النظام العالمي يستحق الإنقاذ... لكن دافوس ليس الحلّ

ما نعلمه علم اليقين هو أنّ الناس لا يحترمون التغيير الآتي من رأس الهرم بناء على قرارات نخبة متقوقعة

منتدى دافوس وضع أرضية النمو العالمي منذ مطلع السبعينات فهل ينجح بعد 50 عاما بحماية الليبرالية واقتصاد السوق بعصر الكساد والشعبوية؟ (رويترز) 

إن ظننتم أنّكم لن تروا يوماً بيل غايتس وغريتا ثنبرغ وويل آي آم مجتمعين داخل غرفة واحدة، ما عليكم سوى الإنتظار حتى يحلّ يوم 21 يناير (كانون الثاني) حين يلئتم المنتدى الإقتصادي العالمي. إذ تعقد "المنظمة الدولية للتعاون بين القطاعين العام والخاص" اجتماعها الأسبوع المقبل في منتجع دافوس السويسري للتزلّج، بمشاركة 3000 شخص من "ألمع وأفضل" الشخصيات العالمية من أجل مناقشة المشاكل الطارئة التي تواجه العالم حالياً.

وسوف يستكمل الحوار ليلاً خلال حفلات استقبال تحضرها أبرز شخصيات المجتمع حيث من المتوقع ظهور أشخاص مثل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ومؤسس شركة هواوي رين زنغفاي.

في زمن تبدو فيه مشاكل العالم تعجيزية – بدءاً بالكوارث المناخية ووصولاً إلى انهيار النظام العالمي المتعدد الجوانب- لا شكّ أنّ دافوس يشكّل فرصة ضرورية كي يفكّر الجميع معاً ويتوصّلوا إلى بعض الحلول العمليّة القابلة للتطبيق.

 لكن للأسف، هذا ليس ما ينتج عن دافوس. فمنتدى دافوس ليس أرضاً خصبة للتغيير الذي يريده كثيرون. لماذا؟ لأنّ الشعوب لن تشارك فيه.

فعلى كلّ من يرغب بالحضور أن يحصل على دعوة أو أن يدفع رسم "عضوية" في المنتدى يزيد عن 600 ألف دولار، مما يجعل المناسبة حفل تعارف لا أكثر بين المدراء التنفيذيين وفرصة لهم للضغط على الزعيم العالمي الذي يختارونه. لكن إن تعلّمنا أيّ درس من العام 2019 فهو أنّ عدم الإستماع إلى صوت الشعب يؤدي إلى حدوث ردّ فعل ضدّ المؤسسات الليبرالية.

خرج المتظاهرون إلى الشوارع في كافة أرجاء العالم مطالبين حكوماتهم بالمزيد- إما بتغيير في القيادة أو بإصلاح ديمقراطي أو بتخفيف الأعباء المعيشية. وأظهرت قوّة الشعوب المجرّدة حول العالم للزعماء أنّه إن لم يصغوا، فلن تنجُ حكوماتهم. واستجاب الذين فهموا هذه النقطة وفقاً لها: فانتصار بوريس جونسون الإنتخابي الساحق في ديسمبر (كانون الأوّل) يعود إجمالاً إلى وعده بـ"الإنتهاء من تنفيذ بريكست"، بعد أكثر من ثلاث سنوات على تصويت الرأي العام لصالح الإنسحاب من الإتحاد الأوروبي.

ويزعم المدافعون عن التجمع السنوي في دافوس أنّه "يوفّر منتدى يمكن من خلاله مجابهة السلطة بالحقيقة" وربما يكونون على حقّ إلى حدّ ما. فغريتا ثنبرغ ستحضر الإجتماع وقد وعدت أن تقول لزعماء العالم أن "يتخلوا عن الإقتصاد القائم على الوقود الأحفوري". وسوف تطرح حلقات النقاش سؤالاً حول "سبل تغيير شكل الإقتصاد كي يعود النمو بالنفع على الأغلبية وليس الأقلية فقط".

