"ملحمة جلجامش" السومرية: البطل الأول في تاريخ البشر

أذهلت هذه الملحمة التي دُوّنت قبل أكثر من ألف عام من ولادة الملاحم اليونانية العلماء والمؤرخين

مجسّم يصور مشهداً من الملحمة (مواقع التواصل)

حتى وإن كانت الملحمتان اليونانيتيان الأشهر، "الإلياذة" و"الأوديسّا"، ارتبطتا تاريخيا باسم الشاعر هوميروس، فإن ما لا شك فيه أن كثراً على مدى التاريخ الإغريقي تعاقبوا على كتابة صفحات منها وفصولاً، بحيث يصعب القول إن لها مؤلِفاً واحداً وحيداً. فمن السمات الرئيسة للملاحم أنها تُكتب جماعياً وتُصاغ عبر أزمنة وأفكار متنوعة. وتلك في الحقيقة حال ذلك العمل السومري المؤسس الذي وصلنا عبر التاريخ تحت مسمّى "ملحمة جلجامش" وهو مسمّى معاصر لنصّ حمل في أصوله الأولى عنواناً آخر تماماً يمكن ترجمته بـ"هو الذي رأى".

من المؤكد تاريخياً أن الملحمة السومرية هذه سبقت الملاحم اليونانية وغيرها من أعمال فنلندية وربما هندية أيضاً مماثلة، حتى وإن كان ثمة تشابه في الروح إن لم يكن في المواضيع. ففي "جلغامش" ثمة أيضاً حروب وسعي إنساني و"أنصاف آلهة" وضروب حب وصداقة وخداع وصراعات كما هي الحال دائماً. ومع ذلك، ثمة أيضاً انعكاس لأحداث حقيقية، منها الطوفان الذي يَمثل هنا كما حاله في العديد من أساطير وتواريخ الشرق والغرب. ولكن لدينا بشكل أساسي نظرة إلى البطولة الإنسانية، لم يكن لها سابق في التاريخ المدوَّن قبل ذلك. ومن هنا يمكن إعتبار جلجامش أوّل بطل حقيقي في التاريخ تُدوّن مآثره ومساعيه وخيباته ضمن إطار ظروف تاريخية عاشها وأراد أن تكون له يد في صنعها، فنجح حيناً وأخفق أحياناً. تعامل مع عالمه كـ"نصف إله"، لكن الآلهة أفهمته يوماً أن لا وجود لأنصاف الإلهة. فإما أنك إنسان وإما أنك "إله". وفي أحسن الحالات ستكون إنساناً مميّزاً. بطلاً ليس لأنك خُلقت كذلك، بل لأنك سعيت إلى أن تكونه.

لكن جلجامش خُلق ملكاً على أي حال. ويقول لنا التاريخ أنه كان بالفعل ملكاً تاريخياً حقيقياً حكم مملكة صغيرة من الزمن السومري هي أوروك الواقعة ما بين النهرين. ويبدو أن الحجم الصغير لمملكته تناقض مع طموح كبير راح يعتريه منذ نعومة أظفاره فشاء أن يلعب في ملاعب الكبار من دون أن يؤهله لذلك سوى إرادته وثقته بقدرته الكبيرة ونبل مساعيه وأخلاقه. في البداية لم يدرك أن هذه الصفات كلها تؤهله لأن يكون إنساناً مميّزاً وبطلاً ذا شأن ولكن هذا شيء، وأن يكون "إلهاً" على النمط الذي كان سائداً في أزمان ما قبل الأديان التوحيدية، شأن آخر تماماً. وهكذا، من خلال الصراع الذي دار داخل جلجامش، بأكثر من الصراعات التي خاضها، ولِدت تلك الملحمة.

