الجمهور العارِف ركن الديموقراطية تهدمه "سوشيال ميديا"؟

منذ روسو ومونتسكيو، كان الجمهور الواعي والمُطّلِع أساس الديموقراطية كلها. وإذ أثبتت "سوشيال ميديا" أنها أداة طيّعة للتلاعب بالوعي العام، يثور قلق من كونها تهديداً معاصراً. ولنتذكر أيضاً أن التلاعب بالوعي أوصل شعبوية النازية إلى السلطة ديموقراطياً! تلك تجر

أشواك الـ"سوشيال ميديا" والشعبوية المعاصرة، تهدد  الديمقراطية (موقع "ميديوم")

 

الأرجح أنه انقلاب أدوار تاريخي في مسار التجربة الديموقراطية للمجتمعات المعاصرة، بل يطاول ركناً لا يضارع في الديموقراطية: الجمهور العارِف. منذ الكتابات الأولى عن الديموقراطيّة في زمن الثورة الفرنسيّة، نُظِر إلى ذلك النظام باعتبار أن أساسه العميق هو "حكم الشعب للشعب بالشعب". ويفترض أن ذلك المبدأ يقود آليات النظام الديموقراطي، كالفصل والتوازن بين السلطات وفق صيغة مونتسكيو الشهيرة: "يتوجب أن تكون كل سلطة، قادرة على وقف سلطة أخرى". ومنذ وقت مبكر، ساد قلق من مسألة أن يكون الشعب عارِفاً ومطلعاً دوماً ليكون قادراً على اتخاذ القرار السليم باستمرار، لأن الشعب هو الذي يتحكّم بالسلطات سواء تلك التي ينتخبها مباشرة أو التي تتوازن وتتفاعل مع السلطات المنتخبة.

ماذا يحدث عندما يستطيع شخص أو قوّة أو قلّة، تضليل وعي الجمهور وحرفه؟ تملَّك روسو قلقٌ بالغٌ حيال ذلك الاحتمال. وطَرَحَ مقولة إشكاليّة عن "المستبد العادل"، بمعنى أنه ذلك الحاكم الذي يحمي الجمهور عندما تتمكن قلّة من تضليل وعيه، وتستغل إرادة الناس "الحرة" لترسي نظاماً غير ديموقراطي. بديهي القول إن مقولة روسو عانت سوء فهم واستغلال واسعين. في المقابل، لم يكن في غير محله كل ذلك القلق من سيطرة غير ديموقراطية على الجمهور في النظام الديموقراطي، لحرف ذلك النظام بل هدمه لمصلحة ديكتاتوريّة من نوع ما. في ثلاثينات القرن العشرين، صعدت النازية والفاشيّة بفضل قدرتها في السيطرة على وعي الجمهور الواسع، ووصلت بانتخابات ديموقراطية وأغلبيات كاسحة، إلى رأس السلطة في نظم ديموقراطية مثل نظام جمهورية فايمار في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى. النتيجة؟ من لا يعرفها؟

لنستفد من "التجنيد الإلكتروني" و"الأخبار الكاذبة"

 

بين ختام القرن العشرين وبدايات القرن 21، رافقت الإنترنت عولمة النظام الديموقراطي بعد انتصاره في "الحرب الباردة"، وصعدت "سوشيال ميديا" باعتبارها أداة فضلى لانتقال الجمهور إلى صنع الإعلام المعاصر، بدل الاكتفاء بدور المتلقي. لكن، ثمة قلقٌ واسعٌ حاضراً من انقلاب في ذلك الدور إلى ضدّه تماماً، بل وصولاً إلى انتقال الإنترنت و"سوشيال ميديا"، إلى دور الأداة الفضلى في السيطرة على وعي الجمهور العام، خصوصاً في الدول الديموقراطية التي تحترم حرية الرأي وتخضع تماماً لحكم الشعب وإرادته عبر آليات تتقدمها صناديق الاقتراع.

توصف النازية والفاشيّة بأنها شعبوية القرن العشرين. وبوضوح، تستند الشعبويّة المعاصرة إلى الإنترنت و"سوشيال ميديا" في وعيها وصوغ قراراتها وصنع تأثيراتها.

بديهي أن يستثني هذا النقاش مسألة التجنيد الإلكتروني لمصلحة تنظيمات الإرهاب الإسلاموي، لأنه يرسم صورة الـ "سوشيال ميديا" أداة بيد عدو "خارجي" للديموقراطية. ويبقى أنّه يبرز مدى قدرة قلّة على التأثير في جمهور واسع والتلاعب بقراراته الطوعية.

