سِيَر المبدعين بين جرأة الأبناء وغيرة الزوجات

أحمد شوقى أناني وطه حسين فكر في الانتحار... أحمد أمين دفع ايجارا لزوجته وأمل دنقل غير مبال

طه حسين يصغي الى زوجته سوزان تقرأ له (موقع طه حسين)

"لوى أبي عنق أخي، قتله. نعم قتله، رأيته يقتله، أبي قتله، قاتله الله". هذه عبارة من رواية "الخبز الحافي" سيرة محمد شكري الذاتية الروائية، كما كتب على غلافها، وقد منعت وصودرت وقت نشرها، بعدما نشرت بالفرنسية والإسبانية والإنجليزية، ثم عادت الى لغتها العربية. مجرد لحظات فضح مكتوبة في سيرة روائية، لم يحتملها الضمير الثقافي. لكننا هنا نعرض لسير المبدعين على ألسنة غيرهم: الزوجة، الابنة، الابن... فهل تغيرت الصورة؟ هل يكتب الأهوة او الأبناء عن المبدعين كما لو أن هؤلاء يكتبون عن انفسهم أم أن الامر يختلف؟

أنانية أمير الشعراء

يصف حسين أحمد شوقي طفولته بالسعيدة المدللة، ويحكي أن أباه كان يجلس على مقعد صغير في الحنطور، ويجلس هو على المقعد الكبير، وقد لام الخديوي شاعرنا على ذلك، فقال له شوقي: "سله هو يا فندينا لِمَ يفعل بي هذا؟" ولذا يرجع حسين نجاح أبيه إلى والدته، فهي لم توجه له لوماً في حياته مرة، مع أنه كان خليقاً باللوم أحياناً كثيرة. ومن عيوب أبي أنانيته الشديدة. ويقول إنه كان يقابل أصحاب الحاجات، فإن كان معتل المزاج؛ هرب من باب خلفي في الحديقة صنع خصيصاً لهذا الغرض. وفي موقف آخر يعرض حافظ إبراهيم على شوقي ضرورة الاهتمام بابنه حسين، لأنه يملك موهبة شعرية قائلاً له: "عليك أن تتعهده ليصير شاعراً مطبوعاً"، فيرد شوقي: "إني أفضل أن يعنى هو بالنثر لا بالنظم، لأن الشعر لا يتحمل الوسط، وحسين لن يبلغ فيه القمة". فيرد حافظ موجهاً كلامه لحسين قائلاً: "لا تطع مشورة أبيك يا حسين، إنه يقول ذلك لأنه غيران منك، ويخشى أن تسبقه في يوم من الأيام". ورغم أن حسين يؤكد صدق رؤية أبيه بعد ذلك، إلا أنه يشير في موضع آخر إلى أنانيته المفرطة في ما يتعلق بالشعر خاصة. ويكاد كتاب "أبي" لحسين أحمد شوقي يخلو من الطابع الشخصي مركزاً على الطابع التاريخي، وعبر مئة وستين صفحة ننتقل مع الأمير بين القصر والمنفى والبيت بكثير من الحيادية.

في حين يذكر سكرتيره أحمد عبد الوهاب في كتابه "إثنا عشر عاماً في صحبة أمير الشعراء" حكايات قصيرة كلها حول كرم شوقي وطيبته وبساطته، وحسن تربيته لأولاده، وكيف كان حسين ابنه مبتسماً دوماً، ويقول إن صديقاً عزيزاً خاطب شوقي مرة قائلاً: "أرى من المستحسن يا شوقي بك أن تمنع علياً من التدخين أمامك"، فقال له: "لا يرضيني ذلك، لأني إن فعلت كان قربه مني قصيراً، وأنا أحوج ما أكون لجعل قربه مني طويلاً". والكتاب قريب الصلة من حالات الوحي والإلهام الشعري التي كان يشهدها المؤلف باعتباره سكرتيراً للأمير، وكذا طقوسه كشاعر، ربما تعيبه بشدة هذه الصورة الملائكية التي رسمها لشوقي، كما لم يرسمها ابنه الحقيقي.

