هل سقطت ثقافة "الحدود المفتوحة" أمام اختبار كورونا؟

سارعت دول الاتحاد الأوروبي إلى إغلاق حدودها في وجه بعضها البعض بمجرد تفشي الفيروس

شكّل كيان الاتحاد الأوروبي نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه العالم في عصر العولمة (أ.ف.ب)

ظلّ العالم الجديد الذي ولد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، يقدّم نفسه على أنه نموذج لمرحلة جديدة في تاريخ العلاقات الدولية، مرحلة يسير فيها العالم بخطوات متسارعة نحو حدود مفتوحة، سواء على صعيد أقاليم محددة، أو حتى على الصعيد الدولي.

إلا أن هذا النموذج الذي صمد أمام الإرهاب والأزمات الاقتصادية وموجات الهجرة غير الشرعية، إضافةً إلى مقاومة الدول الممانعة للعولمة، بدأ يتنازل عن مكاسبه التي حققها في العقود الماضية.

فعلى شكل إجراءات وقائية للحدّ من اتساع رقعة فيروس كورونا، وجدت الأنظمة أن الخطوة الأولى في الحل هي إغلاق الحدود في وجه بعضها البعض، وشلّ حركة المواصلات البرية والبحرية والجوية لمنع تنقل الفيروس على شكل "سائح"، وتعقيد عمليات الشحن البحري عن طريق فرض أنظمة جديدة على الناقلات التجارية وإجراءات فحص معقدة بعد أن كانت الدول الرأسمالية تتباهى بمرونة عمليات الشحن والتصدير.

ورغم أن النموذج العالمي "المعولم" لم يكن نموذجاً توافقياً، وتعرض لضغوط كبيرة نتج عنها تشديد قواعد الهجرة، ووضع حواجز جديدة أمام التجارة والاستثمار، وتقصير سلاسل التوريد، وغيرها من العوائق التي حدت من سرعة تطور النموذج، إلا أنه لم يسبق أن عومل بالعدائية الحالية، كمتهم رئيس في تصدير أزمة إلى كل دول العالم.

وتضع هذه الإجراءات العالم أمام تساؤل، حول مدى واقعية النموذج العالمي ذي الحدود المفتوحة وقيود التنقل في الأقل، ومدى ملائمته وقدرته على مواجهة الأزمات الكبرى، بعد أن نجح في تحقيق مكتسبات حقيقية لا يمكن تجاهلها في فترات أقل توتراً، وأكثر هدوءاً وازدهاراً.

الدول الأوروبية تدير ظهرها للاتحاد
شكّل كيان الاتحاد الأوروبي نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه العالم في عصر العولمة، من حدود مفتوحة بالكامل، وإجراءات نقل بضائع أسهل، ولا قرارات أحادية في ظل القرار المشترك.

اختبر هذا النموذج في تحديات عدة، إذ أسهم في مساعدة دول كانت تعاني اقتصادياً من التعافي، ولعب دوراً مهماً في مكافحة الإرهاب الدولي بتنسيق الجهود الأمنية بين دول الاتحاد، وأمانة الاتحاد مع دول العالم، وآخر الاختبارات كان مواجهة موجات الهجرة غير الشرعية وتنسيق الجهود في التصدي لها وتوزيع الأعباء على دوله.

إلا أن هذا الاختبار ليس كسابقه، إذ أقدم معظم دول الاتحاد على إغلاق الحدود، وإلغاء رحلات السفر إلى دول كثير، من ضمنها دول الاتحاد نفسه، ويعلق هيثم لنجاوي، أستاذ العولمة في جامعة الملك عبد العزيز لـ"اندبندنت عربية"، على الأمر قائلاً "العولمة بمفهومها الشامل الذي وضع في 1992، والذي يضمن انتقال البضائع ورأس المال والبشر بين الدول من دون حدود تذكر، يتعرض للتعثر اليوم، إذ غاب عن حسبان من تبنوه كيفية التعامل مع ظروف كهذه، فالنقطة العمياء في الدولة العالمية التي تلغي الحدود مع الدول الأخرى، هي أنها لا تجيد التعامل مع الأخطار المتعدية"، عكس ما يحدث في الدول القومية القادرة على فرض قوانينها.

ويرى لنجاوي أن ما يحصل اليوم سيعيد صياغة نموذج العولمة بالنسبة إلى الدول التي تبنته بشكل كامل "لم يسبق لي أن شاهدت العالم يتعامل بهذه الطريقة ضد بعضه البعض، رغم كل الأزمات التي مرت على النظام العالمي خلال العقود الماضية، لذلك يمكنني وفق نتائج الظروف الحالية أن نقسّم العالم إلى مرحلتين، مرحلة تمتد من ظهور العولمة في 1992 إلى لحظة ظهور كورونا في 2020، ومرحلة أخرى تلي هذا التاريخ تخضع فيها العولمة لقوانين الدول القطرية وليس العكس".

في حين يرفض الباحث رشيد خيون، اعتبار ما يحدث فشلاً لفكرة الحدود المفتوحة، بوصف ما يحدث إجراءات وقائية مؤقتة "الأوبئة ليست ظاهرة حديثة، فهي تفتك بالبشر منذ قرون، إلا أن حركة السفر والتنقل بين مناطق العالم كانت محدودة، وهو ما كان يجعل فرص تحول الأمراض لأوبئة عالمية محدودة، عكس ما يحدث اليوم في عصر العولمة التي تتطلب حدود مفتوحة".