وما يقلق فعليّاً هو التأثير في الديموقراطية من الداخل، خصوصاً التأثير في "الجمهور العارِف" في القرن 21. من لم يسمع عن ظاهرة "الأخبار الكاذبة"، وأنها فائقة الانتشار في الـ"سوشيال ميديا" التي ما زالت عاجزة حيالها، تماماً مثل عجزها أمام التجنيد الإلكتروني وخطابات الكراهية وغيرها؟

في السياق عينه، أثارت مجريات انتخابات الرئاسة الأميركية في العام 2016، قلقاً من سهولة التلاعب بالـ"سوشيال ميديا"، وهو ما ظهر في سياق مجريات التحقيق (لم ينته بعد) في مسألة "التدخل الروسي الإلكتروني" المفترض في تلك الانتخابات، إضافة إلى فضيحة "كامبريدج آناليتكا" التي بيّنت سهولة استخدام الإنترنت للتلاعب في الوعي العام. في تلك الفضيحة، استعمل البليونير الأميركي روبرت ميرسير نفوذه المالي الضخم (إضافة لكونه مهندس كومبيوتر) ليموّل بحوثاً لشركة "كامبريدج آناليتكا" مكّنت من تصنيف ميول جمهور الناخبين الأميركيين ودوافعهم وذائقتهم. وبعدها، استُعْمِلَت الأموال لضخ كميّات هائلة من المعلومات المحرفّة عبر الإعلانات السياسيّة وشراء المواقع الإخباريّة الموجّهة وإنشاء أعداد ضخمة من الحسابات الشبكيّة المُسَيْطَر عليها وغيرها. وانخرطت تلك الآلة الشبكيّة الضخمة في ضخ "أخبار كاذبة" وإشاعات متنوّعة، جرى سبكها وفق نتائج بحوث "كامبريدج آناليتكا" عن جمهور الناخبين الأميركيين. وزاد في ذلك الطين بلّة الاستيلاء بطرق الاختراق الإلكتروني على بيانات عشرات ملايين الأميركيّين من موقع "فيسبوك" الذي يعتبر الأبرز بين شبكات الـ"سوشيال ميديا". والنتيجة؟ مَن لا يعرفها؟

وبعد الانتخابات، لم يفضّل الرئيس الشعبوي دونالد ترمب شيئاً أكثر من التغريد على "تويتر"، وهو من شبكات "سوشيال ميديا"، مع إظهار عداء مكشوف لوسائل الإعلام الأخرى، بل للصحافة عموماً.

صدام هويّتين أوروبيّتين!

 

في سياق مشابه، رافقت "سوشيال ميديا" موجة الشعبويّة المعاصرة في الغرب، في محطات تشمل الـ"بريكست" في بريطانيا، وبروز فيكتور أوربان في هنغاريا، والصعود القوي لليمين المتطرف في فرنسا وغيرها. وحاضراً، يعمل ستيف بانون، المستشار السابق لدى الرئيس ترمب، على توحيد التيار الشعبوي في أوروبا بهدف مناهضة مسار الاتحاد الأوروبي. (مفارقة أنه تحت شعار رفض الهوية الأوروبيّة المشتركة يتمّ تجميع هويّة أوروبيّة مشتركة نقيضة، وهي ترتكز على عصبيّات متوترة ككراهية الأجانب والإسلاموفوبيا ومعاداة السامية وغيرها).

في حركة "السترات الصفراء"، يظهر مدى التأثير المتناقض للـ"سوشيال ميديا". من ناحية، تمثّل شبكات التواصل الاجتماعي أداة لتعبير فئات تتوسطها الطبقة الوسطى والمتضررون من العولمة المنفلتة، وشرائح واسعة من الفلاحين وغيرها. إنها لسان "الهامش" بامتياز الذي يقارع بها "المتن" السلطوي للنظام الفرنسي. من ناحية ثانية، يصعب تجاهل مدى ابتعاد تلك الحركة عن الديموقراطية، وميلها إلى إحياء التطرّف القومي الفرنسي، واستعادة العداء الديني القديم لليهود، والعنصرية حيال الأفارقة والمسلمين، ومعاداة النخب الثقافية والعلمية والسياسيّة وغيرها.

ثمة فوارق جمّة بين الشعبوية المعاصرة وتلك التي ظهرت في القرن العشرين، إلا أن المشترك المقلق فعليّاً يتمثّل في الإعلام! إذ سيطرت شعبوية النازية والفاشيّة على الإعلام وتلاعبت بوعي الجمهور الواسع، وتكرر الشعبوية الحاضرة الأمر نفسه، متكئة بشدّة على الـ"سوشيال ميديا".

بقول مختصر، يتبلور تدريجاً أن "سوشيال ميديا" تعمل على حرف وعي الجمهور، ما يضرب ركن "الجمهور العارِف". في المقابل، تتماسك الديموقراطية في وجه تلك الموجة وتنجح في كسرها والاستفادة من دروس الصراع معها، كما يظهر في الكونغرس الأميركي، ومبادرات الرئيس إيمانويل ماكرون، ومأزق تيريزا ماي مع "بريكست" وغيرها. إلى أين تصل تلك التفاعلات؟ سؤال مفتوح ربما لا يطول انتظار الإجابة عنه.

المزيد من اتصالات