Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طهران تسعى للتهدئة مع واشنطن... عبر حكومة علاوي؟

شكَّل انسحاب القوات الأميركية في 2011 نقطة تحول في علاقات النفوذ والتأثير

منذ الغزو الأميركي للعراق لعبت ثنائية الولايات المتحدة- إيران دوراً رئيساً في صوغ الحراك السياسي وتشكيل الحكومات (أ.ف.ب)

مع اقتراب موعد التصويت على حكومة محمد توفيق علاوي للحصول على ثقة البرلمان العراقي، بعد مخاض عسير واستمرار رفض المحتجين لها، يبرز تساؤل رئيس حول إمكانية أن تسعى إيران لصوغ تسويات جديدة للتهدئة مع أميركا من خلال تلك الحكومة. بعد دفع إيران القوى السياسية الشيعية الكبرى لدعم تلك الحكومة المرتقبة، في وقت تتصاعد حدة الصراع بينها وبين واشنطن.

ومنذ الغزو الأميركي للعراق لعبت ثنائية الولايات المتحدة- إيران دوراً رئيساً في صوغ الحراك السياسي وتشكيل الحكومات المتعاقبة في البلاد، بالاعتماد على ثقل وتأثير كل منهما في الوضع السياسي والاقتصادي والأمني، على الرغم من الصراع المستمر بين الطرفين، لكن الحكومات كانت تُشكَّل بالتوافق بينهما، وفق مراقبين.

مخاوف تدفع للتهدئة

بدأت مرحلة تنامي النفوذ الإيراني في العراق بعد الانسحاب الأميركي عام 2011، إلا أنها شهدت توسعاً كبيراً بعد دخول تنظيم "داعش" وسيطرة العديد من الفصائل المسلحة الموالية لها على مناطق ذات أهمية استراتيجية. ما أدى إلى زيادة قوة تلك الفصائل والأحزاب المرتبطة بها، وبعد انتخابات عام 2018 ازدادت حدة الصراع بين الطرفين في العراق، بعد نجاح حلفاء إيران في الحصول على غالبية في البرلمان العراقي، والسيطرة على رئاسة الوزراء.

وكان لحركة الاحتجاج المطالبة بإنهاء النفوذ الخارجي على الحراك السياسي العراقي أثر كبير في توسيع دائرة الصراع بين واشنطن وطهران، لكن المتغيرات الأخيرة وتكليف علاوي تشكيل الحكومة المقبلة قد يعيد العراق إلى مرحلة التسوية بين الطرفين مرة أخرى.

ولعل المخاوف الإيرانية من إمكانية توسع الضغط الأميركي على حلفائها في العراق، ما قد ينعكس سلباً على وضعها الداخلي وتحديداً ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فضلاً عن مناطق نفوذ مهمة في العراق تتخذها طهران كطرق رابطة للتواصل مع جماعات موالية لها في سوريا ولبنان، قد يدفعها إلى محاولة التسوية مع واشنطن من خلال الحكومة العراقية المقبلة التي لم تبد الولايات المتحدة اعتراضاً عليها.

هدنة مؤقتة

إلى ذلك، يقول السياسي إبراهيم الصميدعي إن "أميركا وإيران تعتقدان أن علاوي قد ينجح في تحقيق هدنة مؤقتة بينهما"، مردفاً "أميركا لا تعتبره موالياً لإيران، وإيران أيضاً لا تعتبره موالياً لأميركا".

يضيف لـ"اندبندنت عربية"، "مقتل (قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم) سليماني بات أثره واضحاً، وهو ما دفع إلى اختيار علاوي لاحتواء هذا الموقف".

ويشير إلى أن "حكومة عبد المهدي قادت الطرفين إلى مواجهة شبه مباشرة، وأصبحت مباشرة بعد مقتل سليماني، وهم لا يريدون الانزلاق إلى مواجهة أكبر".

ويلفت إلى أن "هذه الهدنة التي يطمح لها الطرفان ستمتد للانتخابات الأميركية المقبلة، لأن إيران تراهن على الصمود لغاية تلك الانتخابات"، مبيناً أن "إيران تعتقد أنها ستحصل على تنازل أميركي كبير إذا لم يفز الرئيس دونالد ترمب في دورة ثانية".

واشنطن- طهران- النجف

في السياق ذاته، يقول الباحث والأكاديمي باسل حسين إن "ثلاثية واشنطن- طهران- النجف لعبت طوال عقد ونيف دوراً كبيراً في تشكيل الحكومات العراقية، لا سيما في مسألة تحديد شخصية رئيس مجلس الوزراء".

يضيف لـ"اندبندنت عربية"، "شكَّل انسحاب القوات الأميركية نهاية عام 2011 نقطة تحول ومنعطفاً رئيسياً في نمط علاقات القوة والنفوذ والتأثير، فبانسحابها خسرت أميركا الجغرافيا والسياسة ولم يعد تأثيرها في الساحة العراقية بقوة وجودها على الأرض، ما انعكس سلباً على وزنها النسبي في المعادلة الثلاثية".

يتابع أن "أميركا بعد عودتها من خلال التحالف الدولي لمقاتلة داعش وجدت أن إيران قد ملأت الساحة العراقية، ما دفعها إلى مواجهة النفوذ الإيراني في العراق من جهة ومحاولة إعادة قوة التأثير في الأنماط السياسية العراقية من جهة أخرى".