عميد الأدب العربي                                                                                     

في "معك" كتاب سوزان بريسو زوجة  عميد الأدب العربي طه حسين والذى ترجمه بدر الدين عردوكي، تقول سوزان عن اعترافه الأول بالحب "أقرأ له عندما يكون وحيداً. كنا نتحدث بكثرة، وكان يحقق تقدُّماً عظيماً في اللغة الفرنسية. وذات يوم، يقول لي اغفري لي، لا بدَّ من أن أقول لكِ ذلك؛ فأنا أحبكِ. وصرختُ، لكنني لا أحبك، وكنت أعني الحبَّ بين الرجل والمرأة! وقد أذهلتني المفاجأة، بفظاظة فقال بحزن آه، إنني أعرف ذلك جيداً، وأعرف جيداً كذلك أنه مستحيل ولا شك. ويمضي زَمَن، ثمَّ يأتي يوم آخر أقول فيه لأهلي إنني أريد الزواج من هذا الشاب. كيف؟ مِن أجنبي؟ وأعمى؟ وفوق ذلك كله: مسلم؟". وكان ما كنتُ أنتظره من ردِّ الفعل! لا شكَّ في أنكِ جُنِنْتِ تماماً...". ولكن تم الزواج بينهما واستمر 56عاماً، منذ تزوجا في 9 أغسطس(آب) 1917 حتى رحيله في أكتوبر (تشرين الأول) 1973. وتشير سوزان الذكريات القريبة تؤلمها وتزعزعها إلى الحدِّ الذي يصعب عليها معه أن تتحدَّث عن الأحزان القديمة. لكنها أحزانٌ ذات أهمية مع ذلك، وكانت ثورتها كبيرة إزاء الأذى الذي كان بالوسع إلحاقه بإنسانٍ كطه عن وعيٍ وتبصُّر. لكنها تعتقد أنَّه بعد أن خيَّم الصمتُ العظيم، وامَّحَت الوجوه الحاقدة والعدوانية إلى الأبد. والحق أنَّ طه كان، منذ عام 1932، يأسف لاضطراره إلى العمل على قلب خصمه الرهيب صدقي، وقد كتب لسوزان؛ بعد أن نشر مقالاً لاذعاً، يقول: "لا أحب أن أكون قاسياً. وعندما اضطررتُ لأن أكون كذلك على الرغم مني، فقد كنتُ بحاجة لأن أليّنَ نفسي. ولو أنك كنت قربي، إذن لوضعت رأسي على كتفك. وسأجهد الآن في أن أستدعي دون أي حقد تلك الساعات التي كانت يائسة إلى حدٍّ اعترف لي طه معه بعدها بكثيرٍ أنه فكَّرَ بالانتحار … آه! … لم يفكر فيه زمناً طويلًا؛ إذ لم تكن تلك طريقته في مواجهة العقبات".

الجميل في كتاب "معك" أنه يكشف عن جزء معتم من سيرة طه حسين وهو ما يتعلق بظروفه المالية وكفاحه، ودور الزوجة التي كانت حصنه الدائم. أما طه حسين نفسه، فيصفها في "الأيام بـ "المَلاك" الذي يحنو عليه كما يحنو على ابنته، ومهما فعلا فلن يردا لها الدين.

لكن شيئاً غريباً في كتاب "معك" يلفت نظر القارئ، أن سوزان تقلل في أوقات ما من قيمة طه حسين، كأن تقول مثلاً على لسانه في حديث بينهما "همهمة عذبة مستمرة، في حين كان الغناء يعلو فوق الهمهمة. إنه لأمر رائع، ولو كنت أرى، لقارنت هذا بقاع عذب حزين يبرز منه شيء من المرح السوداوي… إنني أتحدث بغباء! بمَ أزج نفسي، وماذا أعرف عن الموسيقى؟ لكنها أشياء أحسها، وفرنسيتي الفقيرة لا تمنحني الفرصة للتعبير عنها". وهو طبعاً ما يخالف الحقيقة، فقد ترك العميد كتابات بالفرنسية وصفها جامعها عبد الرشيد الحمودي بأنها قمة البلاغة والتميز، في كتاب صدر عن دار الهلال.

غيرة الزوجة

أما الكاتب أحمد أمين، فقد كتب سيرته البسيطة حد الإدهاش في كتابه "حياتي"، لكنّ ابنه حسين كتب مقالات عديدة تحدث فيها عن أبيه، وعن بعض الرسائل التي كان يرسلها أحمد أمين لزوجته تخلو تماماً من العواطف بل من أي ود، فهو يرسل لها من المصيف رسالة محتواها كالتالي: "مخدة، وابور جاز، شمسية البلاج، مجموعة الكتب التي تركتها على المكتب. أرجو إحضار هذه الأشياء والسلام".

