Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استشاري العلاقات الأسرية بين القبول والرفض في المجتمع العربي

ظاهرة وليدة آخذه بالانتشار... والمصريون يتفاعلون معها بعدما اكتسبت المصداقية

استشاري العلاقات الأسرية فرصة النجاة الأخيرة أمام العلاقات الزوجية المضطربة  (أ.ف.ب)

في محاولة أخيرة لإنقاذ زواجها، دوّنت مروة الزوجة ذات الخامسة والثلاثين عاماً اسم استشاري العلاقات الأسرية، الذي شاهدته في إحدى الفقرات الرئيسة لواحد من البرامج الحوارية الشهيرة كأملٍ أخير قبل الوصول لمرحلة الانفصال، وبالفعل تواصلت مع مركز الإرشاد الأسري لتحديد موعد. وعلى الرغم من عدم اقتناع زوجها بهذه الأمور فإنه قرر مجاراتها في الأمر كفرصة أخيرة لن تجدي نفعا، بحسب تعبيره لكنها أيضاً لن تضر.

تقول مروة، "استشاري العلاقات الأسرية أنقذ زواجنا من الانهيار، وتغيرت حياتنا تماماً لأنه جعلنا ننظر إلى الأشياء بمنظور مختلف، وأرشدنا لكثير من الأمور التي كانت غائبة تماماً عنا، وكانت المصدر الرئيس للمشكلات ولسوء التفاهم الدائم بيننا الذي كاد أن يدفعنا إلى الطلاق".

تضيف، "أيقنت تماماً أن استشارة أهل العلم هي الأفضل، وأن تدخلات الأهل والأصدقاء تضر أكثر مما قد تفيد، لعدم وجود عنصر الحياد واقتنع زوجي بالأمر وأصبح متحمساً إلى الجلسات التي تابعناها لفترة بعدما وجد لها انعكاسا حقيقيا على حياتنا التي عادت لسابق عهدها".

 

 

استشاري العلاقات الأسرية، فكرة متعارف عليها في الغرب ومقبولة على كافة المستويات، إلا أنها لا تزال تتحسس خطاها في المجتمعات العربية لأسباب كثيرة، بعضها ثقافي وبعضها اجتماعي وكثير منها متعلق بالتوجس من تجربة أي شيء جديد. ورغم ظهور ما يعرف بمراكز الإرشاد الأسري في كثير من الدول العربية وظهور قبول لها عند البعض خاصة من الطبقات ذات المستوى الثقافي والاجتماعي المرتفع ومن الأجيال الشابة بصورة أكبر، فإنه لا يمكن القول أن الأمر أصبح مقبولاً بشكل كامل في الثقافة العربية.

ورغم تشكك الكثيرين في تحقيق هذه المراكز نتائج ملموسة في حياتهم وإرشادهم إلى تحسين علاقاتهم بالشريك أو الأبناء، فإن الأمر آخذ في الانتشار بشكل تدريجي، فهل تنجح مثل هذه المراكز في الحد من المشكلات الزوجية، وتقليل نسب الطلاق المرتفعة التي يعانيها العالم العربي؟

 لا يقف الإرشاد الأسري عند حدود العلاقة بين الأزواج، لكنه يمتد إلى العلاقة بين كل أفراد الأسرة، ومع هذا لا يزال هناك قطاع عريض من الناس في المجتمع العربي متحفظاً وغير مشجع للفكرة، لعدم قبوله فكرة أن يحكي أدق تفاصيل حياته وعلاقته بزوجه أو زوجته لشخص لا يعرفه نتيجة لعدم إدراكه أن هذ الشخص (غير المعروف) هو نقطة القوة في الأمر، كونه طرفاً محايداً تماماً، ذا علم وخبرة تؤهله للقيام بهذا الدور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رانيا، زوجة في الثالثة والثلاثين من عمرها، قالت، "ذهبت إلى إحدى المتخصصات في الإرشاد الأسري بعدما ضاقت بي السبل من الخلافات الدائمة مع زوجي. على الرغم من رفضه القاطع لأن يحضر معي هذه الجلسات فإن الإستشارية التي ذهبت إليها بعد سماعها لطبيعة المشكلات نصحتني بأمور التزمت بها، أسفرت عن تخفيف حدة التوتر بيني وبين زوجي بصورة كبيرة لأني أدركت أموراً لم أكن أدركها".

