عوالم الشعوذة في المغرب... "شمهروش" و "قنديشة"

تتحدث الأسطورة عن امرأة حسناء تُدعى "عائشة قنديشة" ابنة ملك الجان تفتن الرجال بجمالها

ارتبطت ظاهرة الشعوذة بالحضارات القديمة "البابلية والإغريقية والفرعونية"، وبأسماء البلدان المتقدمة كأميركا وأوروبا وآسيا، في حين يعود تاريخ الظاهرة في المغرب إلى زمن الفينيقيين والرومان، مروراً بالسلالات التي حكمت المغرب، الى أن أصبح من أكثر الشعوب التي ألصقت به تهمة انتشار الشعوذة بين أفراد مجتمعه.

يٌجمع عدد كبير من علماء الاجتماع في المغرب على أن موضوع الشعوذة يصعب وضع حد له بشكل سريع، فالأمر يتعلق بموضوع ضارب في عمق التاريخ المغربي وبمعطى بنيوي للمجتمع. إن كنت تبحث عن دواء لـ "درء النحس" أو تريد السيطرة على الحبيب، أو النجاح في وظيفة، أو إنجاب طفل، أو علاج مرض، فما عليك سوى التوجه إلى "الشوافة" أو "الفقيه" (قرّاء الطالع أو مَن يدعون معرفة الغيب والمستقبل).
 
"الحاج ابراهيم"
يملك "الحاج براهيم " في مدينة طنجة (طنجة البالية)، منزلاً من غرفتين، واحدة شبيهة بغرفة الانتظار وأخرى يستقبل فيها زبائنه. لا تقتصر أعماله على إبطال السحر وإنما أيضاً على قراءة الطالع أو ما يُسمى بـ "الفال" أي ما ينقله إليه "الأجواد" (الجن) عن مصير الزبون ومستقبله.
يجلس على زريبة من جلد أحد الحيوانات محاطاً بشموع طويلة ملونة، واضعاً بجانبه أدوات يعتقد أنها تفسخ أو تبطل الشعوذة، إضافة إلى لدون (رصاص) وحناء ودخان بخور متصاعد وأعشاب مختلفة. لم يجد مانعاً من التحدث إلينا إيماناً بـ"عمله الصادق"، الذي يقول إنه ورثه من أجداده، لكنه يطلب منك أولاً إلقاء التحية "التسليم" على أصحاب المكان على حد تعبيره. يقول الحاج ابراهيم إن زبائنه من كل الطبقات والفئات العمرية، حتى من السياسيين الذين يزيد إقبالهم على منزله خلال الانتخابات والأزمات السياسية.
 
 
الوصفات السحرية بطلتها "مخ الضبع"
في محل العطّار "بو جمعة" يلفتك جلد الثعبان ورأس الثعلب وريش الحمام وأشياء أخرى يتم تخزينها مثل لسان الحمار أو قطط محنطة.
يقول "بو جمعة" إن وصفات الشعوذة تختلف باختلاف الغرض المراد تحقيقه، بخاصة في ما يتعلق بـ"السحر الأسود"، (الذي يُفترض أن يسبب ضرراً بالشخص المستهدف). وتلجأ بعض النساء إلى إعداد خلطات سحرية في وجبات الأكل بواسطة أعضاء الحيوانات مثل "لسان حمار" أو "مخالب طيور" تقدمها للزوج، بهدف تطويعه لأوامرها أو إبعاده من إغراء الجنس اللطيف.
يشرح بو جمعة أن "الضبع" يبقى الحيوان الأكثر طلباً والأغلى ثمناً في سوق الشعوذة، إذ يصل ثمن جزء صغير منه إلى نحو 12 ألف دولار أميركي، وغالباً ما يطلبه أصحاب المناصب العليا بهدف الحفاظ على أماكنهم وامتيازاتهم.
 
عوالم "الجن والأسياد والقرابين"
يُعتبر المغرب من أشهر دول العالم التي تنتشر فيها الشعوذة، حتى أنها باتت وجهة أساسية لكل مَن يريد أن يلتقي محترفي تلك الممارسة أو التخلص من آثارها.
في ضواحي مدينة مراكش، قرية سياحية تبعد من المدينة حوالي 70 كيلومتراً، يقصدها السياح الأجانب كما المغاربة، تُعرف بتساقط الثلوج حتى في شهر مايو (أيار) وتشكّل نقطة عبور لكل مَن يشدّ الرحال نحو قمة جبل "توبقال" الذي يصل ارتفاعه إلى حوالي 2500 متر عن سطح البحر، هناك أعلى محكمة للفصل في قضايا الإنس والجن وفق الموروث الشعبي.
 
