"شرف آل بريتزي" لجون هستون: ... وما أدراك ما العائلة!

على خطى "العراب" ولكن على الطريقة الساخرة

مشهد من فيلم "شرف آل بريتزي"

منذ حقق فيلم "العراب" (من إخراج فرانسيس فورد كوبولا)، بأجزائه المتتالية وبخاصة جزأيه الأول والثاني ذلك النجاح الأسطوري الذي أوصله إلى تحقيق أرباح خيالية في وقت كان ارتياد الصالات يبدو وكأنه يلفظ أنفاسه، في سبعينيات القرن العشرين، راحت الأستديوهات الأميركية الهوليوودية الكبرى تتزاحم للحصول على مواضيع ومشاريع مماثلة له. صارت المافيا على الموضة وإن كان قد حقّ للمؤرخين والنقاد الأكثر جدية أن يفترضوا حينها أن ذلك العمل الذي سرعان ما أضحى ثلاثية سينمائية متكاملة، كان فيلما عن العائلة وأميركا حتى بأكثر مما هو فيلم عن المافيا. هو عن المافيا في ظاهره الحدثي فقط أما في باطنه فكان أكثر من ذلك كثيرا. ولكن هل هذا مهمّ حقا طالما أن المافيا موجودة في الفيلم تتصدر أحداثه وتقدم لمئات ملايين المتفرجين حياتها من الداخل؟ لا يهم، فبالنسبة إلى هوليوود كل شيء مباح ومتاح طالما أن المسألة سوف تنتهي أرقاما في أرقام وعند شباك التذاكر.

في نظرة أخرى

وهكذا راحت الأفلام تُحقق مليئة بالدماء والرصاص والخيانات والعلاقات والجرائم الفردية والجماعية و... الدولارات. وراح كبار السينمائيين يدلون بدلوهم وكذلك كتاب القصص والسيناريوهات باحثين عن حكايات حقيقية وشخصيات كان التاريخ الراهن قد طواها. وراحت الأفلام تهبط في مستواها اللهم إلا حين كان يُقيّض لها سينمائيون من طينة سيرجيو ليوني أو مارتن سكورسيزي، فتتبدل الصورة ويعلو المستوى.

وفجأة في خضم ذلك الزحام والتفاوت في القيمة دُهش كثر حين قام المخرج المخضرم آنذاك، جون هستون أحد عمالقة هوليوود في القرن العشرين، ليتنطح لتحقيق فيلم كان واضحا منذ عنوانه أنه عمل جديد عن المافيا. وكان مصدر الدهشة أن هستون الذي اعتاد التصدي لأمهات النصوص الأدبية لاقتباسها وهي الحاملة تواقيع هرمان ملفيل أو إرنست همنغواي أو تنيسي ويليامز أو مالكولم لوري أو لاحقا جيمس جويس أو حتى جان – بول سارتر (في مشروع عن فرويد أُجهض تعاون سارتر فيه، لكنه حُقّق عن حياة فرويد)... هستون هذا لم يكن من النوع الذي يتبع الموضة ويسير في ركاب النجاحات السهلة التجارية. بيد أنه كان على المعترضين يومها أن يشاهدوا ذلك الفيلم الذي حققه جون هستون ليكون إنجازه ما قبل الأخير، بعنوان "شرف آل بريتزي" قبل أن يُطلقوا أحكامهم.

فالحقيقة أن هستون الذي كان يومها في التاسعة والسبعين، ولم يكن ليضيره أن يجعل للفيلم الذي نتناوله هنا، مكانة بين فيلمين أخيرين حققهما في آخر أيام نشاطه السينمائي، "تحت البركان" (1984) عن رواية لاوري بنفس الاسم والتي كانت مشهورة بكونها لا تؤفلم، ففعلها هستون وبنجاح، ثم "الميت" (1986) عن قصة قصيرة من مجموعة "أهل دابلن" لجيمس جويس الذي كان ويظل معروفا بصعوبة أفلمة نصوصه هو الآخر. ففي العام 1985 فاجأ هستون محبي سينماه بفيلمه "المافيوزي" ولم يبد عليه أنه خذلهم وخذل توقعاتهم الدائمة منه. فصحيح أن الفيلم كان عن المافيا وصحيح أنه مليء بالأحداث والشخصيات والخيانات واللقاءات الصاخبة والرصاص القاتل، بما في ذلك العائلة التي هي عماد كل فيلم عن المافيا سواء كان ذلك بمعنى "العائلة" المافيوزية، أو العائلة الحقيقية دون معقوفتين. غير أن هذا كله أتى في "شرف آل بريتزي" على طريقة هستونية شديدة الخصوصية دعمها وجود الممثل جاك نيكلسون بأسلوبه الساخر المعهود والذي عُرف به والذي سيقول هستون لاحقا أنه ما كان من شأنه أن يحقق الفيلم لو لم يقبل نيكلسون لعب البطولة فيه. لماذا؟

