"أنطيغونا" لسوفوكليس: بطلة أم مجرد خارجة على القانون؟

إبنة أوديب التي فتنت الأدباء والفلاسفة وعلماء السياسية

 من تقديم معاصر لمسرحية "أنطيغونا"

جميعهم، من سوفوكليس ويوريبيدس وصولا الى برتولد بريخت وفرويد وجاك لاكان وحتى المتمرد الأبدي نيتشه فُتنوا بها وكرّسوا لها دراسات وتحليلات، بل أن مؤسس التحليل النفسي جعلها المعادل الأنثوي لأبيها أوديب في مجال المركبات النفسية. ولكن ذروة الإهتمام المعاصر هنا أن وصل الأمر بموسوعة "الفكر السياسي عند اليونان والرومان" المفرطة في جديتها أن تعاملت معها بوصفها إنعكاسا لموضوعة سياسية بالغة الأهمية والعمق: موضوعة الصراع العميق بين القوانين الإلهية والقوانين البشرية، أي قوانين ما يُعرف حديثا بالحق العام. ومن هنا ميّزت هذه الموسوعة البطلة التي نحن في صددها هنا تماما كما ميزها أحد الثلاثة الكبار في المسرح الإغرقي الكلاسيكي حين جعل لها مسرحية خاصة بها. وهي بالتحديد مسرحيته "أنطيغونا" التي تشكل الجزء الثالث من ثلاثيته الشهيرة "الأوريستيا" التي وضعها أصلا من حول أوديب الى جانب "أوديب ملكا" و"أوديب في كولونا". هذا ناهيك بأن الناقد والباحث المعاصر جورج شتينر خصها بكتاب كامل عنونه "الأنطيغونات" شمل مختلف البحوث والأفكار التي دارت من حولها.مهما يكن، ما نتوقف عنده هنا هو مسرحية سوفوكليس التي تعتبر عادة من أمهات الأعمال المسرحية الإغريقية، والعمل الذي ساهم في المجد الكبير الذي كان من نصيب سوفوكليس يوم كان الإغريق يخصّون المسرح ومؤلفيه بأسمى آيات التكريم.

حكاية دفن بطل

لدى سوفوكليس أنطيغونا هي واحدة من أولاد أوديب وعلى الأغلب من زوجته الثانية أوريغانيا التي تزوجها كما تقول الحكاية بعد موت جوكاستا أمه التي أقام معها علاقة زوجية قبل أن يدرك جقيقتها وتقتله تلك المأساة. صحيح أن ليس لسفاح القربى بين أوديب وجوكاستا علاقة مباشرة بأنطيغونا، ولكن الأمر لا يخلو من إنعكاس في حياة بطلتنا الشابة للعنة التي حلّت بأوديب بعدما جقق نبوءة العراف وقتل أباه وتزوج أمه. لأن كل شيء في نهاية الأمر، يوحي بأن أنطيغونا ستكون بدورها ضحية مواربة لتك اللعنة التي حلّت على أوديب وذريته. بيد أننا هنا في مسرحية "أنطيغونا" في زمن يلي  تلك الأحداث وبعد موت أوديب وفي خضمّ الصراع الذي يحتدم بين ولديه الذكرين إيتيوكليس وبولينيكيس، في طمعهما للإستيلاء على العرش في طيبة من بعده. وهذه الأحداث كنا قد رأيناها في جزأي الثلاثية الأولين في تفاصيلها، لكننا هنا في الحزء الثالث أمام حدث كبير يلي انتهاء الصراع بين الأخوين ومقتل  بولينيسيس واتخاذ الخال كريون الذي أضحى ملكا على طيبة بعدما غذّى الصراع بين إبني أوديب ( وهما كالإبنتين أنطيغونا وإيسمين أولاد جوكوستا لدى سوفوكليس غير أن هذا لا يبدل من الأمور شيئا هنا). كل ما في الأمر أن كريون يصبح خال الأولاد و... جلادهم في الوقت نفسه.

كما قلنا تدور مسرحية "أنطيغونا" من حول دفن بولينيسيس وهو دفن تسعى اليه أنطيغونا بكل جوارحها جاعلة منه قضبة حياة أو موت، فيما يرى كريون العكس محاولا أن يعطي تلك القضية العائلية طابع القانون السياسي ومن حظرالدفن إستجابة للقانون الإلهي. وعلى هذا النحو ستجد أنطيغونا نفسها وحيدة إذ حتى أختها إيسمين تخلت عنها، من ناحية إذ خافت بطش كريون وترى أن عليهم الإكتفاء بما حدث حتى الآن، ومن ناحية ثانية لأنها وجدت نفسها منساقة في توافق مع القانون الإلهي الذي يعبر عنه كريون رابطا ما بين السياسة والعائلة في خطبة بالغة الأهمية يقيم فيها، بحسب مؤلفي الموسوعة السياسية التي أشرنا إليها "معادلة بين الأسرة والدولة ترتكز الى ضرورة الطاعة والنظام في كليهما قائلا: "نعم هذا ما ينبغي أن يكون قانونك الذي وقر في قلبك... أن تطيع إرادة أبيك في كل شيء". ومن الواضح هنا أن هذا الكلام الذي يبدو عائليا سرعان ما سيتجلى كلاما سياسيا بالنظر الى أن "من يؤدي واجبه في أهل بيته سيكون بارا بمدينته كذلك" أما إذا انتهك أحد القوانين واستعمل العنف وفكّر في إملاء أمر على حكامه فإنه سيكون شخصا لن يحظى بأي ثناء مني".

