حرب ترمب الاقتصادية ضد إيران تتسع... وآثارها مدمرة

العقوبات تستهدف قضم أظافر طهران إقليمياً ومنعها من السلاح النووي

بصرف النظر عما إذا كانت العقوبات الاقتصادية الجديدة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران، تدخل في خانة الرد الانتقامي على الهجمات الصاروخية الإيرانية على قواعد عراقية تضم عسكريين أميركيين، إلا أن اتساع دائرة العقوبات وشمولها قطاعات جديدة وحيوية للاقتصاد الإيراني المنهَك، ستصب مزيداً من الزيت على نار الأزمة في إيران، وقد تحرم النظام من المصادر القليلة التي أبقته على قيد الحياة حتى الآن كما أنها ستقلم أظافر طهران إقليمياً وتحول من إمكانية امتلاكها سلاح نووي. لكن يبقى السؤال الأهم هو: هل ستنجح العقوبات الجديدة في تحقيق ما فشلت فيه العقوبات السابقة؟

هدف بعيد وآخر قريب

تبدو الإدارة الأميركية، وبخاصة وزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الخزانة ستيفن مينوتشين، واثقةً من أن تضييق الخناق على نظام طهران وإن لم يحقق هدفه النهائي أو البعيد في إجبار إيران على الرضوخ والاستجابة للتفاوض مع ترمب من دون شروط مسبقة، فإنه سيحقق هدفاً أقرب، وهو الحد من قدرة إيران على زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط عبر دعمها المتواصل لجماعاتها الوكيلة مثل حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة والميليشيات العراقية في العراق وسوريا وجماعة الحوثي في اليمن.
وبحسب وصف بومبيو، فإن حملة الضغوط القصوى التي تبنتها واشنطن حرمت طهران من مصادر مالية تحتاجها لتعزيز سياستها الخارجية المدمرة، حيث تراجعت عوائد إيران النفطية بنسبة 80 في المئة ولم تعد الحكومة قادرة على استخدام 90 في المئة من احتياطياتها بالعملة الأجنبية، ولذلك يواجه المسؤولون الإيرانيون تحديات حقيقية من حيث الاختيار بين دعم حزب الله وحماس من جهة، وبين تلبية متطلبات الشعب الإيراني كي يعيش الحياة التي يريدها من جهة أخرى.
وترى إدارة ترمب أن العقوبات الجديدة ستضر بقلب الدائرة الأمنية للنظام في طهران حيث تشمل قادة عسكريين بارزين ومسؤولين في الأمن القومي ومنهم غلام رضا سليماني قائد قوات الباسيج التي قمعت المتظاهرين الإيرانيين خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة على تردي الظروف المعيشية، الأمر الذي اعتبرته إدارة ترمب بمثابة إشارة إلى الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة تقف إلى جانب مطالبهم الساعية للحرية، على حد وصف برايان هوك المبعوث الأميركي إلى إيران في تصريحات أدلى بها إلى وسائل إعلام.


وجه الاختلاف

ويشير محللون مختصون بالشأن الإيراني إلى أن العقوبات الجديدة على قطاعات تجارية تختلف عن سابقاتها ولهذا فإنها ستكون عظيمة الأثر على الاقتصاد الكلي الإيراني. وقال الباحث في مركز الدفاع عن الديمقراطيات في العاصمة الأميركية واشنطن، بنهام بن تاليبو، إن "العقوبات لا تستهدف فقط أربع قطاعات غير نفطية مهمة للاقتصاد الإيراني، إنما تستهل طريقاً جديداً للضغط على قطاعات تدر عوائد للنظام الإيراني".
ولا تشمل العقوبات الأميركية الجديدة فقط 17 عقوبة محددة ضد أكبر شركة إيرانية لتصنيع الحديد والصلب، وثلاث شركات أخرى تتخذ من جزر سيشل مقراً لها، وسفينة تشارك في نقل البضائع، وإنما تضم تفويضاً رئاسياً من الرئيس ترمب بفرض عقوبات ضد أي شخص أو كيان أو مؤسسة تتعامل مع إيران في مجالات البناء والتشييد والتصنيع والنسيج والتعدين.
 

تفصيل العقوبات

وأشارت وزارة الخارجية الأميركية في بيان إلى أن النظام الإيراني يستخدم عائداته من صناعة المعادن لتمويل نشاطات تزعزع الاستقرار، ولذلك وقعت الولايات المتحدة عقوبات على شركة بامشيل للتجارة التي تتخذ من بكين مقراً لها وذلك لنقلها 29 ألف طناً من الصلب من شركة إيرانية مصنفة على قائمة الإرهاب.
وتضم الإجراءات الأميركية فرض عقوبات على الأشخاص والشركات التي تبيع أو تنقل إلى إيران بشكل مباشر أو غير مباشر، مواداً خام أو معادن غير مكتملة التصنيع، إذا كانت هذه المعادن ذات صلة بقطاعات الطاقة أو الشحن أو بناء السفن أو أي قطاع في الاقتصاد الإيراني يخضع بشكل مباشر أو غير مباشر لسلطة الحرس الثوري الإيراني مثل قطاع البناء والتشييد.
وتشمل العقوبات الأشخاص والهيئات والمؤسسات المرتبطة ببرنامج إيران النووي، فضلاً عن برامجها الصاروخية والعسكرية بشكل عام.
 