وأضافت، "بعد تجربتي أري أن كثيراً من المشكلات سببها الرئيس أننا لا نهيئ للزواج بشكل كافٍ، وأن كل طرف لا يدرك احتياجات الآخر وأولوياته، مما يؤدي لكثير من سوء الفهم بين الطرفين".

من جانب آخر يواجه استشاري العلاقات الأسرية تحدياً كبيراً في إثبات وجود هذه الفكرة بالمجتمع، وكسب ثقة الناس لخلق القبول المجتمعي لفكرة أن يتوجه الشخص لمتخصص يساعده في تجاوز مشكلة أو تخطي أزمة حلت على علاقتة بزوجه أو زوجته دون حرج من الفكرة في ذاتها، عن مدى قبول الناس للفكرة ومعدل ترددهم على هذه المراكز وماذا تقدم لهم ومدى تفاعل وتجاوب المترددين مع الاستشاري وتنفيذه لما يطلبه منهم، تقول عزة زيان، استشاري العلاقات الأسرية والاجتماعية لـ"اندبندنت عربية"، "قبول الناس للفكرة يقاس بنسبة الكثافة وبمعدل الأعمار والمستويات، والنسبة الغالبة للمترددين على مراكز الاستشارات الأسرية تكون في المرحلة بين الثلاثينيات وأوائل الخمسينيات من العمر. وبشكل عام أستطيع القول إن الفكرة آخذة في الانتشار، وأخيراً هناك قبول في المجتمع حتى أنه في بعض الحالات أجد أن من شجعهم على الحضور هو الوالدة أو الحماة لرغبتهما في الحفاظ على الحياة الأسرية لأبنائهم".

تضيف، "الأمر لا يقتصر فقط على العلاقات بين الأزواج، وإن كان هو الأكثر شيوعاً، فهناك ابن يرغب في تحسين علاقته مع والديه نتيجة رصيد سابق من عدم التفاهم، أو مشكلات أسرية انعكست عليه  بسبب التفكك الأسري على سبيل المثال"، وشددت على "أن مفهوم الإرشاد الأسري يختلف تماماً عن فكرة التنمية البشرية التي انتشرت في مجتمعنا، فهناك خلط كبير بين الاثنين عند كثير من الناس. ولكن الأمر مختلف تماماً".

مراحل حل المشكلات

المرحلة الحاسمة في الأمر هي أن يتخذ الشخص أو الزوجان قراراً بالتوجه لاستشاري العلاقات الأسرية لرغبته في إحداث تغيير وتحسين وضعه إلى الأفضل وتجاوز مشكلات معينة، فكيف يسير الأمر وما الخطوات التي يقوم بها الاستشاري؟

أوضحت عزة، "أهم خطوة أن يدرك الشخص أن هناك مشكلة تحتاج إلى الحل، وتدخل شخص خبير بعيداً عن تدخلات الأهل والمعارف. وإنْ كان هناك رغبة حقيقية في الإصلاح فإن الزوجين بمساعدة المتخصص يستطيعان إيجاد حل لأي مشكلة، وأحياناً تكون هناك رغبة من الشخص في التحدث مع متخصص ذي نظرة محايدة ليخبره هل هو على صواب أم خطأ من الأساس؟".