 
من هو "سيدي شمهروش"؟
ضريح "شمهروش" (مرقد ملك الجن حسب الخيال الشعبي) مكان شهير يقصده زوار كُثر من داخل المغرب وخارجه، مقتنعين بأن زيارة المكان تخلصهم من الجن ومن الأرواح الشريرة التي تسكنهم. يتحملون عناء الرحلة وصعوبتها مُحمّلين "بقرابين وهدايا" لطلب الشفاء.
"ضريح شمهروش" هو عبارة عن صخرة ضخمة مطلية باللون الأبيض، إلى جانبها مسجد صغير بصومعة متواضعة تحيط به أسراب الغربان المسكونة بالأرواح، بحسب المعتقدات الشعبية.
بات "سيدي شمهروش" الذي يُعتقدُ أنه "يترأس جلسات قضاة الجن للنظر في النزاعات بين الجن والإنس"، محجاً لزوار من كل الفئات، فقراء وأغنياء، منهم مَن يمضي فيه ليلةً واحدة ويعود أدراجه ومنهم مَن يمكث أسابيع وأشهراً، حتى سنوات، في انتظار الشفاء وفق القائم على المكان.
تروي "سكينة" وهي صاحبة محل للحلاقة في مدينة طنجة عن تجربتها، فبعد أن زارت كل العيادات والمصحات الطبية «اقتنعت» بأن المرض الذي أصاب أخاها ليس له علاج طبي. تقول وفي عينيها علامات ارتياح، إنها زارت "ضريح شمهروش" قبل سنة تقريباً وبفضله شُفي أخوها. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تضيف أن "المكان رهيب وما إن تدخله حتى تشعر بالارتياح". وتُعتبر سكينة واحدةً من المغربيات اللواتي فقدن الثقة بالعلاج الطبي بعدما وجدن ضالتهن في "الخرافات".
ويعتقد زوار «ضريح شمهروش» أنه يُمثل "حِكمة ربانية، وهو مقام مقدس اختاره الله ليتبرك الناس به"، و"كل مَن يأتي إليه طالباً إنصافه يأخذ حقه كاملاً، وما عليه إلا الصبر".
 
الأسطورة عائشة "قنديشة"  
أما "عائشة "قنديشة" فهي إحدى أكثر شخصيات الجن شعبية في التراث الشعبي المغربي. تتحدث الأسطورة عن امرأة حسناء تُدعى "عائشة قنديشة"، ابنة ملك الجان، تفتن الرجال بجمالها وتستدرجهم إلى وكرها، حيث تمارس الجنس معهم ثم تقتلهم فتتغذى من لحمهم ودمائهم، إلا أنها تخاف من شيء واحد هو اشتعال النار أمامها.
الأسطورة "عائشة "قنديشة"، كتب عنها عالم الاجتماع الفرنسي - المغربي الراحل بول باسكون في كتابه "أساطير ومعتقدات من المغرب". يروي كيف أن أستاذاً أوروبياً لمادة الفلسفة في إحدى جامعات المغرب، كان يَعدّ بحثاً عن "عيشة قنديشة" فوجد نفسه مضطراً إلى احراق كل ما كتبه حولها وتوقيف بحثه ومغادرة المغرب، بعدما تعرض لحوادث عدة غامضة ومتلاحقة.
 
ظواهر الشعوذة

بينما لا يزال البحث في ظواهر علم الغيب متواصلاً، يبقى الثابت في القضية هو أنها ظاهرة كونية وإنسانية لا ترتبط لا بدين أو عرق أو معتقد. وبين إشكالية الخرافة والتقليد والممارسات الغيبية يصعب الاتفاق مع الذين تصلبت وصُقلت عقيدتهم على الإيمان بسلطة الجن على البشر. ولتفسير هذه "الطقوس التعبدية" التي باتت أشبه ما تكون بعبادة أوثان، يكشف أستاذ علم الاجتماع خالد المصلي أن هذه الممارسات والعادات القديمة ذات الأبعاد الغيبية، التي لم تزل سائدة بين فئات عريضة في المجتمع المغربي، تعود إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية وتداخلها، إضافة إلى أن الموروث الثقافي والشعبي لعب دوراً سلبياً في تكريس هذه الاعتقادات، وأسهم في انتشارها. يضيف المصلي أن الاضطراب والإحساس بالخوف وقلة الثقة بالنفس من العوامل المهمة التي تؤدي بأصحابها إلى اللجوء إلى العرافين والمشعوذين والاستعانة بـ "قدراتهم الخارقة" للترويح عن النفس وتلبية الرغبات "المستحيلة".

 
سياسة المشعوذين
يكتفي المشعوذ لجلب الزبون بمبلغ رمزي مشجع في الزيارة الأولى، ويبدأ في الزيارة التالية برفع "الفاتورة" بذريعة ارتفاع ثمن البخور والمواد التي سيستعملها. هنا لا يتردد بعض المُغرَر بهم من الرجال والنساء، عن دفع ثمنها. وتكون نتائج تلك الأعمال عامةً مدمرة وخطرة أحياناً، فكثيراً ما تقف هذه الثقة العمياء وراء خراب البيوت وحالات الطلاق وربما القتل.
تتعدد مقاصد مَن يلجأون إلى المشعوذين والسحرة، لكنها تجتمع في أن كل هؤلاء "يؤمنون" بقدرة المشعوذ "الخارقة" على قضاء حاجاتهم وتحقيق المستحيل.
موقف القانون
على الرغم من تزايد ضحايا حوادث النصب والاحتيال واستغلال عقول الناس، يُعتبر هذا الفعل مخالفة من الدرجة الثالثة اذ ينص الفصل 609 من القانون الجنائي المغربي في فقرته 35 على أن مَن احترف التكهن والتنبؤ بالغيب أو تفسير الأحلام يُعاقب بغرامة مالية رمزية، وهي عقوبةٌ تبقى في رأي العموم قاصرةً عن الحد من تلك الظاهرة العابرة للقارات.

المزيد من هوايات وغرائب