Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التراث المغمور بالمياه بوابة الجزائريين لاستكشاف الحضارات القديمة

أصبح الاتجار بالقطع الأثرية التي يعثر عليها أمراً شائعاً ونشاطاً مدراً لأرباح كبيرة

التراث المغمور بالمياه كنوز تاريخية تنتظر الاستكشاف في الجزائر (مواقع التواصل)

ملخص

نقص الإمكانات المادية والوسائل التقنية اللازمة ونقص الخبرة في التعامل مع مكونات التراث المغمور بالمياه، عوامل عطلت مسار معالجة عناصر هذا التراث بصورة كبيرة

تخفي سواحل الجزائر على امتداد 1600 كيلومتر كنوزاً تاريخية وثقافية لا تزال تنتظر الاستكشاف من طرف الباحثين، فيما تقف السلطات أمام تحديات كبيرة لحماية هذا التراث المغمور بالمياه من أخطار عدة على رأسها العوامل الطبيعية ولصوص الآثار.

ويشير مصطلح "التراث الثقافي المغمور بالمياه" إلى المواقع التاريخية والثقافية المحفوظة تحت سطح الماء، حيث يشمل هذا التنوع بقايا حضارات عريقة من حطام السفن القديمة إلى مدن غارقة، مما يجعله بوابة لفهم ماضي البلاد بصورة فضلى، باعتبار هذا التراث شاهداً على التاريخ والثقافة والحضارات التي عاشتها الجزائر مثل الفينيقيين والرومان والعرب والأمازيغ.

أول الاكتشافات

وبحسب الموقع الرسمي لوزارة الثقافة الجزائرية، فإن أعماق الواجهة البحرية لمدينة شرشال (غرب الجزائر العاصمة) شهدت أول الاكتشافات للتراث المغمور بالمياه خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية، حين تم العثور على سفينة تعود إلى الفترة القديمة، مصنوعة من الخشب الماهوجني وجدت عالقة في الوحل عند مدخل ميناء شرشال الروماني، وبداخلها نحو 20 أمفورة وجرار كبيرة ذات صناعة عالية الجودة.

واكتشفت مدافع وحطام سفينة في عنابة خلال عام 1961، وفي 2005 اكتشفت قطع أثرية معدنية عدة وحمولة سفينة غارقة في تامنفوست (شرق الجزائر العاصمة)، كما أحصى المتحف الوطني البحري مدافع بمدينة شرشال، جزء منها تم انتشاله خلال عام 2008 وهي حالياً محفوظة بمتحف شرشال، كما عثر عام 2019 على 23 مدفعاً عند شاطئ الصخرة البيضاء في إطار إنجاز مشروع ميناء الحمدانية قرب مدينة شرشال.

ولأن الساحل الجزائري يضم ما لا يقل عن 60 ملجأ بحرياً سبق ذكرها في المصادر القديمة ومن قبل المؤلفين المعاصرين، اعتبرت الوزارة أنه يمكن اليوم تكرار مثل هذه الاكتشافات العملية، خصوصاً أنه أحصي إلى الآن 27 ميناءً قديماً، حددت مواقعها من خلال المسح الميداني.

وأشارت إلى أنه خلال فترة الوجود العثماني كانت مدينتا الجزائر وشرشال من بين أهم المراكز الستة لصناعة السفن، حين كانت كل واحدة منهما تنتج 500 سفينة حربية سنوياً كانت حاضرة في المعارك البحرية، من بينها هجوم شارلكان (قائد الحملة الإسبانية) على مدينة الجزائر عام 1541، الذي كلفه غرق نحو 200 سفينة إثر معركة شرسة ضد سكان مدينة الجزائر.

ويعود أصل التراث المغمور بالمياه، أيضاً، إلى النشاط التجاري المكثف الذي عرفه الساحل الجزائري على امتداد 1644 كيلومتراً، منذ العصور القديمة، مما سمح باكتشاف عدد مهم من البقايا الأثرية في البنية التحتية البحرية، وحطام السفن التجارية التاريخية، مما يفتح الباب أمام الأبحاث لاكتشاف تاريخ الشعوب التي استوطنت ضفاف البحر الأبيض المتوسط عبر فترات مختلفة.

وتواجه السلطات الثقافية الجزائرية صعوبات في الحفاظ على التراث المغمور بالمياه، بسبب نقص الكفاءات والتحكم في تقنيات الصيانة، واختلاف البيئات التي توجد فيها الآثار، والتي عادة ما تتعرض إلى أخطار طبيعية وبشرية.

وتتميز البيئة البحرية بقدرتها على الحفاظ على القطع الأثرية في حالة جيدة، خصوصاً تلك المصنوعة من مواد عضوية كأجسام السفن المصنوعة من الأخشاب. ولأن الآثار المغمورة بالمياه سريعة التلف عند اتصالها بالهواء، يجب أن تخضع للعناية اللازمة من أجل المحافظة عليها، وإلا كانت عرضة للتلف مثل المدافع التي انتشلت بمدينة شرشال، والتي تقلص وزنها بعد إخراجها من البحر مقارنة بوزنها الأصلي نتيجة تعرضها للأكسدة.

