من النقد الثقافي إلى النقد الشخصي... المثقف العربي فاعلاً ومتهماً

نخبوية المثقفين أدت الى مأزق بين الواقع والفكر

المفكر الجزائري محمد أركون (يوتيوب)

لعل في مقدمة الإشكاليات التي أربكت الفكر العربي الحديث والمعاصر، إشكالية العامل المركزي الفاعل في حركة التاريخ. هل هو العامل الاقتصادي الذي اعتبره الماركسيون "الاقتصادويون" العامل الرئيس المؤسس لوحدة العرب، وإحداث انقلاب جذري في تكويناتهم الاجتماعية والسياسية الفائتة؟ هل هو العامل القومي الذي يمهد لتجاوز الانقسامات العمودية الناخرة في البنية الاجتماعية العربية وقيام الأمة العربية المتعالية على الطبقات والأعراق والمذاهب والإثنيات؟ هل هو العامل السياسي الذي يوظف القيم والمعتقدات والأخلاق والتربية لتوجيه حركة التاريخ في خدمة أهدافه ومصالحه؟ هل هو العامل الإيديولوجي الذي يزلزل بنية المجتمع ويقوضها ليؤسس مجتمع التقدم والنهضة والحداثة؟

تأسيساً على هذه الأسئلة الإشكالية عرف الفكر العربي، على خلفية هزيمة حزيران(يونيو)1967 خطاباً إيديولوجياً أرجع الهزيمة إلى الثقافة العربية باعتبارها مكمن العلة وسر الإخفاق في مواجهة التحدي الصهيوني. ومع أن الخطاب الثقافوي يرجع إلى الطروح الشعبوية الإستشراقية في القرن التاسع عشر، إلا أن خطاب النقد الثقافي للمجتمع العربي بعد الهزيمة اتخذ منحى شمولياً بإعادته المسألة الثقافية إلى صدارة العوامل الفاعلة في التاريخ، مسقطاً الرهانات الماركسية والسوسيولوجية والقومية القائلة بأولوية الاقتصاد أو بأولوية العامل القومي أو الطبقي أو السياسي. في هذا الإطار طرح عبدالله العروي في"الإيديولوجية العربية المعاصرة" التقويم الإيديولوجي لهزيمة 1967 ورأى محمد عابد الجابري أن مكمن الخلل في إخفاق المشروع النهضوي العربي يتحدد في "العقل العربي" أي في الأداة التي بها يقرأ العربي ويرى ويحلم ويفكر. وفي الاتجاه نفسه ذهب محمد أركون إلى أن العقل العربي ونمط تصوره للكون والإنسان والتاريخ، هما اللذان وقفا وراء فشل المحاولات النهضوية المتكررة. كما أرجع هاشم صالح الانسداد الحضاري التاريخي الذي يعانيه العرب إلى أسباب ثقافية، واعتبر أدونيس أن لا مجال لأي تغيير في الواقع العربي من دون التصدي للرؤية الإيديولوجية المؤسسة للجسم الاجتماعي العربي كله. وفي هذه الآونة بالذات كتب ياسين الحافظ "الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة" وهشام شرابي "البنية البطريركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر" وغالي شكري "دكتاتورية التخلف العربي" وخلدون حسن النقيب "آراء في فقه التخلف".

شكل هذا الخطاب الثقافي سمة مميزة للفكر الإيديولوجي العربي في نهايات القرن الماضي، استمرت بأشكال متفاوتة مطلع هذا القرن، فرأى هاشم صالح "أن من المستحيل أن تحسم المعركة السياسية قبل أن تحسم المعركة الفكرية" وذهب علي حرب إلى أن "مشكلة الإنسان هي في الدرجة الأولى مع أفكاره" وعليه يجب إنتاج أفكار مبتكرة حول الإسلام والعالم، ووضع جميع الإيديولوجيات على مشرحة النقد العقلي.

