Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 "إينوي" التلسكوب الذي يرصد تفاصيل الشمس

يُعد معجزة هندسية علمية ومزود بـ"حوض جليدي" لتبريد مرآته العملاقة

مرآة المرصد العملاقة (من Space.com) 

تلسكوب أميركي ضخم يلتقط صورا غير مسبوقة لعواصف الشمس ويساعد على حل أعقد ألغازها، ويؤسس لعلم أرصاد جوية لمجرتنا.

أواخر يناير الماضي، التقط تلسكوب أميركي ضخم، شُيِّد فوق قمة جزيرة بركانية وسط المحيط الهادي، صورا عالية الدقة والوضوح للشمس أتاحت للمرة الأولى رؤية كيفية تفاعل فقاعات بلازما ضخمة على سطحها. والبلازما غازٌ أيونيٌّ ساخنٌ تختلف خصائصه بشكلٍ كبيرٍ عن الغازات العادية، إذ يصنف العلماء البلازما بكونها "حالة رابعة من المادة".

لطالما خضعت الشمس للرصد والمراقبة بواسطة مراصد أرضية وأقمار صناعية، إلا أن دقة الصور الملتقطة بواسطة هذه الوسائل كانت تتميز بجودتها المتدنية. فعلى سبيل المثال، يبلغ قطر مرآة تلسكوب "هينوتوري" الفضائي الياباني - ثاني أكبر المراصد الشمسية حالياً - 50 سنتيمترا، أما المرصد الشمسي الجديد الذي أطلق عليه اسم "دانيال كيه. إينوي" المنصوب على قمة جبل هاليكالا في منطقة ماوي بجزر هاواي الأميركية، فقد زود بمرآة يبلغ قطرها 4.2 متر، أي أنه أقوى من نظيره "هينوتوري" بثمانية أضعاف. ومع اكتمال ربط "إينوي" بمعدات التحليل المتطورة الأخرى خلال الشهور الستة المقبلة ستتمكن عدسة المرصد الضخمة الفريدة من رصد أي تفصيل على سطح الشمس يتجاوز طوله 30 كيلومترا من مسافة 150 مليون كيلومتر، أي أنه بمثابة مجهر للشمس.

وتدليلاً على عظمة مرصد "دانيال كيه. إينوي" البالغ ارتفاعه 13 طابقا، يقول "توماس ريمله" مدير المرصد، إن الصور الجديدة التي تمت معالجة ألوانها فقط من دون تحليل نتائجها العلمية "هي الأكثر وضوحاً للشمس حتى الآن. لقد أمكننا رؤية تركيبات كنا نشتبه بوجودها من خلال المحاكاة الحاسوبية الافتراضية. لقد شاهدنا بأم العين أصغر تفاصيل أكبر كائن في نظامنا الشمسي". وقد أظهرت الصور والمقاطع الملتقطة التي غطت اللقطة الواحدة منها مساحة 66 مليون كيلومتر مربع، خلايا بلازما ساخنة هائلة الحجم وهي تتسرب إلى سطح الشمس قبل أن تبرد وتغرق في الممرات المظلمة مع تغير لونها. وبلغت مساحة كل خلية من خلايا البلازما، التي بدت أشبه بأجزاء متشققة تعود لتربة صحراوية، زهاء 700 ألف كيلومتر مربع أي ما يوازي مساحة دولة كبيرة بحجم فرنسا.