خريطة أثرية

وكشفت وزيرة الثقافة الجزائرية صورية مولوجي عن "عمل الوزارة على وضع خريطة أثرية للتراث المغمور بالمياه كأولوية وطنية وعملية استعجالية لاستكمال الخريطة الأثرية الوطنية الشاملة، ورسم خطة وطنية تنفيذية في مجال البحث وتحديد المؤشرات والنقاط المرجعية لتأطير الحماية والتثمين وفقاً لمبادئ ومرجعيات اتفاقية اليونسكو عام 2001، الخاصة بحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، عبر تطبيق مناهج البحث والاستكشاف الحديثة."

ويقول عضو المجلس الاستشاري والعلمي والتقني لـ"اليونسكو" توفيق حموم إن موضوع التراث الثقافي المغمور بالمياه في الجزائر لا يزال يلفه الغموض، بينما تستخدم دول أخرى تكنولوجيا حديثة في صيانة تراثها واستغلاله.

وأشار حموم في تصريحات صحافية إلى أن التراث المغمور بالمياه لا يقتصر فقط على الآثار الموجودة في البحر، بل حتى تلك الموجودة في البحيرات والأنهار والمناطق الرطبة التي تدخل في هذا الإطار، مؤكداً ضرورة حماية هذا التراث الذي أصبح أكثر عرضة للنهب والسرقة.

وخلال السنوات الأخيرة بدأ التراث المغمور بالمياه في الجزائر يتعرض لتهديدات بشرية متزايدة، إذ شهدت تقنيات الاستكشاف تقدماً سريعاً، وعملت على تسهيل عملية الوصول إلى قاع البحار واستغلالها، وغالباً ما تتعرض المواقع الأثرية المغمورة بالمياه لأعمال نهب وتخريب تؤدي في كثير من الأحيان إلى فقدان مواد علمية وثقافية ثمينة، كما أصبح الاتجار بالقطع الأثرية التي يعثر عليها أمراً شائعاً ونشاطاً مدراً لأرباح كبيرة.

وسائل حماية

ويرى الباحث الجزائري في علم الآثار يوسف بن سعيداني أن تأخر الجزائر في اكتشاف واستغلال التراث المغمور بالمياه يرجع بالدرجة الأولى إلى حداثة الموضوع، مع بدء تناوله في السنوات الأخيرة فقط.

وقال بن سعيداني في تصريح لـ"اندبندنت عربية" إن نقص الإمكانات المادية والوسائل التقنية اللازمة ونقص الخبرة في التعامل مع مكونات التراث المغمور بالمياه عوامل عطلت مسار معالجة عناصر هذا التراث بصورة كبيرة.

وبخصوص كيفية الحفاظ على التراث المغمور بالمياه، أشار المتحدث إلى توصيات اتفاقية "اليونسكو" لحماية التراث الأثري المغمور بالمياه، التي ضمن أحد بنودها أن حفظ التراث في موقعه الأصلي يعد أحسن وسيلة لحمايته، باستثناء بعض الحالات التي يجب فيها انتشال هذا التراث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار بن سعيداني إلى أن عملية حفظ التراث المغمور بالمياه غير مكلفة، إلا أنها دقيقة ومعقدة نظراً إلى حساسية المواد الأثرية التي تنتشل من المياه وتأثرها بالعوامل الطبيعية خارج الوسط المائي.

من جهته، يقول أستاذ علم الآثار في جامعة قالمة، محمد فوزي معلم، إن الاهتمام بالتراث الجزائري المغمور بالمياه بدأ منذ الفترة الاستعمارية واستمر الأمر بعد الاستقلال، إلا أن تركيز السلطات على أولويات تاريخية معينة حال دون تكثيف البحث حول الموضوع.

وأوضح معلم في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن من أسباب نقص الاهتمام بالتراث المغمور بالمياه تعود إلى قلة مراكز البحث المختصة في هذا النوع من الآثار، إذ لا توجد تخصصات كثيرة في الجامعات الجزائرية لتدريس علم الآثار مقارنة بباقي التخصصات.

وأضاف المتحدث بأن الباحث في التراث المغمور بالمياه يجب أن تتوفر فيه جملة من الشروط أهمها التكوين العلمي والمعرفة الجيدة في الغوص تحت الماء.

وأشار إلى أن تلك الآثار تحتوي على معلومات تاريخية مهمة لا توجد في الآثار على اليابسة، لأن مياه البحر لديها خاصية حفظ المواد من التلف بفعل عوامل الطبيعة في الخارج.

وذكر معلم أن هناك فريقاً يضم خمسة باحثين جزائريين يحاولون وضع اللبنة الأولى بالتنسيق مع أجانب لاستغلال الإمكانات التقنية التي توفرها السلطات المعنية لتطوير ميكانيزمات حديثة لاستكشاف مزيد من الآثار المغمورة بالمياه وتثمينها واستغلالها في الأبحاث العلمية والتاريخية.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات