Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدولة والتونسيون... سباق في حب التبرع لمواجهة كورونا

في كل محنة اقتصادية أو طبيعية أو وبائية تستنجد السلطة بالمواطنين

مع تفشي فيروس كورونا استحدثت وزارة المالية التونسية صندوقاً لمقاومة الوباء والحدّ من تداعياته (أ.ف.ب)

كلّما واجهت تونس محنة اقتصادية أو طبيعية أو وبائية، تستنجد الدولة بالمواطنين بفتح صناديق وحسابات ماليّة للتبرّع.

الرئيس السابق زين العابدين بن علي أنشأ الصندوق الوطني للتضامن (26-26)، والرئيس الحالي قيس سعيد دعا التونسيين، لدى أدائه اليمين الدستورية في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، إلى التبرّع بيوم عمل خلال خمس سنوات "كي تفيض خزائن الدولة وتتخلّص من الديون والقروض" وخروج تونس من أزمة الديون الخارجية.

وسبق لتونس أن فتحت صندوقاً خاصاً بجمع التبرّعات من أجل مواجهة آثار الفيضانات التي ضربت محافظة نابل (شمال شرقي تونس) في سبتمبر (أيلول) 2018، كما أحدثت تونس في أواخر 2015 صندوقاً لمقاومة الإرهاب الذي استهدف قوات الأمن والجيش التونسيين.

ومع تفشي فيروس كورونا في البلاد، استحدثت وزارة المالية صندوقاً لمقاومة الوباء والحدّ من تداعياته الاقتصادية والاجتماعية. وقرّر الاتحاد العام التونسي للشغل التبرع للصندوق بيوم عمل مساهم من الأجراء في مجهود الدولة ودعماً للمستشفيات العمومية للوقاية من هذا الفيروس. وأعلن الاتحاد مساهمته في الصندوق بمئة ألف دينار من ميزانيته الخاصة. وتبرع للصندوق عدد من المؤسسات الاقتصادية والشخصيات الوطنية.

جولة في التاريخ

فإلى أي مدى تُعتبر قيمة التبرع متأصّلة لدى التونسيين، وهل يُقبل التونسيون على تعزيز جهود الدولة في مواجهة المحن التي تتعرّض لها؟ ولماذا تتجه الدولة التونسية في كل محنة إلى خيار جمع التبرعات بدلاً من وضع استراتيجيات مدروسة لمواجهة الكوارث؟

يتحدّث المؤرخ عبد الستار عمامو، إلى "اندبندنت عربية"، عن تأصّل قيمة التبرع لدى التونسيات والتونسيين عبر التاريخ، مذكّراً بعدد من "الأحداث التي تعكس رسوخ قيمة التبرّع عند التونسي، من ذلك تكفل البعض في عهد الاستعمار بمصاريف دراسة عدد من الطلبة التونسيين في فرنسا، ومن بينهم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة".

وفي العهد الروماني، في تونس، كان الأعيان يشيّدون المسارح والقصور كمسرح الجم ومسرح قرطاج ويتبرعون بها للدولة مقابل الوجاهة السياسية، ومساهمة منهم في تجميل مدينتهم.

وخلال المراحل الإسلامية، ازدهرت ظاهرة المدارس القرآنية التي في معظمها حتى اليوم يشيّدها تونسيون على حسابهم.

عزيزة عثمانة رمز الإحسان

وتحفظ الذاكرة الشعبية حتى اليوم مآثر التونسية عزيزة عثمانة (ولدت في النصف الأول من القرن السابع عشر وتوفيت سنة 1669، ويحمل اسمها مستشفى كبير في العاصمة) التي قدّمت للدولة التونسية وللفقراء وعابري السبيل تبرّعات ومساعدات.

وفي عهد الاستعمار بنى أشخاص تونسيون مدارس لخدمة طلبة العلم، وآخر مدرسة تم تشييدها سنة 1936 هي الحمزية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستحضر عمامو حرب القراملة، حين لجأ باي تونس وقتها (أحمد باي) إلى جواهر شقيقته كلثوم لأنّ البلاد تمر بأزمة اقتصادية لمساعدة الجيش التونسي وتجهيزه لمساعدة السلطة العثمانية.

ويؤكد عمامو أن الخلل قائم اليوم في تسيير دواليب الدولة في ظل غياب رؤية للمستقبل، على الرغم من أن التراث الشعبي التونسي غنيّ بالعبر والحِكم حيث يعوّلُ التونسيون والتونسيات على تخزين الذهب لوقت الحاجة. وقديماً كانت المرأة التونسية تتزين بالذهب لفترة سنة ثم تبيع نصفه لتستثمره في الفلاحة (الزيتون) من أجل دراسة أبنائها وإعدادهم للحياة المهنية.

إدارة الفشل في كل الأزمات

يتفق أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية منصف شيخ روحه مع ما ذهب إليه عمامو، مؤكداً في حديث مع "اندبندنت عربية" ضعف السياسات العمومية للدولة التونسية، خصوصاً بعد الثورة، وعدم استعدادها لمواجهة الكوارث والأزمات.

ويحذّر شيخ روحه من استمرار الصراعات الحزبية الضيقة على حساب مؤسسات الدولة والمصلحة العليا للبلاد، بينما يهبّ التونسيون في كلّ مرة للتبرع وتقديم المساعدة، إلا أن الإدارة التونسية تثبت في كل مرّة فشلها في مواجهة ما يخفيه المستقبل.

وينوّه شيخ روحه بما قامت به الإدارة التونسية خلال الأحداث التي رافقت هروب الرئيس السابق زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011، إذ استمر المرفق العام بشكل عادي، بينما تفتقد الإدارة التونسية اليوم لأدنى مقومات التخطيط الاستراتيجي، لذلك تلجأ إلى الحلول السهلة، وهي جمع التبرعات من المواطنين ورجال الأعمال والمؤسسات من دون أن تسأل عن دورها الأساسي وهو تأمين الخدمة العامّة في الظروف العادية وحتى الاستثنائية.

المزيد من تقارير