 

حوض تبريد جليدي

ويقول ريمله، البالغ ستين عاماً والذي انضم إلى مشروع المرصد قبل 25 سنة، "إن الأمر كان مؤثرا لدى بدء تشغيل المرصد" في العاشر من ديسمبر 2019، بعد مرور تسع سنوات من عمليات التصميم والبناء والتجهيز تدعمها ميزانية كبيرة بلغت 344 مليون دولار. ويمثل المرصد معجزة هندسية علمية؛ إذ يكفي أن نعلم أن ثمة مرآة عاكسة داخله تُعدِّل وضعها ذاتياً 2000 مرة في الثانية الواحدة لتعويض التشوهات التي يشكلها غلاف الأرض أثناء التقاط الصور. ومع تركيز المرصد نور الشمس داخل جسمه الأنبوبي الذي يحوي مرآته العملاقة، ترتفع حرارته إلى مستويات قصوى بما يكفي لصهر الفولاذ. ولمنع الحرارة من تذويب المرصد تم تشييد مبنى تبريد كامل يحتوي على "حوض جليدي" يتم ملؤه بقطع الثلج كل ليلة لتوفير التبريد اللازم لجسم المرصد أثناء النهار، تدعمه شبكة أنابيب تبلغ أطوالها 12 كيلومترا.

يتمثل الهدف الرئيس للمرصد في إجراء قياسات دقيقة للحقل المغناطيسي للشمس في جميع أنحاء الهالة، وهي المنطقة الخارجية من غلاف الشمس الجوي التي يمكن رؤيتها لدى حصول كسوف. ويوضح ريمله "نرغب في استكشاف كيف يعيد المجال المغناطيسي للشمس ترتيب نفسه قبل حصول توهجات تقذف جزيئات فائقة الطاقة بسرعة شديدة فتصل إلى كوكبنا في دقائق". وعادة ما تكون لهذه العواصف القدرة على إرباك شبكات الكهرباء والاتصالات الراديوية وتتسبب بأعطال في الأجهزة الإلكترونية والأقمار الاصطناعية المخصصة لتحديد المواقع العالمية. وستسمح عمليات الرصد عالية الدقة بتحديد الفيزياء الأساسية للحقول المغناطيسية وإعداد ما يمكن تسميته بـ"أرصاد جوية فضائية" تسمح بتوقع العواصف الشمسية ما يمنحنا الوقت الكافي لحماية الأجهزة التي قد تتأثر بها، خصوصاً وأن اعتمادنا المتزايد على التكنولوجيا يزيد بشكل كبير من تعرضنا لآثار طقس الفضاء التي يمكن أن تصبح أكثر تطرفاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توقيت دقيق

دُشن المرصد في مرحلة مهمة وحساسة بالنسبة لعلماء الفلك. فالدورة الشمسية الحالية في أدنى نشاطها ولا تظهر بالتالي أي بقع. لكن الشمس تستعد لدخول دورة جديدة مدتها 11 سنة حافلة بالبقع الجديدة، ما يعني أن ثمة ثروة من النشاط الشمسي سيتم العمل على اكتشافها. ويقول ريمله "إن الهدف الرئيس هو التقاط أقرب صورة لبقعة شمسية بأعلى دقة ممكنة". وبإمكان المرصد التقاط 30 صورة في الثانية الواحدة على مدى ساعات، ما يعني أن مقاطع فيديو مصورة عن البقع ستكون متوافرة أيضا.

وتحتل مسألة الدورة الشمسية قمة أولويات علماء المناخ في الوقت الراهن؛ ذلك أنهم ما انفكوا يطلقون التحذير وراء التحذير من أن كوكب الأرض في طريقه إلى ولوج عصر جليدي مصغر مع دخول الشمس ما يسمونه "مرحلة الحد الأدنى للطاقة". ومن شأن حدوث ذلك أن تتشكل بقع أقل على سطح الشمس، وبالتالي إطلاق طاقة وإشعاع أقل نحو الأرض، ما يُفضي إلى انخفاض درجات الحرارة عالمياً بمقدار درجة مئوية واحدة. ويعني كل ما سبق أن الأرض قد تشهد في السنوات المقبلة طقساً بارداً رطباً صيفاً، وصقيعياً شديد البرودة شتاءً يماثل ذاك الذي شهدته كندا الشهر الماضي حين لامست الحرارة الـ50 درجة مئوية تحت الصفر. ويقول علماء المناخ إن هذه الإرهاصات ما هي إلا مقدمة "مرحلة الحد الأدنى للطاقة" التي يُتوقع أن تستمر على امتداد العقود الثلاثة المقبلة. مع العلم أن آخر "مرحلة حد أدنى حدثت منذ نحو 400 سنة، بين عامي 1650 و1710 حين انخفضت درجات حرارة معظم أنحاء نصف الكرة الشمالي بحدة.

