Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفوضية البحر الأحمر... ضرورة المرحلة

التعجيل بإنشائها يقطع الطريق أمام من يلعب على تناقضات الوضع في الولاية السودانية داخلياً أو خارجياً

لا تزال عناصر معينة في الشرطة تنشط ضد أهداف الثورة في مدينة بورتسودان (أ.ف.ب)

في الحوار الذي أجراه رئيس تحرير صحيفة التيار عثمان ميرغني، قبل أسبوع، مع كل من رئيس وزراء الحكومة السودانية عبد الله حمدوك، ووزير المالية إبراهيم البدوي، ووزير الصناعة والتجارة مدني عباس، عبر فضائية تلفزيون السودان، تحدث حمدوك، عن وجود نية لإنشاء مفوضية باسم مفوضية البحر الأحمر، لتنضم إلى المفوضيات الأخرى كمفوضية السلام وغيرها من المفوضيات التي جرى إنشاؤها بعد تشكيل الحكومة الانتقالية.

يمكن القول، بدايةً، إن ما أفاد به رئيس الوزراء بخصوص هذه المفوضية يعكس اهتماماً بطبيعة الوضع الجيوسياسي لولاية البحر الأحمر (وهو أمر ظللنا نؤكد على ضرورة الاهتمام به عبر مقالات عديدة في هذه الصحيفة)، لكن مقتضيات إنشاء مفوضية للبحر الأحمر لا بد أن تستصحب حيثيات أخرى تلعب دوراً مهماً في استكمال تلك المقتضيات على الوجه الصحيح.

أولى هذه المقتضيات، تعيين والٍ جديد للولاية، يعكس توجهات الثورة، مع طاقم حكومي جديد يتفهم طبيعة الوضع الجيوسياسي الحساس للبحر الأحمر من نواح عديدة. فضرورة تعيين ولاة مدنيين جُدد لكافة ولايات السودان كان هو شعار المسيرات والتظاهرات التي نظمها تجمع المهنيين يوم الخميس 30 يناير (كانون الثاني) الماضي تحت عنوان "موكب استكمال هياكل السلطة المدنيّة".

كما أنه من الضرورة بمكان إزالة اللجنة الأمنية بالولاية، التي كان لها دور سلبي بارز، حيث عجزت تلك اللجنة عن حسم بدايات الفتنة الأهلية التي اندلعت بفعل مخططات الثورة المضادة، بين مكونين أهليين في المدينة، الأمر الذي تجددت معه الاشتباكات لمراتٍ ثلاث، على مدى 6 شهور.

ولا تزال عناصر معينة في الشرطة تنشط ضد أهداف الثورة في مدينة بورتسودان، منها ضابط برتبة كبيرة في شرطة المدينة ومستشار قانوني، يمارسان تمييزاً في أداء المهام الشرطية والقانونية بين المكونات الأهلية للمدينة. وإذا لم يتم عزل هذه العناصر ومساءلتها ومحاسبتها بما في ذلك الوالي السابق للبحر الأحمر، لن يكون هناك تقدم في استتباب أمن الولاية. 

وكان واضحاً وجلياً أن ضرب الاستقرار الداخلي للولاية يصب في مصالح أجندات خارجية (ألمح إليها رئيس الوزراء أثناء الحوار)، وهي مصالح تراهن على الوضع الجيوسياسي للولاية.

الأحداث الأمنية التي شهدتها الولاية منذ يونيو (حزيران) الماضي، بكل تأكيد، كان لتقصير المسؤولين فيها (وعلى رأسهم الوالي السابق) دور كبير، بدليل تجدُد الاحتراب الأهلي بين مكونين في المدينة ثلاث مرات.

وبطبيعة الحال ثمة علاقة جدلية بين ضرب الاستقرار في المدينة وخدمة المصالح الجيوسياسية المعادية لمصالح الثورة السودانية، ولهذا فإن في غياب إدارة جديدة لحفظ الأمن في الولاية مع إنشاء مفوضية للبحر الأحمر، إلى جانب مساءلة كل من فرط في أمن الولاية ومحاسبته لن تكون الأمور مستقرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد دلت الأحداث الأمنية الأخيرة في بورتسودان بين مكوناتها الأهلية على أن هناك ثغرات كبيرة يمكن أن تكون ملاذاً لأي تخطيط فيها لضرب الأمن، فهشاشة الوضع المجتمعي من جراء التهميش الذي ضرب مناطق البجا، والتخريب الذي أحدثه نظام البشير على مدى 30 سنة في تمزيق المكونات الأهلية عبر تسييس القبائل، كل ذلك أثر كثيراً في طبيعة الاندماج الذي هو شرط أساس للحفاظ على الأمن.

كما أن ولاية البحر الأحمر التي تتاخم عبر الحدود كلاً من مصر وإريتريا، والسعودية، بحرياً، تعتبر طبيعتها الجيواستراتييجة تلك، من أهم المحطات التي يمكن من خلالها ضرب الاستقرار، إذا لم يتم الانتباه للحيثية الخاصة بها.

لقد ظل المركز يتعاطى مع الأحداث الأمنية للولاية بطريقة أقرب إلى التساهل منها إلى الحزم (بدليل وجود عناصر مضادة للثورة في اللجنة الأمنية وشرطة بورتسودان لا تزال حتى الآن على رأس العمل)، ونتمنى أن تكون الحكومة قد شرعت في تنفيذ ترتيبات إنشاء مفوضية البحر الأحمر التي صرح بها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لتُعنى بقضايا الاستقرار الاستراتيجي في الولاية.

التداخل الحدودي لبعض سكان الولاية ومكوناتها مع دولة إريتريا ينغي أن يكون في دائرة الاهتمام والرصد من طرف المركز، لأن شرق السودان يمثل بصورة عامة الخاصرة الرخوة لتحديات ثورة ديسمبر (كانون الأول).

حتى الآن، الأحوال هادئة في ولاية البحر الأحمر بعد انحسار الموجة الثالثة من الاحتراب الأهلي التي بدأت مع مطلع هذا العام في يناير (كانون الثاني) الماضي، لكن سيظل باستمرار ثمة مناخ لاستغلال هشاشة الولاية من طرف قوى الثورة المضادة داخلياً، ومن طرف العناصر الخارجية التي تضع عينها دائماً في الحدود الجيوسياسية للولاية، إلى جانب الاستعداد الهش لكثير من مكونات النسيج المجتمعي في بورتسودان، وغياب هوية واضحة للاندماج فيها.

لكل مع تلك المعطيات فإن من الأهمية بمكان، استصحاب وإدراك طبيعة العلاقة الجدلية بين العناصر الجيوسياسية للولاية وبين طبيعة مكوناتها الأهلية في ترتيبات إنشاء مفوضية البحر الأحمر، فقد كشفت الأحداث الأمنية مدى  قابلية استغلال بعض مكونات المدنية نتيجة للكثير من عوامل التهميش التي ضربت الوضع الطبقي لتلك المكونات وأضعفته.

بين إرادة لتحريك ملفات جيوسياسية خارجية تفرضها طبيعة موقع الولاية، وبين مكونات أهلية لديها استعداد هش يحتاج إلى مزيد من متانة نسيجه في الاندماج ووعي المرحلة السياسية الجديدة للثورة، وبين إعاقات مستمرة من قبل الثورة المضادة، سيكون من الضروري جداً التعجيل بإنشاء مفوضية خاصة للبحر الأحمر لقطع الطريق أمام كل من يلعب على تناقضات الوضع في الولاية داخلياً كان أم خارجياً. 

المزيد من آراء