كورونا... عولمة الخوف والخسائر والتخلي عن "فن الحياة"

يواجه العالم عدواً لا يعرفه ولا يراه ولا يعرف من أين يأتيه

عمال في المقر الجديد للمعرض الدولي في بكين يرتدون ملابس واقية من وباء "كورونا" (أ. ف. ب.)

من الأمثال أن "الكذبة تقطع نصف الكرة الأرضية قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها". وفي الواقع أن فيروساً ظهر في ووهان الصينية وقتل الدكتور لي وينليانغ الذي اكتشفه فأجبرته السلطة المحلية على التكتم، ثم قطع الكرة الأرضية كلها قبل أن يستعد العالم للمواجهة. التجربة دفعت الدكتور وينليانغ إلى التحذير بقوله إن "مجتمعاً صحياً يجب ألا يكون له صوت واحد". والكارثة الكونية جعلت المسؤولين في الاتحاد الأوروبي يطالبون بأوسع تعاون بدل العمل الانفرادي. فليس في تاريخ البشرية وباء فعل ما يفعله وباء كورونا، لا الكوليرا، لا الأنفلونزا الإسبانية، ولا الطاعون وما تسميه العامة الهواء الأصفر. صحيح أن ضحايا كورونا لا تزال بالآلاف، وضحايا الأوبئة والحروب بمئات الملايين. لكن الصحيح أيضاً أن تلك الأوبئة لم تنتشر في العالم كله، وأن الحروب، وأهمها الحربان العالميتان، لم تقطع السفر والتواصل بين البلدان والقارات. أما وباء كورونا، فإنه وصل إلى كل مكان وقطع التواصل في العالم. وهو عملياً فعل أمرين متعاكسين: من جهة طبّق العولمة بالكامل، وإن كانت عولمة الخوف. ومن جهة أخرى، جعل العزل أمراً واقعاً بين القارات ثم بين البلدان ثم داخل كل بلد، من دون أن تنتج تجربة العزل ما انتجته تجربة إديسون، إذ يروي إدموند موريس في كتابه "إديسون"، أن المخترع العظيم قال "لم أسمع صوت عصفور منذ كنت في الحادية عشرة، لكن الصمم أبعدني عن ضجيج العالم للتركيز على ما أريد اختراعه".

ذلك أن وباء كورونا أجبر العالم على التخلي موقتاً عن "فن الحياة"، لا مسارح، لا مباريات رياضية، لا ندوات ثقافية، لا مطاعم، لا مقاهٍ، لا صلوات، ولا حتى تبادل السلام بالأيدي أو التقبيل. فالعالم يواجه عدواً لا يعرفه، ولا يراه، ولا يعرف من أين يأتيه. وكل التطورات في العلم والتكنولوجيا والأجهزة الكاشفة عجزت عن التغلب على جرثومة من حشرة صغيرة. فالطبيعة ليست فقط أقوى منا حين تضربنا بالزلازل وسواها بل أيضاً أذكى منا. وهذا ما يختصره العالم الفيزيائي فريمان دايسون في جامعة برنستون بالقول، إن "الطبيعة لديها دائماً مخيّلة أكثر مما لدينا، وجمال العلم هو أن كل الأشياء المهمة لا يمكن التنبؤ بها". وقبل قرون في العالم العربي، قال النّفري إن "العلم المستقر هو الجهل المستقر". وما أن يكتشف العلماء الذين يعملون اليوم في المختبرات لقاحاً لما صار اسمه "كوفيد 19" حتى يطوّر الفيروس نفسه ضد اللقاح، بحيث نحتاج إلى آخر جديد بعد محنة أخرى .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وليس خارج المألوف ألا تكون الحكومات في البلدان الفقيرة وحتى في الغنية جاهزة تماماً للمواجهة والمعالجة في مستشفيات تملك الأجهزة والكادر الطبي. فالصين نفسها صنعت أعجوبة عبر بناء مستشفيين خلال أسبوعين لمعالجة كورونا. وليس غريباً، وإن كان مستغرباً، أن يكون هناك مَن يعمد إلى التفسير الغيبي والخرافي للأوبئة والكوارث. ولا خارج التوقعات أن يتم تسييس الوباء عبر اتهامات إيرانية وحتى صينية لأميركا بصنع الوباء في مختبراتها لضرب الصين وإيران. وعبر تحميل الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوروبا والصين المسؤولية عن التكتم والتضامن. وعبر اللوم الأوروبي لترمب على تجاهل التضامن مع أوروبا كما هي تضامنت مع الولايات المتحدة بعد تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
وفي أوروبا هناك مَن يقول إن كورونا "هدية للشعبوية اليمينية المتطرفة" المعادية للعولمة والهجرة، التي تتجاوز في عنصريتها "الإسلاموفوبيا".
وإذا كانت الطبيعة والأوبئة أقوى منا، فإن ما لا يموت مهما تطورت الأفكار والمجتمعات والأيديولوجيات هو العصبيات.
وفي هذا الباب، يرى البروفسور في جامعة هارڤارد إدوار ويلسون أن "المشكلة الحقيقية للانسانية هي أن لدينا انفعالات العصر الحجري ومؤسسات القرون الوسطى إلى جانب سوبر تكنولوجيا". فما اعترف الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بأنه صدمه خلال ثماني سنوات في البيت الأبيض كأول رئيس من أصول أفريقية، هو أن العنصرية ضد السود لم تختفِ، في دولة عظمى تكنولوجياً وعلمياً واقتصادياً وعسكرياً مثل أميركا. وما انتهى إليه تراث غاندي ونهرو وطاغور الوحدوي في الهند، هو ارتفاع العصبية الهندوسية على يد رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إذ خلال خمس سنوات من حكم حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي الهندي، كما يقول أمارتياسن الحائز على جائزة نوبل، "صارت الهند منقسمة أكثر عبر خطوط دينية جاعلة حياة الأقليات، خصوصاً الإسلامية، أكثر قلقاً". وما كان لدى خليفة أبو بكر البغدادي (زعيم داعش السابق) الملقب "أبو إبراهيم الهاشمي القرشي" سوى الوعد والوعيد بالمزيد من الذبح والتكفير و"قتال كل الطوائف من النصارى والروافض والمرتدين المشركين المنتسبين زوراً إلى أهل السنة والجماعة". ولم تكن الأصولية التي أطلقتها جمهورية الملالي في إيران أقل تزمتاً .
وكل هذا شيء، وما فعله وباء كورونا بالاقتصاد شيء آخر. فلا حدود للخسائر الاقتصادية بعشرات تريليونات الدولارات في كل القطاعات وكل البلدان. ولا أحد يعرف متى تعود الحياة إلى طبيعتها، لكن الواضح أن "الأقلمة" صارت أقوى في مواجهة "العولمة". والعزاء في الكوارث هو تبلور التعاطف الانساني متجاوزاً الخلافات.

المزيد من آراء