اعتراضات ثقافية

لم تخل عملية بناء مرصد "إينوي" من إشكاليات وحوادث شأنها شأن مراصد أخرى أوقفتها الاحتجاجات بسبب الأهمية الروحية لقمم جبال هاواي. فجبل هاليكالا (ويعني في لغة السكان الأصليين "بيت الشمس") حيث يرقد المرصد، موقع مقدس لدى سكان هاواي الأصليين. ذلك أن هذا البركان الخامل المشهور بمشهد شروق شمسه المدهش، يمتاز بتمتعه بزهاء 15 دقيقة إضافية من ضوء النهار مقارنة بالمناطق الواقعة على مستوى سطح البحر في جزيرة ماوي. وقد احتج السكان الأصليون على بناء المرصد في عامي 2015 و2017، حيث تجمع المئات منهم ومنعوا مرور المركبات الحاملة لمواد البناء المخصصة لتشييده. لكن الفريق المشرف على موقع البناء استوعب هذه المخاوف بطرق دبلوماسية، إذ أبقى قمة الجبل مفتوحة أمام زيارة السكان الأصليين الراغبين في ممارسة طقوسهم على سفوحه، كما أُطلق برنامج بقيمة 20 مليون دولار في "كلية ماوي" لتدريس العلوم بشكل متوازٍ مع ثقافة هاواي، في ما تم تخصيص 2 بالمئة من أوقات عمل المرصد لسكان هاواي الأصليين.
وتنص الخطة العلمية المقررة في الحفاظ على تشغيل المرصد مدة أربع دورات شمسية على الأقل، أي زهاء 44 عاما. ويقول ريمله في هذا الخصوص: "نحن الآن في المرحلة النهائية لسباق ماراثون طويل جدا. لقد رأينا للتو قمة جبل جليد الشمس. الصور الأولى هي في الحقيقة مجرد بداية". وفي سبيل إنجاز صورة شاملة كاملة لسطح الشمس، سيتكامل عمل المرصد مع مصدرين آخرين لا يقلان أهمية عنه بطرق مختلفة وهما: "مسبار سولار أوربيتر" الذي انطلق منذ ساعات قليلة إلى الفضاء، و"مسبار باركر الشمسي" الذي أُطلق في العام 2018، واللذان يعملان ضمن مهمتين منفصلتين بالقرب من الشمس.

مسباران مكملان

يُعد "مسبار سولار أوربيتر" مشروعاً مشتركاً بين وكالة "ناسا" الأميركية ووكالة الفضاء الأوروبية، وهو يهدف إلى إلقاء نظرة فريدة من نوعها على قطبي الشمس المشتعلين. ومن المتوقع أن تساعد هذه النظرة التي لم يسبق لها مثيل الباحثين على استيعاب كيفية تأثير خلايا طاقة الشمس الهائلة على الأرض. ومن المقرر أن تستغرق رحلة "مسبار سولار أوربيتر" إلى الشمس عشرة أعوام، وتتلخص مهمته في رسم خارطة لقطبي الشمس ما قد يسمح للعلماء وللمرة الأولى بمراقبة مصدر الرياح الشمسية التي تتخلل مجموعتنا الشمسية. ويحمل المسبار على متنه عشرة أجهزة تحميها درع حرارية ضخمة تزن 147 كيلوجراما. وستتلصص ثلاثة من الأجهزة التي يحملها المسبار على الشمس عبر نوافذ صغيرة خاصة، وستجري مسحا للتغيرات التي تطرأ على سطحها بمرور الوقت.