أما الكاتب جلال أمين، فقد كتب كتابين عن حياة أبيه أحمد، هما "ماذا علمتني الحياة" و"رحيق العمر"، وفي الكتابين يميل الى طرح رأيه مفصلاً في علاقة الزوج بالزوجة، بخاصة أنه يهدي كتابه إلى زوجته "جان" عرفاناً بجميل ثلاثة وأربعين عاماً من الحب والصداقة. يحكي أحمد أمين نفسه في كتابه "حياتي" عن علاقته بزوجته، ولم يكن يعكر صفو حياته سوى أمرين: أولهما مسألة الخدم، فالزوجة لا تستغني عن الخدم ولا تطيق تصرفات الخادمة، فتقع المشكلات، وتأتي الخادمة فتشكو لي، ولا أدري ماذا أفعل، وكانت تقوم الدنيا ولا تقعد إن طيبت خاطرها بكلمة، بخاصة إن كان لها حظ من بقايا جمال، فزوجتي غيور غيور، وأخيراً هداني الله للحل، فرفعت يدي عن المسألة كلها، وجعلتها تختار من تشاء وتطرد من تشاء. أما المسألة الثانية، فكانت سبل التفاهم معها، فقد كنت أظن أن العقل والموضوعية والتفاهم سبل الحوار بين الزوجين، لكن هذا الكلام العاقل لا علاقة له بأي مناقشة بين زوجين، بخاصة من جهة الزوجة، فأنت تتكلم في اليمين وهي تتكلم في الشمال، وتأتي أنت بالحجج، فترد عليك بكلمات عاطفية جوفاء بلا معنى، ولذا فكثير من الأزواج يقنع من الغنيمة بالسكوت، فكنت أضحي بالمنطق أحياناً في سبيل السلامة".

أما جلال أمين فيكشف عن أسرار عجيبة في هذا البيت، فيذكر في كتابه "ماذا علمتني الحياة" أنه وقع على مذكرات لأبيه، هي أقرب إلى البوح والفضفضة، يقول في مذكراته التي كتبها بعد زواجه بعام واحد، مع ملاحظة أنه كان يلجأ للإنجليزية في عبارة ما، خشية أن تقع هذه المذكرات في يد زوجته. ويكرر الملاحظة المتعلقة بعدم جمال الزوجة بعد سطور قليلة. لكن شهادة جلال أشد قسوة في حق الأم، بحيث يصف خطتها لتحويل البيت من ملكية لزوجها – أحمد أمين – إليها، عن طريق توفير بعض ما تحصل عليه من ماله، فاشترت منه نصف البيت ثم النصف الآخر، وطلبت منه بعد ذلك أن يدفع لها إيجاراً باعتبارها مالكة البيت، رغم أنها لم ترث قرشاً واحداً كما يقول جلال. أما ما يرصده بخصوص الوالد، فهو تقشفه الزائد، رغم وجود المال، فلا لوحات ولا سيارة حديثة، ولا تحف غالية، ويرصد أيضاً أن والده لم يناد أمه باسمها أبداً، كان ينادي دوماً: يا ولد، ومرات قليلة كان يدللها بأم حمادة. فهل هناك رومانسية أكثر من هذا البؤس الزوجي؟ 

 الجنوبي المتوحد

تحكي عبلة الرويني في كتابها الجميل "الجنوبي" سيرة علاقتها بالشاعر أمل دنقل، كصحافية، ثم كصديقة، ثم كزوجة، وربما أخطر وأدق المراحل هي مرحلة الزواج، لأن أمل لا يصلح زوجاً أبداً كما تشير. تقول عن نفسها: "كان مزاجي العصبي الحاد يجعلني في ثورة دائمة على أمل داخل المنزل، فهو زوج كسول، لا يفكر في كياننا كأسرة، وكأن كل ما في الأمر أنه بدلاً من أن يحيا بمفرده أصبح يحيا مع صديق آخر. لا تشغله مشكلات ولا مواعيد ولا أي شيء، يحترف الصمت ويهرب من كل أشكال الحوار، فكل ما يشغله هو كيف يقرأ ويكتب في هدوء. أغضب منه فأمزق صمته بالثرثرة، أعلن العصيان والتمرد حتى عن تقديم كوب شاي أو مناولته جريدة أو كتاباً، بينما يأخذ غضبه صورة هادئة للغاية، يرفض فيه منطق الخصام والعصيان والتمرد الصغير، ويصر – رغم غضبه – على خروجي معه ويصر على محادثتي".