أشبه بتحقيق سينمائي

ببساطة لأن الفيلم بدا في نهاية المطاف وكأنه تحقيق سينمائي عن ممثل عبقري – هو نيكلسون هنا طبعا – يحاول أن يكون "بطلا مافيوزيا ساخرا من كل الأبطال المافيوزيين". ففي هذا العمل الذي لا يُشعرنا ولو لحظة أنه يأخذ موضوعه والقتلة والقتلى على محمل الجدّ، في هذا العمل الذي لا تبدو فيه العائلة – آل بريتزي من الدون رأس الهرم، إلى الإخوة المتراصّين والإخوة الأعداء والإخوة المتقاتلين غيرة وحسدا...الخ – عائلة بالمعنى الذي يبدو كناية عن تركيب الأسرة الأميركية ومن ثمّ تركيبة أميركا نفسها، كما الحال في "العراب" مثلا؛ كذلك لسنا أمام أسرة مفككة كما قد تبدو عند تنيسي ويليامز، أحد كتاب هستون المفضلين. العائلة هنا هي محور الفيلم مجتمعة وتحت سلطة ربها الأعلى، لكن كل فرد منها يبدو وكأنه يسخر من الآخر؛ يبدو وكأنه يحاول أن يجعل من الآخر كاريكاتورا لفرد في عائلة من ورق. وفي هذا الإطار يبدو العنوان بالغ الفصاحة في إلحاحه على "شرف" تلك العائلة. ولكن ما حكاية هذا الشرف؟

حكايته بكل بساطة أن القاتل المأجور تشارلي (نيكلسون) الذي أتى من خارج العائلة ليضع نفسه في خدمتها، يتعرف في المشهد الإفتتاحي الذي هو مشهد احتفال - كما في "العراب" (عرس هنا مقابل عيد ميلاد وعمادة طفل هناك)، على الحسناء إيرين ليشكلا منذ تلك اللحظة ثنائيّ الفيلم الأساس في علاقة تقوم بينهما ولكن على كل ضروب سوء التفاهم التي تقود حينا إلى مقتل زوج إيرين الحقيقي في وقت يكتشف فيه تشارلي حينا آخر أن حبيبته ليست في الحقيقة سوى قاتلة مأجورة بدورها لينتهي به الأمر في نهاية الفيلم إلى تصفيتها بدورها صونا لـ... شرف آل بريتزي. وفي خضمّ ذلك تتوإلى الخيانات واللقاءات وتتصاعد إلى الذروة ضروب سوء التفاهم والتقدير بين الإخوة أنفسهم من آل بريتزي، ومن بينهم مايروز (جسيكا هستون إبنة المخرج التي ستكون الوحيدة الفائزة بجائزة كبيرة عن دورها في الفيلم الذي رُشّح مع ذلك لعشرات الجوائز فلم يحظ بها) التي ستحل في العلاقة مع تشارلي بديلة لإيرين بعدما تُقتل هذه الأخيرة بضربة سكين من جانب تشارلي إذ كانت تحاول إغتياله!.

تتويج تاريخ ما...

طبعا لن يكون من الممكن في هذا السياق هنا الإمعان في سرد ما يحدث حقا في هذا الفيلم الذي لو حُقّق في أيامنا هذه لخيّل إلى المتفرجين أنه من كتابة وإخراج الأخوين كون اللذين كثيرا ما صرحا بأن هذا الفيلم كان مدرسة سينمائية حقيقية لهما، ليس طبعا في مجال لغته الفنية التي تغلب عليها كلاسيكية لم تعد مستساغة كثيرا في أيامنا هذه، ولكن في مجال القدرة على "إعادة تدوير" نوع سينمائي والإشتغال على نوع جديد يتسم بقدر من السخرية كبير، ولا سيما نوع سينمائي كان جديدا في ذلك الحين ويكاد عمره أن يكون من عمر الجزء الأول من العراب ومحاولات سكورسيزي الأولى في سينما النوع (من "شوارع خلفية"، إلى "كازينو" مرورا بتحفته "فتية طيبون" التي أوصلته قبل شهور من الآن إلى تحقيق تحفته الجديدة "الإيرلندي"، بيد أن هذا موضوع آخر طبعا) فما يهمنا هنا هو تلك الانبعاثة الشبابية التي تمثلت لدى جون هستون في آخر حياته منعكسة في فيم خادع بدا للوهلة الأولى وكأنه يخرج عن سياق سينماه الكبيرة لينتهي به الأمر وقد بات يُعتبر من كلاسيكيات السيما الأميركية، بل أكثر من هذا، وصية من مخرج أتى ليقول جديدا، بعدما جرّب حظه، بنجاح لا شك فيه، في تصديه السينمائي لكتب كبيرة بل حتى لنصوص كتبها له أدباء كبار من طينة آرثر ميلر ("المنحرفون" الذي كان آخر أفلام مارلين مونرو وكلارك غايبل ومونتغمري كليفت تباعا) وتنيسي ويليامز ("ليلة الإيغوانا") دون أن ننسى تحفا مثل "أدغال الإسمنت" وبوليسيات رايموند تشاندر وبخاصة "الملكة الإفريقية" وغيره...

المزيد من ثقافة