هل تبقى أفريقيا خارج العصر النووي؟

استغلت أراضي القارة للتخلص من النفايات المشعة والسامة

تحتوي القارة الأفريقية على مخزون استراتيجي من اليورانيوم الخام (غيتي)

انتبهت دول القارة الأفريقية مؤخراً إلى عوزها النووي، في الوقت الذي تزدهر النهضة النووية في مناطق أخرى من العالم. وما حفَّز هذا الانتباه هو حرص الدول المالكة للطاقة النووية على تجريد غيرها، من دون أن تظهر أي نوعٍ من أنواع توفير مستوى الأمان وإزالة التهديد الذي تتعرض له أفريقيا وغيرها من الدول غير المالكة، ومن دون أن تراعي ما يمكن أن تؤدي إليه تنمية وتطوير ترساناتها النووية، مقابل تنمية أفريقيا وتطورها بالإفراج عن استخدام الطاقة النووية للأغراض السِلمية.

إنعاش معاهدة "بليندابا"

أن تمتلك أفريقيا المنكفئة على مناطق شدتها، والموغر صدرها بفضل تأثير نزعات الصراع والاحتراب، سلاحاً نووياً ليس بالأمر المستحيل، بالنظر إلى المخزون الاستراتيجي من اليورانيوم الخام القابع تحت أراضيها. لكن تكمن الصعوبة في مواجهتها مع معظم الدول الخالية من الأسلحة النووية، وهي الدول النامية التي تقع في نصف الكرة الجنوبي.

تلعب الولايات المتحدة بورقة السلاح النووي في المعاقبة المُستحقة لدولٍ مثل إيران، وغضَّها الطرف عن دولٍ أخرى مثل إسرائيل، ثم حربها الكلامية الباردة بينها وبين قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين، وذلك أسهم في إنعاش ما جاء به إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية والاتحاد الأفريقي منذ عام 2009، عن بداية سريان "معاهدة بليندابا"، التي تم توقيعها بين 43 دولة أفريقية منذ عام 1999، وتجعل من أفريقيا "منطقة خالية من الأسلحة النووية". ومن أهمّ بنود الاتفاقية أنّها تمنع استعمال أو التهديد باستعمال الأسلحة النووية ضدّ أيّ عضو في المعاهدة وتطلب من الموقّعين أن لا يجروا أو يشجعوا أو يساعدوا على أي اختبار نووي في المنطقة.

الموقف الأفريقي من منع الانتشار

والأمر ليس محكوماً بمبدأ الرشاد السياسي والأمني في استخدام هذه الأسلحة، ولو كان كذلك لما مرّ العالم بالقصف الكارثي والهجوم النووي الذي شنته الولايات المتحدة على هيروشيما وناغازاكي عام 1945، في نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي اعتبرت عصراً نووياً أولاً انتهى مع نهاية الحرب الباردة.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ إحساس أفريقيا بخطورة استخدام تلك الأسلحة يتفاقم، فاتخذت موقفاً واضحاً ومعارضاً، لكنها لم تجد ما يقابله من الدول المالكة للأسلحة والتكنولوجيا النووية حتى على سبيل استخدامها للأغراض السلمية. وفي عام 1959، قامت الدول الأفريقية بالضغط على مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لإصدار قرار يمنع فرنسا من إجراء تجارب نووية في صحراء الجزائر. لكن، عندما استأنفت فرنسا تجاربها النووية هناك عام 1961، قامت الدول الأفريقية رداً على ذلك بمطالبة مجلس الأمن بتبني قرار يحث فيه جميع الدول على أن تعتبر قارة أفريقيا منطقة منزوعة السلاح النووي، وأن تحترم جميع هذه الدول القرار في جميع الأحوال والظروف.

وفي عام 1964، قامت الدول الأفريقية بالإعلان عن موافقتها على التوجه الدولي الرامي إلى حصار الانتشار النووي، في الوقت الذي ذهب ذلك التوجه بخطى واثقة نحو العصر النووي الثاني الذي تلى ذلك، واستمر حتى الآن يتأرجح بين ما هو أخلاقي وما هو مُبرّر، وتعززه الوصولية السياسية.