وتبدو الحياة بين الاثنين مغامرة محمومة، رهان من جانب عبلة، وتمسك بالشعر في مقابل كل شيء من جانب أمل، تقول: "كنت أغضب منه كثيراً ويفاجئني انفعالي، فأترك أمل في منتصف الطريق لكني سرعان ما أعود للبحث عنه في أماكنه مساءً، حاملة معي كلمات بشكل الانفجار فأقول له: كلما قرأت أشعارك أحس أن مكانك الطبيعي بين الانقلابيين ولهذا فأنت شاعر جيد وعاشق شرير".

شيء من الخوف… والحب

كتب ثروت أباظة سيرة ذاتية بعنوان "لمحات من حياتي" في صفحات لم تتعدّ المئة والخمسين، يغلب عليها الطابع الرسمي، فلا خصوصيات ولا كشف ولا بوح، ولكن كتبت زوجته عفاف أباظة – ابنة عمه الشاعر عزيز أباظة – كتاباً بعنوان "زوجي ثروت أباظة"، وسبق لها إصدار كتاب عن أبيها عام 1973 لكنّ الكتابة عن الزوج – كما يقول فاروق شوشة في مقال له عن كتاب "زوجي ثروت أباظة" شيء آخر. تقول المؤلفة: "دام زواجنا ما يربو على خمسين عاماً ولا أدعي أن هذه الأعوام كانت كلها سعادة وسلاماً فليس هذا من طبع الأيام، لكني اكتشفت حين بدأت الكتابة أني لا أذكر إلا الأيام الجميلة واللفتات الرقيقة"‏.‏ المثير أنها تقرر بوضوح أنها رفضت ثروت حين تقدم لها زوجاً، ليس اعتراضاً إلا على صغر سنه،‏ والفارق بسيط بينهما في السن‏.‏ أما بعد الزواج، فتقول: "وبعد مضي خمس سنوات رزقنا الله بأول طفلة وسميناها أمينة وبعد عامين جاءنا دسوقي وهو على اسم دسوقي باشا والد ثروت‏.‏ بدأت الخلافات لأني كنت أريد الدقة في المواعيد وفقاً لما قرأت في كتب تربية الأطفال، وكان زوجي يسخر من مواعيدي ومني ويوقظ الأولاد بعد أن يناموا لأنه اشتاق لهم"‏.‏

وتضيف: "ولا يمكنني أن أقول إن اثنين وخمسين عاماً، وهي عمر زواجنا، كانت كلها سعادة في سعادة‏، ولكن أستطيع أن أقول إنها كانت كلها حباً في حب، فقد كان كل منا يحمل للآخر مشاعر جميلة وأحاسيس صادقة، استطعنا بها أن نجتاز الصعاب وأن نواجه الأعاصير الجارفة التي تهب على كل البيوت فتقتلعها،‏ ولكنها لم تستطع أن تقتلع الحب الذي بيننا إلى أن ودع الحياة وتركني لا أذكر إلا أجمل الذكريات".

‏ابنة خيري شلبي

في كتاب رشيق وممتع تتناول "البكرية" ريم ملامح من سيرة والدها الروائي خيرى شلبي. لمحات إنسانية عذبة وممتعة وحميمية، لقطات من بيتهم وحياتهم اليومية.  وتقول ان والدها خيري كان حريصاً دوماً على العناية بكل مقتنياته: أوراقه، أقلامه، ملابسه، مكتبه الذى لا يكف أبداً عن توضيبه، وكانت هي تشعر أن أشياءه نفسها سعيدة به أكثر من سعادته هو شخصياً بها، لأنها تعلم جيداً أنها في أيد أمينة.

 وتقول:"كنت أتعجب كيف يستطيع أن يقرأ كتاباً بأكمله مهما كان حجم هذا الكتاب من دون أن يقوم بثني أطرافه أو جلدته، تشعر أن الكتاب لم يُقرأ من قبل. تمسك الجريدة من بعده وكأنها خارجة من المطبعة للتوّ، أقلامه يفرغ حبرها وهي في قمة أناقتها. لم أر شيئاً يخصه في غير مكانه، أناقته في المنزل تفوق أناقته خارجه".
 


 

المزيد من ثقافة