ويوضح حسين أن "واشنطن وجدت في انقلاب الشارع العراقي، لا سيما الشيعي، على إيران بعد انتفاضة الشباب فرصة مواتية لتحقيق الأمرين معاً وكان التخلص من سليماني والمهندس أحد تمثلات هذه الجولات".

حكومة انتظار وتأهب

وعن احتمال أن تتنازل طهران، يلفت حسين إلى أن "إيران باتت تدرك أن وقت الربح في العراق قد شارف على نهايته وأنها تعيش مرحلة الخسارة، لذا هي تسعى إلى إدارة مرحلة الخسارة، ومنها التخلي عن مرشحين مقربين جداً وحلفاء لمنصب رئيس الوزراء لمصلحة مرشح نصف حليف أو أكثر من أجل عدم إثارة الشارع العراقي وعدم قطع خطوط التواصل غير المباشر مع الإدارة الأميركية".

ويشير إلى أن "القبول الأميركي الإيراني بحكومة علاوي هو قبول بالأمر الواقع أو باشتراطات الحد الأدنى من المصالح، فهذه الحكومة بنظر الإيرانيين أفضل ما يمكن، لأنها تدرك أن الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي العراقي والحكومة ستكون بالنتيجة النهائية موالية ومتماهية مع مصالحها"، مبيناً أن "الإدارة الأميركية لا ترغب في رؤية تغيرات حادة في العراق يمكن أن تربك حساباتها ومصالحها في المنطقة، لا سيما أنها مقبلة على موسم انتخابي".

وختم أن "أفضل توصيف لهذه الحكومة وما تعنيه للطرفين بأنها حكومة انتظار وتأهب تنسجم مع واقع المرحلة الحالية، في انتظار جولة تكون أكثر حسماً ستأخذ ملامحها في التكون بعد الانتخابات الأميركية".

تسويات معقّدة

"إيران في وضع لا تُحسد عليه بسبب المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها، وهذا ما يدفعها لعدم التخلي عن نفوذها في العراق من خلال رئاسة الوزراء وحلفائها في التشكيلة الحكومية أو في البرلمان، لأن تلك الجهات هي التي تقدم التمويل الذي يساعدها لحلحلة وضعها الاقتصادي"، بحسب الكاتب والإعلامي فلاح الذهبي، الذي يضيف لـ"اندبندنت عربية" أن "أميركا قامت ببادرة حسن نية تجاه إيران عندما سمحت بإمرار الإعفاءات على العراق في ما يتعلق بموضوع استيراد الغاز والكهرباء الذي تصل قيمته إلى نحو 4 مليارات دولار سنوياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير الذهبي إلى أن "ما يعقد إمكانية صوغ التسويات هو أن إيران مصرة على السيطرة على النظام والإتيان برئيس وزراء قريب منها، وهذا ما دفع أميركا إلى عدم تأكيد دعمها للحكومة المقبلة"، مردفاً "هناك تخوف أميركي من تهميش الكرد الذين يمثلون حليفاً رئيساً لها من خلال الحديث عن وزراء مستقلين".

ويلفت إلى أن "الحديث عن التسوية بين طهران وواشنطن يعتمد على عوامل عدة، أهمها نتائج الانتخابات الإيرانية والشارع الإيراني الذي ينتظر تحسناً في الوضع الاقتصادي"، مبيناً أن "إيران أبدت مرونة في قضية الرد على مقتل سليماني، وقد يكون ذلك مدخلاً لاحتواء التصعيد".

ويعتبر أن "مرحلة التوازنات بين أميركا وإيران في العراق انتهت مع نهاية حكومة العبادي، وبعدها أصبح توجه الحكومة موالياً لإيران في فترة عبد المهدي"، مرجحاً أن يكون حسم هذا الملف معتمداً على تشكيل الحكومة الإيرانية.

وفيما يتوقع أن تدار مفاوضات بين طهران وواشنطن قريباً، يستبعد أن يكون العراق طرفاً فيها. ويقول إن "إيران لا تعتمد على حلفائها العراقيين بهذا الشأن لأن التحالف الشيعي تفتت، والقوى الشيعية السياسية في حالة عداء مع طبقاتها الاجتماعية".

تضحية بمناطق النفوذ

وسط ذلك، يرى أستاذ العلوم السياسية قحطان الخفاجي أن "الصراع لا يصب في مصلحة إيران، لأن التقاطعات المستمرة مع أميركا تزيد من حدة الضغوط عليها، لذلك هي تسعى للتهدئة".

يضيف لـ"اندبندنت عربية"، أن "أميركا تشعر بالقلق من استفحال إيران في المنطقة، وهذا ما دفعها إلى زيادة الضغوط عليها، ما قد يدفع إيران إلى التضحية ببعض مناطق نفوذها وقد يكون في العراق من ضمنها".

ويشير إلى أن "إيران لن تنجح في صوغ التسوية مع أميركا لأن الجماعات الموالية لها ما عادت تتحكم بشكل مطلق بالشأن السياسي، وباتت التظاهرات تشكّل تأثيراً كبيراً في الحراك السياسي"، مبيناً أن "أي تسوية بين واشنطن وطهران سيكون مدخلها إنهاء فاعلية إيران في العراق، وهذا يعد خسارة لها".

وتستمر انعكاسات الصراع الأميركي - الإيراني في العراق بالتأثير في الوضع السياسي والاقتصادي والأمني للعراق، في وقت يطالب المحتجون العراقيون بتحييد البلاد عن الدخول كطرف في النزاعات الإقليمية والدولية، لكن هذا الأمر يبدو مستحيلاً في المرحلة الحالية.

المزيد من الشرق الأوسط