تابعت، "الأمر أكبر من مجرد الفضفضة، وإن كانت مهمة باعتبارها إفراغاً للطاقة السلبية، ولكن من بعدها يبدأ الاستشاري في بحث جذور المشكلة ووضع خطوات الحل وإعطاء الشخص مهاماً معينة لتطبيقها مع الشريك في منزله ليقوم بعدها بمتابعة الأمر، وتقييم مدى التحسن في طبيعة العلاقة، مع مراعاة أن الاستشاري لا بد أن يتعامل مع الزوجين، كل على حدة، حتى لا يتأثر الطرف الآخر بأي كلام سلبي، ولا بد أن يكون الأمر في سرية تامة، لذلك لابد من اختيار استشاري موضع ثقة".

 

 

تأثيرات ثقافية واجتماعية

تغلب على كل مجتمع نوعية معينة من المشكلات نتيجة تأثيرات ثقافية واجتماعية وأفكار معينة تكون سائدة عند السواد الأعظم من الناس، فما أهم المشكلات الغالبة على رواد المراكز الاستشارية، وهل هناك قبول من الرجل الشرقي لفكرة التدخل في الحياة الأسرية من قبل شخص هو في النهاية لا تربطه بهم صلة مباشرة؟

 تقول عزة، "من خلال خبرتي في هذا المجال أستطيع أن أقول أن أبرز المشكلات تكون نابعة من توترات في العلاقة الزوجية وبعضها مادية، بالإضافة إلى أخرى متعلقة بتدخلات الأهل في شؤون الزوجين، وأحياناً يكون هناك طرف رافض تماماً لفكرة طلب المساعدة من شخص متخصص، فيأتي الزوج أو الزوجة في البداية بمفرده، ولكن مع الوقت ومع إحساسه بوجود تغيير في شكل العلاقة للأفضل وانعكاس ذلك على حياته يبدأ في الاقتناع وقبول الفكرة، والحماس لها".

ذكرت، "ربما يكون هذا غير متوقع، ولكن الرجل الشرقي يفضل أن يكون استشاري العلاقات الأسرية سيدة، لأنه وزوجته يحكيان له أموراً في غاية الخصوصية لا يفضل أن تحكيها لرجل، وهو لا ينظر إليها باعتبارها ستنحاز إلى الأنثى، في حال لو كان الاستشاري قوياً ومحايداً ومتمكناً من إقامة علاقة مهنية مع الحالات فهذا الإحساس يصل إليه، ويعطيه حماساً ويدفعه إلى التجربة. وهناك حالات تكون يائسة تماماً من فكرة الإصلاح، ولكن ينجح معها الأمر بمساعدة الاستشاري وتوافر النية الحقيقية للتغيير عند الطرفين".

نصيحة للأزواج

أبرز نصيحة يوصي بها استشاري علاقات أسرية لكي ينعم الزوجان بالاستقرار والتفاهم، كثفتها عزة بقولها، "إن الحياة الزوجية تحتاج مجهوداً غير عادي من الزوجين معاً، كما هي بحاجة إلى عطاء كبير، ولكن لا بد أن يكون هذا العطاء في ضوء الاحتياج ورغبات الطرف الآخر، فأحياناً يبذل أحد الشركين مجهوداً كبيراً في مجال لا يمثل أهمية كبرى للآخر، ويحزن عندما لا يجد التقدير الكافي أو يجد أن هذا العطاء لا ينعكس بشكل إيجابي على العلاقة. هنا لابد من مراجعة الأولويات والتعامل وفق الاحتياج الفعلي للشريك".

تختتم حديثها، "مع دوامة الحياة والضغوط يجب ألا ينسى الزوجان إشباع الاحتياجات الأساسية الملحة لهما كزوج وزوجة مثل الاهتمام والحب والتقدير، فعندما تتراجع هذه الأولويات تتراكم الخلافات وتتأثر العلاقة كلها بشكل كبير، فلابد أن يكون لها دائماً الأولوية، فالعلاقات الأسرية المتوترة تؤثر في الشخص والأطفال بشدة وتنعكس في النهاية على المجتمع بأكمله".