Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ينهي التقرب الروسي حظوظ "الديكتاتور" البيلاروسي آلكسندر لوكاتشينكو؟

ربما وجد رئيس روسيا البيضاء في فلاديمير بوتين نظيراً له

لا تسلك أمور الوحدة المزمعة بين روسيا البيضاء وروسيا مساراً إيجابياً في لقاءات الرئيسين فلاديمير بوتين والكسندر لوكاتشينكو (أ.ب.)  

قبل حوالى 25 عاماً، انتُخِب آلكسندر لوكاتشينكو رئيساً في أول انتخابات ديموقراطية أجريَتْ في بيلاروسيا. وآنذاك، لم يكن يبلغ من العمر سوى 39 سنة. ومنذ ذلك الحين، لم تُجرَ انتخابات اخرى بل كانت البلاد تشهد سلسلة تظاهرات احتجاج وأعمال قمعٍ ودساتير تُعدّل باستمرار، واغتيالات مزعومة وتأسيس نظام استبدادي وُصف بأنه آخر ديكتاتورية في أوروبا.

لكن على مرّ السنين، تميّز لوكاتشينكو المدير السابق لإحدى المزارع الجماعية الذي يبلغ من العمر الآن 65 عاماً، بأنه مراوغ تكتيكي وشخص يقدر على الاستمرار. وبواسطة تأرجحه بين أزمة وجودية بالنسبة إليه واخرى، وجد دائماً طريقة للخروج من المفاوضات سالماً وشجاعاً.

على نحوٍ مُشابِه، حافظ رئيس روسيا البيضاء على توازنٍ بين روسيا وأوروبا. انضم إلى دولة "اتّحادية" مع روسيا لكنه رفض استضافة قواعد عسكرية روسية على أراضي بلاده، أو الاعتراف بضمّ موسكو شبه جزيرة القرم. استفاد من الأسعار التفاضلية الضخمة للنفط والغاز التي بلغت عشرات المليارات من الدولارات من موسكو، لكنه تفاوض على شراكة تجارية منفصلة مع الصين.

ونتيجة لهذه السياسة، تمكن آلكسندر لوكاتشينكو من بناء بلاده التي تفتقر إلى الموارد على صورة أحلامه المتعلّقة بمزرعته الجماعية، بأن تكون نموذجاً مصغّراً عن الاتّحاد السوفياتي وفريداً من نوعه في المنطقة، وكذلك يبدو كل شيء فيها يعمل بصورةٍ طبيعية.

ومع ذلك، ثمة شعور متنامٍ بأنه في المفاوضات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ربما يكون لوكاتشينكو قد قابل أخيراً نظيراً له. إذ لم يكن الشخصان أبداً على علاقة جيدة، وأصبحت علاقاتهما في الآونة الأخيرة متجمّدة، بعدما بدأ بوتين يسعى إلى انتزاع مزيدٍ من التنازلات من حليفه الذي لا يمكنه الاعتماد عليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك بدا الرئيس الروسي في المؤتمر الصحافي السنوي الذي عقده الخميس الفائت، كأنه يوجّه إنذاراً إلى مينسك. فقد ذكر أن بيلاروسيا لن تحصل على تخفيضاتٍ على الغاز طالما "لم يكتمل بعد بناء الاتّحاد". وكأنه يقول بعبارةٍ اخرى، إنه إما يوافق لوكاتشينكو على اندماج أقوى لا يحظى بشعبية في بلاده مع روسيا، أو يواجه خطر فقدان الدعم المقدّم إليه من موسكو، مع احتمال حدوث انهيار سياسي في الداخل البيلاروسي.

وقد وصلت المحادثات التي أجراها الطرفان في مدينة سان بطرسبرغ في أواخر الأسبوع، إلى نهاية مسدودة كانت متوقّعة، يبدو من خلالها أن لوكاتشينكو يواجه تحدّياً مستحيلاً.