جريمة ضد قوانين الدولة

وهذا يشمل بالطبع بولينيسيس الذي خاض العراك ضد أخيه فوجب عدم دفنه تبعا للقوانين، لكنه يشمل هنا أمام أعيننا على خشبة المسرح، أنطيغونا التي بإصرارها على دفن أخيها، تخرق القوانين بأشد مما فعل الأخ الراحل. وهكذا إذ تقيم أطيغونا مراسم الدفن العملية ضد إرادة كريون وضد نصائح أختها، لا يجد الملك مناصا من إستدعائها الى حضرته. وهنا إذ يلقي عليها خطبته حول الطاعة الواجبة للمدينة تقول له أنها في الحقيقة بتكريم أخيها لا تطيع قوانين المدينة لكنها تطيع قوانين العدالة الإلهية الوجودة منذ ساحق الأزمنة. وهنا إذ يجد كريون إبنة أخته تجادله بشكل لا يمكنه فيه الإنتصار يأمر بوضعها في كهف الموت على رغم توسلات إبنه هايمون المغرم بأنطيغونا. وهنا يتدخل الكاهن تيريزياس منبها الملك الى أن الآلهة غاضبة من جراء انكشاف جثمان بولينيسيس عاريا أمام جنود الملك. وهكذا أمام نشيد يؤديه حكماء طيبة العجائز في كورس صاخب، يجد كريون أن لا مفر من إطلاق سراح أنطيغونا وإصدار أوامره بدفن أخيها... ولكن في تلك الأثناء تكون أنطيغونا قد شنقت نفسها. وإذ يصل هذا الأمر الى علم هايمون يقوم هذا بطعن نفسه بالسيف طعنة قاتلة ليخر صريعا أمام جثمان حبيبته. وإثر ذلك إذ تعلم إوريديس أم هايمون وزوجة الملك بما حدث تقتل نفسها على الفور تاركة كريون غارقا في حزن لا عزاء له....

على رغم الإجماع المعتاد لدى الباحثين على أن "أنطيغونا" كما كتبها سوفوكليس تبقى الأفضل بين كل المحاولات التي كُتبت لهذه المأساة – وظلت تُكتب حتى أيامنا هذه، وصولا الى بريخت كما أشرنا أعلاه، فإن ثمة كثرا من الباحثين يقولون أن الجانب السياسي التحليلي في نص سوفوكليس يظل أقل قوة من الجانب الفني فيه، بالنظر الى أن هذا الكاتب الفذ "عجز دائما عن أن يبني تراجيدياته من حول فكرة كما كان يحدث عادة في المسرح اليوناني، بل كان يفضل أن يحصر الفكرة مغلقا عليها داخل الدراما نفسها، مكتفيا بإعطائها إسما وجسدا وروحا حتى". وبالتالي لن يكون من السهل علينا أن نعتبر "أنطبغونا" نوعا من التمجيد البيّن لتفوق القوانين البشرية، والعكس صحيح كذلك: هي بالأحرى نشيد موجّه الى الإيمان مهما كان من شأن هذا الإيمان أن يكون.

في عصر النهضة بالذات، إكتشف الكتاب ما في هذا العمل من دنوّ من العلاقة بين الإنسان والقوانين، ومن هنا عكفوا على افتباسه في تنويعات  كبيرة من الأعمال يمكن من بينها التوقف عند مسرحية بالإسم نفسه للإيطالي لويجي آايمانّي طبعت عام 1533، وفي العام 1776قُدم إقتباس لها من عمل الفرنسي جان دي روترو وفي العام 1783 إقتباس جديد من إيطاليا سار على خطى بيار كورناي، دون أن ننسى استخدام راسين لشخصية أنطيغون كشخصية ثانوية في مسرحيته "طيبياد" (1664). أما في عصورنا الحديثة التي أعادت إكتشاف أنطيغون فإلى مسرحية بريخت التي سبق ذكرها أعلاه، يمكن الإشارة الى إقتباسين فرنسيين نالا نصيبا من الشهرة أحدهما حققه جان أنوي والثاني جان كوكتو، والإثنان كما نعرف فرنسيان ما كشف وأكد إهتمام الثقافة الفرنسية إن لم يكن بالمسرحية كعمل فني، فبها كمجال للسجال حول القونين مدنية كانت أو إنسانية أو في نهاية الأمر إلهية....

المزيد من ثقافة