إرهاصات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

التصويت لصالح الانفصال نوع من الاحتجاج على الهوية القومية التي حددها الجيل الذي ينتمي إليه هذا الناخب أو ذاك

مواطن يلوح بعلمي الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في لندن   (رويترز)

للجمعة المقبلة صدى عميق لدى البريطانيين، فلنصفهم تقريبا، هي صدع عميق في نفوسهم، فحقيقة أن تصبح الجزيرة البريطانية التي ظلت منذ قرون ترفل بعزلتها الرعوية، محمية بأسطولها البحري، فجأة ودون حروب جزءا من أوروبا لما يقرب من ثلاثة عقود، رسخت في أعماق الأجيال الجديدة التي ولِدت خلال عقد الثمانينيات من القرن السابق، وما تلاه، قناعة بأن هذا الواقع قائم منذ الأزل.

إنهم يرون عالما مختلفا عن ذلك الذي عاشه آباؤهم وأجدادهم بشكل كبير، فتلك الحياة التي عاشها أبناء المدن، كانت خالية من كل البهرجة الفرنسية والإيطالية والإسبانية، بما تحفل به من مطاعم ومقاه وطرائق طبخ وموضات وأنواع جديدة من المعمار والفنون.

غير أن التغييرات التراكمية التي جرت خلال فترة طويلة نوعا ما، رافقها قدوم أعداد كبيرة من العمال الأوروبيين، خصوصا من بلدان أوروبا الشرقية، مثل بولندا ورومانيا، ليسهموا في تحسين مئات الآلاف من المباني القديمة، بفضل الأجور المنخفضة التي كانوا يطلبونها، مقارنة بالعمال البريطانيين التقلديين.

كذلك، كان تطور نظام الرحلات القصيرة الأمد، وغياب عوائق الحدود قد فتح هو الآخر الباب واسعا لأعداد كبيرة من البريطانيين الشباب للسفر بانتظام إلى بلدان الشمس مثل البرتغال وإسبانيا، وساعد إنجاز خط السكة الحديد الرابط بين فرنسا وبريطانيا عبر بحر المانش، على جعل الرحلات ما بين باريس ولندن، أقصر من السفر بين مدينتين بريطانيتين تقع إحداهما شرق البلاد والأخرى في غربها.

 

الإيجابيات والسلبيات

كل ذلك كان يحمل في طياته الإيجابيات والسلبيات، فغياب القوانين المقننة لسوق العمل، والتزام المؤسسات الحكومية البريطانية تطبيق قوانين الاتحاد الأوروبي بحذافيرها، سهّل على الكثيرين القدوم من بلدانهم والاستقرار في بريطانيا، والتمتع بعد فترة قصيرة بنفس حقوق مواطنيها.

يقدر أحد قياديي حزب المحافظين المناصرين لبريكست، بأن عدد المهاجرين الذين انتقلوا خلال العشر سنوات الأخيرة من دول الاتحاد الأوروبي بثمانية ملايين شخص، استقرت النسبة الكبرى منهم في لندن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مع ذلك، صوَّتت أغلبية سكان هذه المدينة ضد بريكست في استفتاء عام 2016، فكأن هذا العدد الكبير من العمال الماهرين وأنصاف الماهرين جاءوا ليشاركوا في أكبر مشروع عفوي لإعادة إصلاح المساكن القديمة وتوفير مختلف الخدمات من تنظيف المساكن والفنادق والمكاتب، إلى تبليط الشوارع والعناية بالأطفال وإدارة المطاعم والمقاهي وغيرها، بأجور أقل بكثير مما كان يطلبها العمال البريطانيون من قبل، وهذا ما ساعد أصحاب المشروعات الصغيرة على تخفيض تكاليف القوة العاملة، بوجود هذا الفائض من العمالة الرخيصة، كذلك هو الحال مع أصحاب المساكن، الذين يشكلون جزءا أساسيا كبيرا في بريطانيا مقارنة، ببلدان أوروبا الأخرى، إذ كان توفر مهارة عالية جلبها عمال أوروبا الشرقية معهم بأجور منخفضة جدا، في شتى القطاعات من نجارة إلى بناء إلى سباكة وغيرها، مكنهم من تحديث منازلهم رغم محدودية دخلهم.