في ذلك السياق، أجرت "اندبندنت" حواراً مع رجل لديه القليل من التعاطف مع مأزق لوكاتشينكو هو ميكولا ستاتكيفيتش، المرشح الرئاسي السابق الذي أمضى قرابة ثمانية أعوام من أعوامه الـ 20 الأخيرة خلف القضبان بأمرٍ من لوكاتشينكو. ورأى في الحديث الذي أجري معه في مينسك يوم الجمعة الفائت، وقد سبق بقليل احتجاجات نظّمتها المعارضة ضد مفهوم الدولة المشتركة، أن "الرجل البيلاروسي القوي عليه ألّا يلوم سوى نفسه في مقايضة سيادة البلاد بالنفط والغاز الروسيّين".

ويضيف ستاتكيفيتش أن الرئيس لوكاتشينكو يتّجه نحو "كارثة" لأنه رفض فتح البلاد على الإصلاح. ووفق كلماته، "إذا مضى في ما أعتقد أنه بصدد فعله، فإن مصير معمّر القذافي سيبدو رحيماً بالنسبة إليه. إذ يملك لوكاتشينكو أعداءً كثيرين، إضافة إلى مجموعة من الأشخاص الذين ناصبوه الكُره بصبرٍ على مدى أعوام طويلة".

قبل بضعة أيام، أبلغ زعيم المعارضة عن تعرّضه لما سمّاها "حالة تسمّم". ونقل إلى الـ"إندبندنت" إنه عانى من "ردّة فعلٍ تحسّسية" مفاجئة وشديدة تسبّبت في تضخّم الحلق وتقييد حركة تنفّسه. وأورد أيضاً إن زوجته الطبيبة، كان في متناولها لحسن الحظ، حقنة مضادّة للحساسية ساعدته في تخفيف التورم.

واعترف بأن ما حصل معه كان نوبةً غريبة. ولم يكن متأكّداً من الطريقة أو الوقت الذي جرى تسميمه، لكنه لم يكن السياسي المعارض الوحيد في بيلاروسيا الذي يعاني مثل تلك الأعراض الغريبة. في وقت سابقٍ من هذه السنة، أبلغ آليكسي نافالني، أحد أبرز زعماء المعارضة في روسيا، عن تعرّضه لتجربة مماثلة. ووفق كلماته، "أنا لا أؤمن بالمصادفة. وما حصل معي قد حيك ليكون تحذيراً".

ذهب البعض إلى توقّع أن بوتين ربما يتطلّع الآن إلى رئاسة الدولة العظمى الموحّدة سبيلاً نحو البقاء في السلطة بعد انتهاء فترة ولايته الدستورية في 2024

ونفى رئيس روسيا البيضاء اعتماد مثل هذه "الحيل القذرة" في تعامله مع المعارضين. وكان قد وصف نفسه في مقابلةٍ أجرتها معه صحيفة "إندبندنت" في العام 2012 ، بأنه "ديموقراطي ويقدّر الحرية الشخصية". في المقابل، تظل الحقيقة ماثلة للعيان، وتتمثّل في أن بعض منافسيه قد سُجنوا لفترات طويلة من الزمن، أو اختفوا، أو أُجبروا على العيش في المنفى.

في الأسبوع الماضي، تحدّث يوري غارافسكي الضابط السابق في القوّات الخاصّة البيلاروسية علناً عن مزاعم مثيرة بأنه شارك في عمليات خاصّة لاغتيال منافسي لوكاتشينكو قبل حوالى عقدين من الزمن.

وأفاد ستاتكيفيتش إن هذه التصريحات لم تكن مفاجئة بالنسبة إلى أمثاله من قادة المعارضة. وأضاف، "لا أشك أبداً في أن غارافسكي كان يقول الحقيقة". في المقابل، بدت التقارير التي برزت عشية المحادثات بين لوكاتشينكو وبوتين كأنها مصمّمة لإضعاف الموقف التفاوضي للرئيس البيلاروسي. ويضيف ستاتكيفيتش أن "الضابط ربما دُفع إلى تلك التصريحات من قبل متعاطفين مع روسيا داخل الحكومة البيلاروسية، أو ربما من الكرملين".

