوبئة) مثلاً، تُتخذ تدابير طوارئ بالسرعة القصوى لحماية البشر من تفشي القادم بينها، وهنا يعول على الروح الشعبية وحس المسؤولية والترفع عن الاعتبارات الشخصية للسيطرة على الوباء، وأن يتفهم الناس قبل كل شيء أن هذه العزلة "الإجبارية" المؤقتة التي وضعوا فيها، إنما تمثل روح التعاون والتعاضد مع بقية أفراد المجتمع، بالتالي منع حدوث حالات عدوى متسلسلة.
وعلى الرغم من ذلك تعد هذه الإجراءات الإجبارية التي تتخذ لحظة وصول الخطر حلاً تجريبياً باهظ التكاليف إذا ما قارناه بمنهج الاستثمار المسبق باستخدام القوة، قوة الوعي والتقدم المعرفي والخطط المستقبلية الأساسية منها والاحتياطية.
 
معضلة الأخلاق
 
"أخلاقهم مجرد كذبة ستنكشف عند ظهور أول مشكلة، المتحضرون جيدون لأن العالم يسمح لهم بذلك، البشر المتحضرون سيأكلون بعضهم عندما يتدهور الوضع"، هذا الاقتباس من فيلم "The   Dark Knight"  كان يبدو للوهلة الأولى وكأنه مبالغ به بعض الشيء، ولكن ما صورته عدسات الكاميرات خلال أزمة كورونا أظهر بشكل فعلي -بشكل لا يقبل الشك- استعداد البشر لأكل بعضهم في حال تدهور الوضع أكثر.
 
فالقضية الاجتماعية الكبرى هي كيف للمرء أن يحافظ على مسألة التعاطف مع الغير والاكتراث لأمره في ظل الأوضاع المتدهورة، وهنا غالباً ما تتصدر الأخلاق الواجهة، ويبدأ الجدل الأزلي الأبدي في لحظات الخطر، هل يجب عليّ أن أظل ملتزماً بمبادئ أخلاقية أم أن الصراع الغريزي لأجل البقاء يحتم عليّ تفعيل أنانيتي، وبين أنا والآخر، وهنا في حالة كورونا - بين أنا والمجموع-، كان علينا أن نعي مباشرة أن نجاة الفرد مرهون بصحة البشرية جمعاء.
 
بدائيون بهيئة حضارية
 
الفيروسات مستمرة في عملية "التطوير الذاتي"، فماذا عنا نحن البشر؟ هل أجسادنا مهيئة مناعياً لمواجهة أي مهدد فيروسي؟ هل كنا بحاجة لهذا الفيروس أصلاً لنصبح أكثر تنظيماً وحرصاً واستعداداً جسدياً وفكرياً.
 
لقد كشف هذا الفيروس هشاشتنا وجهلنا، والأهم أنه كشف ضعف استعداداتنا المناعية، ووضعنا وجهاً لوجه أمام أنفسنا. ففي مواجهة الحروب الفيروسية، الطبيعية منها أم المُتعمدة، نحن بحاجة للوعي والتوسع المعرفي في ما يخص التطورات العلمية، وإلا سيقودنا الجهل إلى التشوش الفكري والسقوط المعنوي وبالتالي الفوضى والفناء.
 
والآن، انتبه ثمة كائنات دقيقة تتطور باستمرار وباتت سرعة تطورها أعلى قياساً بالمستوى الذي وصلت إليه، والأكثر استعداداً... سينجو في النهاية.