وكأن وجود هذا المغناطيس الكبير الذي تمثله بريطانيا في مجال سوق العمل هو الدافع الأساسي الذي دفع بلدانا كثيرة كانت إما جزءا من منظومة الاتحاد السوفييتي أو من تلك السائرة في فلكه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فالكثير من سكان هذه البلدان عانوا طويلا شح السلع الاستهلاكية ومحدودية الخيارات أمامهم، على الرغم من أن بلدانهم وفرت لهم فرصا ممتازة لإتقان حرف مطلوبة في العالم من فروع الهندسة الكهربائية والميكانيكية إلى السباكة والبناء والنجارة وغيرها، وكأن انفتاح الطريق أمامهم لكسب ثروة تتجاوز ما كانوا يحلمون بتحقيقها طوال سنوات حياتهم المهنية، في بلد محدد هو المملكة المتحدة أشبه بتحقق الفردوس الأرضي الذي ظلت أنظمة بلدانهم السابقة تعدهم به.

فعلى عكس كل بلدان الاتحاد الأوروبي الغربية، ظلت بريطانيا متحررة من بيروقراطية الدولة ونقاباتها في السماح للأجانب بالعمل في هذا القطاع أو ذاك، إضافة إلى مدينة مثل لندن يقطنها أكثر من عشرة ملايين، تشكل نقطة تجمع ضخمة للأعمال من شتى أنحاء العالم، مع مدينة مال تحتل الموقع الثاني بعد وول ستريت.

 

معدلات النمو

خلال العقد الثاني من القرن الحالي، بعد تجاوز الانهيار المالي  العالمي عام 2008، كانت كل المؤشرات تدل على تقدم بريطانيا على بلدان الاتحاد الأوروبي في معدلات نمو اقتصادها، فتجنب الدخول في منطقة اليورو، مكنها من تجنب الهزات المالية التي عرفتها بلدان أعضاء في الاتحاد الأوروبي زعزعت بقوة أسسه، وأعطت دفعا للقوى المعارضة له داخل العديد من الدول الأعضاء.

إذن ما الذي دفع 52% من البريطانيين إلى التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي يوم 23 يونيو (حزيران) 2016 على الرغم من معارضة الكثير من رجال الأعمال البارزين والاقتصاديين وكبار المسؤولين في البورصات والمراكز المالية في المدينة التجارية بلندن؟

لعلنا نستطيع الاقتراب من اكتشاف السر، إذا تجولنا خارج العاصمة، في تلك الضواحي النائية التي ما زالت الحياة محافظة على إيقاعها، فالكثير من المدن الصغيرة والقرى في جنوب غربي إنجلترا على سبيل المثال، لا تزال محالها تغلق أبوابها عند الساعة السادسة، وفي بعض منها لا تُفتح محال الجزارة فيها أكثر من ثلاث مرات في الأسبوع، والكثير من الأماكن لا تمر فيها الحافلات إلا مرة أو مرتين في الأسبوع حيث تقل من يرغب من سكانها إلى البلدات الكبرى والعودة عصرا، بعد التسوق وتناول الشاي وقطعة كعك فيما يعرف بـ"غرف الشاي" (تي  رومز)  أو احتساء كأس من البيرة في "الدار العامة" (ببلك هاوس).

بشكل عام، ظلت البلدات والمدن الصغيرة في شمال شرقي إنجلترا ووسطها وجنوب غربها محافظة على الحياة الرعوية التي ما زال بالإمكان تلمس بصماتها في روايات جين أوستن من القرن التاسع عشر، حياة يحدد إيقاعها الطقس المتقلب والاهتمام الكبير بالحدائق، والذهاب المنتظم إلى الدار العامة (البب) المغطاة أرضيته بالسجاد والمغلفة نوافذه بستائر سميكة على الرغم من عتمة الخارج.