وبولادتها وُلد ذلك النشيد الوطني السومري البابلي والأشوري أيضاً، والذي لن نعدم أن نراه كذلك لدى الحتيين والحوريين وغيرهم من شعوب شرقي البحر الأبيض المتوسط، ناهيك عن أن الإغريق أنفسهم لن يلبثوا أن "يبتكروا" شخصية هراكليوس (هرقل) الذي لن تبتعد حكايته كثيراً عن حكاية بطلنا السومري. إذاً ما ترويه لنا الملحمة هو حكاية ذلك الملك الذي عاش بين القرنين التاسع عشر والسادس عشر قبل الميلاد، وفي زمن الطوفان على الأرجح واتسم بإرادة القتال لمجرد القتال أحياناً، وخوض المعارك المتواصلة والتطلع ليس إلى الفوز فقط بل الى الخلود أيضاً. كان الخلود مسعاه الرئيسي وقوته ودهاؤه وإقدامه، أسلحتَه التي اعتقدها فعالة. وكان عليه طوال الوقت، في تجواله بين الأماكن والأزمنة، أن يحارب بشكل متواصل مدفوعاً، الى جانب طموحاته الشخصية، بتلك الدوافع الأخلاقية التي لا تنضب لديه. ولأنه كان يستشعر في داخله عزيمة لا مثيل لها، لم يقبل أبدا بالنصائح التي كان يسديها إليه الحكماء وأصحاب التجارب. كان يرفض أي مهادنة ويسخر من "الآلهة" لا سيما عشتار، التي وجدت نفسها على الدوام غاضبةً عليه ساعيةً الى هلاكه. لم يأبه لذلك هو الذي كان قرر منذ كان يافعاً أن لحظة مجد واحدة تساوي كل ما على الأرض من كنوز وممالك. وأن الخلود ماثل هناك حيث تتراكم لحظات المجد.
باختصار كان جلجامش ذلك الإنسان الوحيد... لكنه ذات لحظة وجد أن بإمكانه أن يؤمن بالصداقة أيضاً. وهكذا إذ اشتعل الصراع بينه وبين إنكيدو، الشخصية الثانية في الملحمة والبطل الذي لم تكن له على أي حال مواصفات جلجامش، عاد الوئام بينهما وارتبطا بصداقة انتهت بمقتل إنكيدو وبسطور مدهشة تصف الحزن الذي إعترى البطل لموت صديقه والدموع التي ذرفها حزناً عليه. ولم تكن تلك الدموع سوى دليل قاطع على أن جلجامش إنسان لا "إله". لكنه هو لم يؤمن بذلك الدليل بل تابع رحلته الى المجد الأسمى، مصمماً على الوصول إلى الخلود وأتته فكرة – لها أساس في المعتقدات القديمة، فحواها أن الآلهة قد تمنح شيئاً من ذلك الخلود الى أبطال إستثنائيين ولا سيما من خلال علاقة البشر بالطوفان. وبالفعل، انطلق جلجامش في مسعاه معتمداً على ذلك الإستثناء، ووجد نفسه في المراحل الأخيرة التي ستقوده إلى الخلود. ولكن هنا كان لا بد، لكي يكتمل عنصر الفاجعة في الملحمة، ولا يُكتَب للنهاية السعيدة أن تصل الى خاتمتها المنشودة، كان لا بدّ لحادث، بدا أول الأمر تافهاً لا معنى له، من أن يحدث على نحو غير متوقع، واضعاً حداً لطموح ذلك البطل. ذلك الحادث أوصل جلجامش الى القناعة النهائية بأن الخلود لن يُكتب له. حسبه أن يكون حاول، وحسبه أن يكون وصل الى سدة البطولة المطلقة، مؤكداً أن في إمكان الإنسان أن يكون بطل زمانه حتى وإن لم يكن بمقدوره أن يكون أسمى من ذلك.
على الرغم من تبنيه تلك القناعة سيظلّ جلجامش عاجزاً عن تجاوز حزنه الشديد لعدم بلوغه مسعاه الأكبر، لذلك سيعيش منذ ذلك الحين بالغ الشجن ذارفاً للدموع، حزيناً على الخلود الذي انتُزع منه في اللحظة التي كان فيها على وشك أن يعلن انتصاره النهائي على الموت.

هذه الملحمة التي دُوّنت قبل أكثر من ألف عام من ولادة كبريات الملاحم اليونانية - ولم تكن على أي حال، أول ملحمة سومرية، بل الثانية بحسب الإكتشافات الحديثة - لم تُكتَشف إلا في وقت متأخر حيث ظلت طي النسيان لآلاف السنين. ثم حين ظهرت، للمرة الأولى على ألواح في مخلفات قصر الملك آشور بانيبال، أذهلت العلماء والمؤرخين بما احتوته من عناصر تكشف توق الإنسان السومري القديم لتدوين أفكاره وتطلعاته ومغامراته ومساعيه. بل أكثر من ذلك أذهلت الباحثين الأكثر حداثة بما فيها من أبعاد سيكولوجية وعلاقات ومواقف جديرة بالدرس على ضوء أحدث النظريات العلمية. أما من ناحية مسارها، فإن المدهش فيها كونها استبقت معظم الرحلات التي سيقوم بها الملوك والأبطال للوصول الى السعادة المطلقة. وبهذا المعنى قد لا يخطئ الباحثون الذين رأوا دائماً أن ذلك العمل "الأسطوري" المولود من رحم واقع مثبت تاريخياً، كان الرحم الشرعي الذي منه وُلد أبطال وأشرار وصراعات وأحداث وأفكار ملأت ألوف وألوف النصوص المقبلة بما فيها ملاحم اليونان وصولاً الى ألف ليلة وليلة. فهل في الأمر توارد أفكار أم أنه كان ثمة دائماً من اكتشف "جلجامش" قبل الأوان؟

المزيد من ثقافة