وليس معروفاً مستوى الدعم للمعارضة البيلاروسية داخل البلاد، لأنه من الواضح أن عدداً من البيلاروسيّين اختاروا الابتعاد عن السياسة. لكن سُجّلت في الوقت نفسه علامات تدل على حدوث تغيير. ففي 2017، أدّت خطة مثيرة للجدل تقضي بفرض رسوم على العاطلين عن العمل تعويضاً عن "الضرائب غير المسدّدة"، إلى احتجاجاتٍ جماعية، والدفع بجزءٍ من السكان في الأقل نحو التطرّف. وقد ساهم احتمال الاندماج مع روسيا في زيادة حدّة المخاطر.

ويعود إرث خطط إقامة دولة مشتركة بين بيلاروسيا وروسيا إلى حقبة مختلفة للغاية. وفي منتصف التسعينيّات من القرن العشرين، وُقِّعَ اتفاق بشأن الاتحاد وجاء تعبيراً عن العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع آلكسندر لوكاتشينكو والرئيس الروسي المريض بوريس يلتسين. وقد أراد الرجلان دمج القوانين المالية والمؤسّسات الوطنية وحتى العسكرية في البلدين. لكن لم يجرِ سنّ تلك القوانين بشكل كامل.

ويُحتمل أن يكون الرئيس البيلاروسي قد تخيّل لوهلة أنه ربما امتلك دوراً في أعلى قمّة الدولة العظمى. في المقابل، تآمرت حالتان في العمل ضدّ هذا الاحتمال وهما: احتجاجات المعارضة البيلاروسية في العامين 1999 و2000 التي تعامل معها بشكل قاسٍ وقد أضرّت بسمعته، وظهور فلاديمير بوتين في موسكو. لا يمكن أن تكون هناك مساحة لشخصين قويّين عند أعلى قمّة الهرم.

وذهب البعض إلى توقّع أن بوتين ربما يتطلّع الآن إلى رئاسة الدولة العظمى الموحّدة سبيلاً نحو البقاء في السلطة بعد انتهاء فترة ولايته الدستورية في 2024. حتى لو كان هذا صحيحاً، فإن مثل هذه الاعتبارات تؤدي دوراً ثانوياً في الجغرافيا السياسية.

ويعتبر أرسن سيفيتسكي، مدير "مركز دراسات السياسة الخارجية والاستراتيجية"، المختص بالبحوث في مينسك، أن تلك الاعتبارات تولّد "تأثيراً جانبياً" طارئاً. الأهم من ذلك أن الاتجاه الذي شكّل أساساً منطقياً تتسلّح به موسكو بقوة يتمثّل في الحفاظ على بيلاروسيا أقرب حلفائها، "داخل مدار تسهل إدارته".

وفي ذلك  السياق، ذكر ستيفتسكي أن "مجتمع المخابرات الروسية يتخوّف من تهديدٍ قد يتمثّل في إمكان جنوح مينسك نحو أوروبا، ما يضعهم أمام المشكلة نفسها التي واجهوها في أوكرانيا عام 2013. إذ تتصرف موسكو بالطريقة الوقائية التي ترتأيها. وتريد أن تكون لديها أدوات مؤسّساتيّة للتحكّم بالأمور في حال خروجها عن السيطرة". 

وقد وصفت نسبةٌ كبيرة من حوالى 200 شخص أو أكثر ممن شاركوا في الاحتجاج أخيراً، إنشاء اتّحاد أوثق بين بيلاروسيا وروسيا بأنه السيناريو الأوكراني الذي يخشونه أكثر من غيره. وأفادت سفيتلانا كوفالينكو، الخبيرة في الاقتصاد البالغة من العمر 40 عاماً، إن "روسيا تعتبر أنها دولة شقيقة، لكنها لم تكن شقيقةً جدّاً في تعاطيها مع أوكرانيا". وأضافت، "لكن معنا ربما لن يحتاج الروس إلى الدبّابات، وربما سيبتلعون بلادنا ببساطة عِبْرَ التوقيع على أوراق [بشأن الاتحاد]".

© The Independent

المزيد من تحلیل