عدا عن السخرية في فرض رسم يبلغ عشرات آلاف الجنيهات الإسترلينية لقاء حضور فعالية تحمل عنوان "اقتصاد أكثر عدلاً"، يضلّ المؤتمر الطريق كلّياً.

 لا يريد الناس التغيير الخارج من غرف مغلقة ومن مناقشات لا يملكون ما يكفي من المال أو الشهرة كي يشاركوا فيها. وُلدت الهجمات على النظام العالمي المتعدد الجوانب خلال السنوات القليلة الماضية من قلّة الشفافية والمساءلة الديمقراطية التي أنتجتها عمليّة العولمة.

وهذا ما استغلّه الزعماء الشعبويون أمثال دونالد ترمب، مطلقين مسيرة التراجع من العولمة والإبتعاد عنها. لكنهم ليسوا سبب انهيار النظام العالمي- بل عوارضه فقط.

ووفقاً لما قالته كايت آندروز في فعالية لمجموعة السياسة الخارجية البريطانية "إن ظننتم أنّ دونالد ترمب مسؤول عن المشاكل التي تواجه الديمقراطيات الليبرالية فأنتم تبالغون في تقديره. تواجه الديمقراطيات الليبرالية مشاكل كثيرة فرزتها هي".

واجتماع دافوس من عوارض هذه المشاكل وهو يوضح تماماً وجهة نظرها. فقد اكتشف عالما الإجتماع في جامعة ستانفورد آرون هورفاث ووالتر باول أنّه حين تحاول النخبة حلّ المشاكل العامة على انفراد، يمكن أن يُحدث ذلك خللاً في النظام الديمقراطي حيث تزاحم المبادرات الخاصة القطاع العام، وهو ما يقلّص بدوره الشرعية والفعالية إذ تستبدل "الأهداف المدنية بالإهتمامات الضيقة المحصورة بالفعالية والأسواق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتركّز جلسات دافوس بالفعل على الإبتعاد عن الحلول العامة والإقتراب من الحلول الخاصة على شاكلة "استبدال الدعم الحكومي بالحوافز البيئية" أو "الجانب التجاري في الحفاظ على الطبيعة".

لكن ما بيّنه لنا المشاركون في الإعتصامات المناخية خلال العام 2019 هو أنّ ما تريده الشعوب هو عمل واسع النطاق حول تغيّر المناخ تقوده الحكومات وليس تراجعاً للعمل الحكومي.

في مقاله حول حلّ النخبة للمشاكل "الرابحون يأخذون كلّ شيء" (وينرز تايك أول) كتب أناند غيريداراداس "إن الإجابة الواضحة على السؤال الكبير ’إلى أين؟‘ هي: إلى وجهة مختلفة عن تلك التي سرنا باتّجاهها حتى الآن، بقيادة أشخاص مختلفين عن أولئك الذين قادونا إلى الآن". هو محقّ.

يستحّق النظام العالمي المتعدد الجوانب الإنقاذ. كما أنّ المسار الدبلوماسي والمنتديات الدولية طرق ضرورية من أجل معالجة مسائل تغيّر المناخ والحروب وغيرها من المخاطر الدولية. ويسهّل النظام الدولي القائم على القوانين التجارة والسفر وغيرها من المصالح العامة. وعلى هذه المنتديات أن تتحلى بالشفافية وبالإنفتاح لكن- منتدى دافوس ليس كذلك.

إن أراد قادة العالم حماية مؤسساتنا والنظام العالمي وبالأخير مواقعهم الفردية، عليهم التخلّي عن دافوس والبدء بالإصغاء إلى الشعوب قبل فوات الأوان.

( فلورا هولمز باحثة في "مجموعة السياسة الخارجية البريطانية"  )

© The Independent

المزيد من آراء