74 من المعادن

حددت الخارجية الأميركية في بيانها قائمة بأسماء المعادن التي تخضع للعقوبات ويُحظر على الأشخاص والمؤسسات والشركات الأجنبية التعامل مع إيران فيها وإلا واجهت عقوبات أميركية، وتشمل هذه القائمة 74 من المعادن الخام أو شبه المُصَنعة، ومن بينها معادن كثيرة تدخل في صناعة القنابل النووية والأجهزة المساعدة، ومن هذه المعادن، اليورانيوم والراديوم والبلاتينيوم والكاديوم والكوبالت والليثيوم والزنك والتنغستيوم والصوديوم والحديد والصلب والفضة والذهب والسيليكون والنيكل والزئبق والبوتاسيوم والقصدير والماغنسيوم والكالسيوم والألمونيوم والنحاس، ومعادن أخرى.
وأشار الأمر الرئاسي الصادر عن البيت الأبيض إلى أن "إيران تواصل دورها كأكبر راعٍ للإرهاب في العالم، كما يهدد النظام الإيراني العسكريين والدبلوماسيين والمواطنين الأميركيين ومصالح حلفاء وشركاء الولايات المتحدة عبر القوة العسكرية والجماعات الوكيلة"، كما أكد على أن "أميركا ستتصدى لهذا السلوك المدمر والمزعزع للاستقرار ولن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


هل من مفاجآت؟

ويرى محللون ودبلوماسيون أن إيران لم تظهر أي إشارة حول استعدادها لتغيير سلوكها في المدى المنظور بسبب الضغوط الأميركية، لكن الوزيرين بومبيو ومينوتشين أكدا أن العقوبات لن تتوقف وستتزايد ما لم تغير طهران سلوكها التخريبي في المنطقة.
وتوقع بنهام بن تاليبو أن "تكثيف الضغط على إيران بشكل سريع، سيُحدث تغييراً هذا العام 2020".
وعلى الرغم من التأثير الضخم للعقوبات الجديدة على الاقتصاد الإيراني إلا أنها تشير في الوقت ذاته إلى أن قائمة الأهداف التي بحوزة الإدارة الأميركية تتضاءل، حيث اعتبر، مدير مركز سياسات الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا الأميركية ريتشارد نيفيو، أن "إعادة فرض العقوبات على شخصيات إيرانية من الذين شملتهم عقوبات سابقة يشير إلى أن قائمة اهداف الإدارة الأميركية ليست كبيرة".
واستبعد هاغار شيمالي، الباحث المتخصص في العقوبات الاقتصادية بالمجلس الأطلسي في واشنطن، أن تُحدث العقوبات الجديدة مزيداً من الألم للنظام في إيران أو أن تدفع طهران نحو التعاطي إيجابياً مع المطالب الأميركية بإعادة التفاوض على الاتفاق النووي من دون شروط مسبقة، وهو ما رفضه النظام من قبل واشترط رفع جميع العقوبات الأميركية أولاً.

آثار مدمرة

غير أن نظرة سريعة على حجم الضرر الذي لحق بإيران والمستوى الذي وصلت إليه أسعار السلع والخدمات والتي تقض مضاجع الإيرانيين، تكشف إلى اي مدى تسوء الأمور في إيران وبانحدار سريع، فعندما وقّعت الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، أُزيلت القيود الخاصة بالعقوبات الدولية وتدفقت الاستثمارات والشركات الأجنبية على طهران، فتحوّل نمو الناتج الإجمالي المحلي لإيران من 1.3- عام 2015 وهو ما يسمى بالنمو السلبي، إلى 13.4 في المئة عام 2016 وفقاً لتقديرات مجلة الـ "إيكونوميست" البريطانية، لكن انتخاب ترمب رئيساً للولايات المتحدة وانسحابه منفرداً من الإتفاق النووي وبدء تطبيق حملة عقوبات الضغوط القصوى ضد إيران اقتصادياً، أعاد إيران إلى سابق معدلاتها الاقتصادية السلبية، وواصل الريال الإيراني تراجعه، فانزلق من 35 ألف ريال مقابل الدولار الواحد إلى 133 ألف ريال في يناير (كانون الثاني) الحالي وفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأميركية.

خيارات محدودة

ويشير محللون إلى أن العقوبات السابقة لم تترك سوى خيارات محدودة أمام إيران التي شهدت الأسعار الأساسية فيها ارتفاعاً صاروخياً خلال العام الماضي 2019، حيث وصل سعر الكيلوغرام الواحد من اللحم إلى 7.7 دولار بعدما كان سعره 5.2 دولار، وارتفع سعر الليتر الواحد من اللبن إلى نصف دولار بعدما كان 0.3 دولار. ومنذ تنفيذ الحملة الضغوط القصوى الأميركية، شملت العقوبات 1000 شركة ومؤسسة وشخص في إيران، ما أدى إلى حرمان طهران من 100 مليار دولار من عائدات النفط و100 مليار دولار أخرى من الاستثمارات بحسب وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني.
ومع انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 10 في المئة، تبنت الحكومة الإيرانية ما أسمته بـ "ميزانية المقاومة" التي شملت إنهاء عدد من أوجه الدعم الحكومي، ورفع أسعار البنزين الأمر الذي فجّر احتجاجات غاضبة في نحو 100 مدينة إيرانية استمرت أسابيع، لكن النظام تمكن من قمعها بعدما قتل مئات المتظاهرين. لكن خطر تكرار الأزمة والاحتجاجات في الشارع الإيراني التي كانت أسوأ تجربة يشهدها النظام منذ 40 سنة، ما يزال قائما في ظل عقوبات جديدة وشاملة ستزيد الوضع سوءاً وقد تفجر الوضع برمته.

المزيد من تحلیل