دخلت معاهدة عدم الانتشار النووي حيز التنفيذ عام 1970، وانضمت إليها دول مثل الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، فيما لم توقعها الهند وباكستان وإسرائيل وتراجعت عنها كوريا الشمالية عام 2003. وعليه، فإنَّ معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ملحقة بخمس معاهدات تغطي خمس مناطق بلا أسلحة نووية، هي أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وجنوب المحيط الهادئ وجنوب شرقي آسيا وأفريقيا وآسيا الوسطى.

تعتبر هذه النظرة الأسلحة النووية عنصراً حيوياً تعتمد عليه سياسات القوة وإثبات مكانة الدولة كقوة عظمى، خصوصاً بالنسبة إلى دول صاعدة تنتهج المبدأ الاحترازي الاستباقي مثل إيران وإسرائيل. ومن المفارقات أنّ الدول التي تملك الأسلحة النووية تتبنى أخلاقيات مصطنعة بمنع الانتشار النووي، مثل الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وهناك دول، مثل إسرائيل والهند وباكستان، ترفض الإفصاح عن حجم ما تمتلكه. ودول أخرى لم تصل إلى مبتغاها النووي، مثل كوريا الشمالية.

أفريقيا وسط التجاذبات النووية

إنّ وصول أفريقيا إلى هذا الهدف يعتبر إنجازاً كبيراً، نظراً إلى أنّ جهوداً كثيرة طرحت إبان الحرب الباردة ولكنها باءت بالفشل نتيجة التجاذبات والضغوطات بين القوتين العظميَين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وحتى بعد تحوّل العالم إلى قطبية واحدة، ثم نشوء قوى أخرى تحاول ملء الفراغ الذي تركه الاتحاد السوفياتي نووياً، كالصين وإيران وإسرائيل.

على الرغم من أنّ أفريقيا تسلك الاتجاه الصحيح، فإنّ المخاطر الأمنية التي تفرضها ترسانات الطاقة النووية في بلدان قريبة، مثل إسرائيل وإيران، تظل قائمة. وإن التزمت أفريقيا، فإنّ بقية الدول المالكة لا تزال خطواتها مترددة وخجولة ولا يعلو صوتها إلَّا حين يراد استخدامها كواجهة سياسية زائفة. وإن خلت أفريقيا واقعياً من السلاح النووي فإنّها استُغلت للتخلص من النفايات المشعة والسامة في العالم، لتكون واحدة من أكبر هذه "المكبات"، بالإضافة إلى جنوب شرقي آسيا.

هناك مبدأ أخلاقي يستلزم الأخذ في الاعتبار تهديد هذه الأسلحة لكل البشرية وليس لأفريقيا وحدها. فأن تثار قضيّة السلاح النووي من جهة دول معيّنة بالتركيز على أفريقيا وحدها ولا تثار الأسئلة حول وجوده في دول قريبة تهدد أمن واستقرار المنطقة، يجعل من السيطرة على السلاح النووي سيطرة تمييزية تكيل بمكيالين.

مدى الالتزام

تستمر الدول المالكة للأسلحة النووية في تنمية قوتها من دون أن تدرك أنّ هذا الخيار، الذي تنحاز إليه اليوم وتعمل عليه، يشكّل ما سوف تتركه للأجيال اللاحقة. وبهذا، يصعب عليها التفريق بين أن يؤدي ذلك إلى سلام شامل يعزز البقاء أو دمار كامل يجلب الفناء.

وعندما بدأت أفريقيا تسهم بشكل فعال في عولمة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وفقاً لمعاهدة "بليندابا"، وضعت في الاعتبار أنَّ هذه المعاهدة لن تكون فعالة من دون تعاون مباشر مع الشركاء المؤسسين والدول التي يتوقع أن تقدم إسهاماتها، سواء في الجانب المالي أو الخبرة، كي لا تظلّ أفريقيا حائط صدٍّ للانتشار النووي ومحرومة في الوقت نفسه من الطاقة النووية السلمية.

وفي هذه الحالة، قد لا تنتظر القارة طويلاً قبل أن تكفَّ عن الالتزام بهذه المعاهدة ومبادئها، خصوصاً مع بداية التململ جراء الإهمال والتجاهل المؤسّس على عدم قدرتها على استخدام مخزونها النووي الخام.

المزيد من تحلیل