وفي هذا العالم المعزول عن الغرباء، يصبح بروز أي منهم ظاهرة تثير الفضول، ولعل ظهور عدد كبير منهم فجأة سيثير الشك المستبطن في أعماق الكثير من سكانه. 

على العكس من هذه الحال السكونية، راحت لندن منذ بدء التسعينيات تتخلى عن تقاليد "التحفظ" في العيش، المتجسدة بأطعمة متواضعة أغلبها يباع في معلبات، أو ارتياد المقهى المتخصص بالفطور الإنجليزي التقليدي وشاي الأكياس بالحليب، لتتبنى بدلا عن ذلك تقاليد الحياة الأوروبية الباذخة، وتتزايد فيها أعداد المطاعم والمقاهي الأنيقة ذات العلامات المشهورة مثل كوستا وستاربك وغيرها كالفطريات في كل مكان، وأصبحت لندن تنافس باريس على سبيل المثال بصناعاتها الترفيهية من طبخ وأزياء وموضة.

وبفضل دخول شركات البناء وأنماط فن العمارة الأوروبية فيها، بدأت ملامح المدينة تتغير، فشبكة النقل تحت الأرض (المترو)، التي كانت ذات يوم تنتمي فعلا إلى القرن التاسع عشر تحولت تدريجيا لتصبح أوروبية بكل معنى الكلمة، والمناطق الكثيرة التي كانت تشبه أطلالا تنتمي إلى العصر الفيكتوري بدأت تختفي لتحل محلها عمارات ذات واجهات زجاجية، وأكثر الأمثلة الصارخة هو تحول خرائب منطقة كناري إلى مدينة أعمال عصرية بعماراتها وأسواقها ومطاعمها الشعبية الأنيقة.

 

الاحتجاج والهوية

إذن فكأن التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي هو نوع من الاحتجاج القوي على الهوية القومية، أو إذا جاز القول على الهوية القومية التي حددتها الطبيعة الجغرافية للمنطقة والجيل الذي ينتمي إليه هذا الناخب أو ذاك.

فقد اتضح من الإحصاءات أن تصويت الشباب تحت سن الخامسة والثلاثين لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي كان هو السائد في حين أن التصويت لصالح الخروج منه استقطب أولئك الذين تتجاوز أعمارهم سن الستين.

وهذا يكشف الانشقاق العميق داخل المجتمع محددا بالسن.

في مقابلة مع امرأة في سن الثمانين تنتمي إلى مجموعة من حزب المحافظين، قالت قبل إجراء الانتخابات الأخيرة بفترة قصيرة، إن الخروج من الاتحاد الأوروبي سيكون انتصارا يعادل الانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية.

ولعل هذا الرأي يجسد ذلك الخوف العميق من أوروبا، فمنذ هزيمة الأسطول الإسباني أمام نظيره الإنجليزي عام 1588 في عهد الملكة إليزابيث الأولى، عاش البريطانيون شعورا عميقا بالأمن الداخلي وحرية الحركة والتنقل داخل حدود الجزيرة المحمية بقوة أسطولها، من دون أي خوف من غزو أوروبي محتمل.  

في أواخر القرن التاسع عشر، كانت التكنولوجيا وصلت إلى المستوى الذي يمكنها من حفر نفق يربط بين طرفي بحر المانش، لكن المشروع لاقى معارضة كبيرة داخل بريطانيا، حتى بين العديد من الوجوه الليبرالية المشهورة آنذاك.

ولم يتحقق هذا المشروع إلا بعد قرن تقريبا حين بدأ مشروع الاتحاد الأوروبي يظهر إلى الوجود على شكل تشكيلة عرفت آنذاك باسم "المجموعة الأوروبية".