أما "مسبار باركر الشمسي" الذي أطلقته وكالة "ناسا" عام 2018، وهو بحجم سيارة تحميه درع حرارية شديدة السماكة، فقد استحال أكثر الأجهزة اقترابا من الشمس حتى يومنا هذا. إذ بلغ الطبقة الخارجية الأقرب في غلافها الجوي أي زهاء ستة ملايين كيلومتر. ولم يسبق أن التقطت كاميرا صورا للشمس من هذا القرب، علما أنها تبعد عن الأرض 150 مليون كيلومتر. لذا، يعلق العلماء آمالهم على أن تزودهم الكاميرا بصور لم يسبق لها مثيل. ويقول "ماتيو بيرتومييه"، الخبير في مختبرات الجزيئات المشحونة الفرنسية، حول نتائج المسبار: "لقد اكتشفنا أمورا شديدة الغرابة لم نكن نتوقعها. فسرعة الرياح الشمسية ليست ثابتة، إذ يمكن أن ترتفع بطريقة عشوائية جدا بواقع 100 إلى 150 كيلومترا في الثانية أحيانا". وقد نشرت الملاحظات الأولى التي سجلها مسبار باركر عبر أربع دراسات في مجلة "نيتشر" العلمية المرموقة حتى الآن؛ حيث كشفت شمساً وصفتها جامعة ميشيغن بأنها "فوضوية بصورة غريبة".

وقد أُلقيت على عاتق مسبار باركر مهمة حل لغز قديم ألا وهو معرفة سبب رفع حرارة هالة الشمس. ذلك أن حرارة الجزء الخارجي الأبعد من الغلاف الجوي الشمسي أعلى 200 مرة مما هي على سطح النجم. وهذه الحرارة القصوى لا يمكن أن تكون متأتية من الشمس إذ إنه وبحسب قوانين الطبيعة كلما ابتعدنا من مصدر الحرارة انخفضت درجة الحرارة، ما يعني أن الهالة "تجد طريقة" لرفع حرارتها بنفسها. ويبحث العلماء عن تحديد المسارات الفيزيائية التي تتيح ذلك. ورغم عدم حل هذا اللغز بانتظار أن تصل المركبة إلى أقرب نقطة من الشمس في 2024، فإن بعض الملاحظات المسجلة تتيح فهم المزيد خصوصا عن الرياح الشمسية الغامضة.

نجم فوضوي

وبحسب الملاحظات المسجلة بفضل مسبار باركر، فإن الرياح الشمسية ليست تدفقا مستمرا من دون انقطاع لكنها في جزء كبير منها عمليات قذف فوضوية صغيرة لمواد متفرقة بما يشبه العواصف الرعدية الصغيرة. أما الاكتشاف الآخر غير المتوقع فهو سلوك الحقل المغناطيسي الذي يؤدي دورا في لغز رفع حرارة الهالة الشمسية. ففي بعض الأحيان، ينقلب مسار الحقل المغناطيسي بالكامل بشكل مفاجئ، ثم بعد بضع ثوان أو في غضون ساعات، يعود للانقلاب مجددا. وهذا ليس كل شيء، إذ إن الرياح الشمسية كانت تغير مسارها بصورة لافتة في بعض الأحيان، وكانت الهالة الشمسية تدور بسرعة أكبر من المتوقع. ويقول العلماء إن هذا الدفق الكبير من الملاحظات والمعلومات سيغير بصورة جذرية من فهمنا للشمس وللرياح الشمسية، وبالتالي قدرتنا على توقع الأحداث المتصلة بالأرصاد الجوية الفضائية.

الشمس التي ظلت تشرف من علٍ على أرضنا منذ ملايين السنين، أصبحت اليوم تحت سمع وأبصار بعض أجهزتنا في محاولة بشرية خجولة لفك بعضٍ من ألغازها التي استعصت على فهمنا منذ فجر الحضارات. إنها خطوة بشرية صغيرة نحو نجم شمسي كبير.