ويضيف "لكن لا يعني هذا أن العولمة، عند الطوارئ مثل وجود الوباء، ستبقى فاعلة في فتح الحدود، فهي قابلة لأن تتخذ إجراءات مؤقتة يصعب التعبير عنها بأنها فشل للعولمة، فتسرب الوباء عبر الحدود طال الدول المفتوحة والدول المغلقة على حدٍ سواء"، إذ يرى أن ما يحدث إجراء طبيعي تمارسه الدول عادةً ضمن أشكال ممارسة سيادتها، لكن بأوجه أخرى "فحتى في ظل العولمة ظلت حدود الدول السياسية مرسومة، تفتح وتغلق، وتسيطر كل دولة مثلاً على شبكة الإنترنت الخاصة بها كشكل من أشكال ممارسة السيادة، رغم أن الإنترنت أحد أبرز مظاهر العولمة".

الصين تعيد الاعتبار للدولة القومية
بعد أن أعلنت الصين الأسبوع الماضي انتصاراً مبدئياً على الوباء في بؤرة تفشيه، إثر قيام الرئيس الصيني بزيارة مدينة ووهان، واحتفل بنزع الكمامات مع الطاقم الطبي، علاوةً عن إعلان الصين الوصول لمصل مبدئي أثبت نجاحه على بعض الحالات، في الوقت الذي يتقهقر باقي العالم الجديد أمام ناقلي الفيروس بين دوله، يطرح ذلك تساؤلاً حول ما إذا كان نموذج الدولة التقليدية ذات السيادة الكلية كان ناجحاً في فرض سياسات السيطرة على الوباء.

ويعلق لنجاوي على تجربة الصين "من الدول القليلة على مستوى العالم التي لم تتحول للنموذج المعولم بشكل كامل، وإن كانت حققت تحولاً جزئياً على الصعيد الاقتصادي، لولا إيمانها بمفهوم الدولة القومية وسيادة الدولة بشكل كامل على ذاتها وقوانينها وإجراءاتها لما نجحت في استيعاب الفيروس، لأن نموذج الدولة العالمية يحدّ من قدرة الدولة القطرية على فرض تشريعاتها بشكل كامل أمام قيم دولية، وإذا ما نجحت الصين فعلاً في لعب دور رئيس في احتواء الفيروس عالمياً ستكون بذلك قد فرضت نفسها كقوة عظمى وفق نموذجها".

ويضيف "إذا ما استمرت الصين فعلاً في تحقيق نجاح في استيعاب الجائحة، ستكون بذلك قد أثبتت نجاح الدولة القومية ذات السيادة، أمام الدولة العالمية"، وهو ما سيدفع العالم لإعادة النظر في فكرة فتح الحدود في ظل الازدياد الهائل في حجم المسافرين بين الدول عكس فترات سابقة، بحسب لنجاوي.

نموذج "دول الممانعة"
منذ أن اخترقت إيران "سوريا ولبنان والعراق"، وجدت نفسها أمام حدود مفتوحة بمساعدة حلفائها.

إذ تملك ما تعرف بـ"دول الممانعة" خطاً مفتوحة يصل طهران بالبحر الأبيض المتوسط، وأبدت اهتماما كثيرا للحفاظ عليه رغم المعارضة لمشروعها التوسعي.

وعلى الرغم من تعرض هذا النموذج للانتقادات المتزايدة من مواطني الدول العربية المنضوية تحته، عن جدوى إبقاء الحدود مفتوحة كل هذه الفترة مع دولة تصنف كإحدى أخطر بؤر التفشي على مستوى العالم، فإنه صمد فترة طويلة رغم التحديات.

ويعلق نبيل بومنصف، نائب رئيس تحرير صحيفة النهار اللبنانية لـ"اندبندنت عربية" عن وضع هذه التكتل في ظل الأزمة الراهنة، قائلاً "عززت الحالة الحالية يقيني حيال شكل الدولة التي يجب أن تكون عليها لبنان وما يسمى بدول الممانعة في علاقتها بإيران، إذ تجلت فكرة الدولة التقليدية كاملة السيادة والاستقلال كنموذج للحل، في حين تسبب تذويب الحدود بهذا الشكل في نشر الفيروس، فضلاً عن تسببه من قبل في إسقاط التنوع والديموقراطية والتطور الإنساني، رغم مقاومة مكوناته لهذا التذويب القسري فيما يشبه الاحتلال المقنع".

ويضيف "فتح الحدود بهذه الطريقة لم يُستثمر في خدمة الحاجات الإنسانية لدوله، بل في توسع إقليمي لدولة كبيرة، تسبب في تفشي الفيروس في ظل إخفاقات متبادلة وتهاوي في البنى الصحية والاجتماعية، حتى يخال لنا أن لبنان بكل البؤس الذي هو عليه بقي أفضل من بقية الدول المحورية في التكتل، في مكافحته للأزمة الوبائية"، داعياً إلى إعادة نظر شاملة في إيجابيات وسلبيات الانفتاح العالمي، وليس فقط في النموذج الإقليمي الذي سقط بضربة شرسة أمام الفيروس بطريقة دراماتيكية، بحسب بومنصف.

وعليه، يمكن إغلاق الفكرة، حول ما إذا كانت فكرة العولمة ونموذج الانفتاح هو نموذج متكامل، لديه أدواته القادرة على التكيف مع الظروف، أم أنها زهرة غير قادرة على التمسك بتربتها أثناء العواصف، من دون اتهام مناوئيها بالشعبوية واستثارة النعرة القومية.

المزيد من تحلیل