ولعل هذا الموقف من أوروبا انعكس بين النخبة السياسية نفسها، فبين صفوفها هناك أقلية تشعر بانتماء بلدها إلى أوروبا ثقافة وتاريخا، يطلق على أفرادها "المهووسون بأوروبا" (يوروفايلز)، أما أولئك الذين يقفون ضد الاندماج بأوروبا فيطلق عليهم اسم "المتشككون بأوروبا" (يورو سكيبتكس).

لكن هل هذا الانشقاق العمودي متحدد بفارق السن فقط؟

اليوم ومع الاقتراب من الخروج الرسمي من الاتحاد الأوروبي، تناصر اسكتلندا بأغلبية تزيد على الـ70% البقاء فيه، وإذا كانت نتيجة التصويت لصالح البقاء ضمن المملكة المتحدة في اسكتلندا جاء لأسباب اقتصادية محضة في استفتاء الاستقلال الذي جرى عام 2014، بنسبة قليلة لا تزيد على 11%، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذه الجمعة سيوقظ جمرة الانفصال بشكل أقوى مقابل الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي الذي يبلغ عدد سكان دوله حوالي 450 مليون نسمة، مما سيفتح فرص عمل كبيرة للاسكتلنديين،  وبهذا يحتلون الفراغ الذي ستتركه بريطانيا وراءها.

إذا كان رئيس الوزراء الجديد بوريس جونسون رفض السماح باستفتاء آخر لاستقلال اسكتلندا مثل رفضه إجراء استفتاء آخر حول بريكست، فإن الإرادة الشعبية التي ستتجمع مثل تجمع زخم إعصار عاصف في اسكتلندا ستنتهي بفقدان المملكة المتحدة أحد أركانها الأربعة.

أما الركن الآخر المهدد بتفجر نزاع من جديد فهو آيرلندا الشمالية، فالجراح لم تلتئم تماما بين الطائفتين الكاثوليكية والبروتستانتية، إذ لم يمض على "اتفاق بلفاست" أكثر من 21 سنة، وكان وجود جمهورية آيرلندا والمملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي عنصرا أساسيا حقق للطائفتين حلا وسطا ما بين الانتماء إلى جمهورية آيرلندا كما تطمح الطائفة الكاثوليكية والبقاء ضمن المملكة المتحدة كما تريد الطائفة البروتستانتية. فإذا نصبت الحواجز على الحدود الفاصلة مرة أخرى في جزيرة آيرلندا بين شمالها وجنوبها فقد يؤول ذلك إلى عودة حرب أهلية استمرت لأكثر من 30 سنة.

 

صخرة سيزيف

لقد أصبحت علاقة بريطانيا بأوروبا أشبه بصخرة سيزيف، في الأسطورة الإغريقية، فعقوبة الأخير بأن يعيد حمل الصخرة إلى قمة الجبل وسقوطها مرة أخرى إلى قاعه، لا حل لها، خصوصا حين تفرض أغلبية ضعيفة إرادتها على أقلية ضخمة، دون إيجاد تسوية معها، فإن جمرا تحت رماد المعركة يهدد بالاشتعال مرة بعد أخرى.

ولعل السؤال المطروح على رئيس الوزراء الحالي الذي استغل مشاعر المتشككين بأوروبا عاطفيا وتمكن بفضل أخطاء المعارضة الكبيرة من تعزيز سلطته في البرلمان هو التالي: كم هو جادّ فعلا بالخروج التام من الاتحاد الأوروبي، وتجاهل أجيال تربت على ثقافة الانتماء إلى أوروبا؟ وهل الشعبوية أكثر من وسيلة للوصول إلى الحكم وإشباع غريزة امتلاك مقاليد السلطة؟

لعل الأشهر القليلة المقبلة ستكشف لنا طعم الفوز الحقيقي بالانتخابات العامة الأخيرة أكثر من ذلك الذي تذوقه بوريس جونسون فور الإعلان عن نتائجها. 

المزيد من تحلیل