 وهكذا تكون الرؤى التي صدر عنها خطاب النقد الثقافي للمجتمع العربي، والتصورات التي طرحها لتجاوز الفوات التاريخي العربي، من مهام المثقف، الذي من دونه لا يستقيم أي حراك تغييري ثوري، فطالما بقيت الثقافة الأحادية القبلية المتخلفة مهيمنة على الأفكار والعقول، سيبقى المجتمع العربي رهن عمليات إقصاء واستئصال متبادلة.

الرهان المرتبك

إلا أن الرهان على المثقف ومهامه الجذرية في التقدم والتغيير انتهى إلى مأزق عميق إزاء المآلات المربكة للمجتمع العربي مع هيمنة قوى التقليد والتكلس العقائدي واستشراء التسلطية السياسية والفكرية. عليه وجه إصبع الاتهام من جديد إلى المثقف لعجزه عن أداء المهام الكبرى التي أنيطت به، فشكك البعض بموقعه في الحراك النهضوي العربي، واتهمه بالبعد عن معطيات الحياة المباشرة، فضلاً عن فشله في تكوين رؤية حضارية شاملة، فيما رأى آخرون أن المثقفين العرب كانوا قليلي الجدوى في مجريات الأحداث والأفكار.

لكن النقد الذي واجهه المثقف العربي في السنوات الأخيرة بدا وكأنه الأقسى والأكثر جذرية وحدة. حتى أن شربل نحاس في كتابه "الفساد وإعاقة التغيير والتطور في العالم العربي" حمَّل المثقفين مسؤولية استشراء الإرهاب والأصولية، بتخليهم عن الفكر النقدي، وصولاً إلى اتهامهم بإفساد الربيع العربي لانعدام جرأتهم في اختراق مساحات الإيديولوجيا لقلبها من داخلها. وفي موقف مشابه ذهب الفضل شلق إلى أن المثقفين العرب لم يبادروا إلى نسج سياقات فكرية تحقق الأمن الفكري والاجتماعي، ما جعل العقل العربي يدور حول نفسه في حالة من التشوش والضياع الإيديولوجي.

هكذا تم الانتقال من النقد الثقافي إلى نقد المثقف وتحميله تبعة التخلف والتردي الحضاريين، والمشاركة في المأزق الذي قاد إلى الهزيمة وفي ما لحق بالأمة العربية من تراجع وفوات واستبداد. الأمر الذي يطرح تصويباً إيديولوجياً لخطاب النقد الثقافي يأخذ في الاعتبار حقائق أساسية أولاها: أن القول بالثقافي عاملاً أحادياً له الأولوية في حراك التاريخ مجاف للحقيقة، فالمجتمع لا يتقدم فقط بمثقفيه بل من خلال حراك تاريخي ينهض به المجتمع بكامل قواه الحية، حراك تشكل الثقافة وجهاً من وجوهه، بل نتيجة من نتائجه. فهل قدَر للمثقف الاضطلاع بدوره المميز في تغيير العالم لولا النهضة الاقتصادية والعلمية الموازية وترافقها مع الطباعة وإلغاء الأمية وانتشار المطبوعات الثقافية؟

وثانيتها أنه إذا كان صحيحاً أن فئة من المثقفين آثرت الابتعاد عن هموم الأمة وقضاياها الكبرى، إلا أن ثمة فئة أخرى من هؤلاء انغمست حتى الصميم في هذه الهموم والقضايا ودفعت ثمناً باهظاً في تصديها لتخلف العالم العربي وتكلس بناه السياسية والاجتماعية والإيديولوجية. فمن إعدام أسعد الشدياق وجبرائيل دلال إلى اغتيال عبد الرحمن الكواكبي وكمال الحاج وحسين مروة ومهدي عامل وفرج فودة، ومن تشريد أحمد فارس الشدياق إلى تشريد نصر حامد أبو زيد، ومن تكفير فرنسيس المراش إلى تكفير صادق جلال العظم، ومن محاكمة طه حسين إلى محاكمة مارسيل خليفة، ما زالت المواجهة مستمرة مع عقل القرون الوسطى وظلامها.

بيد أن من الواقعية الاعتراف بمحدودية الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقفون في أمة عربية تعاني من الأمية والفقر. فكيف سيتمكن المثقف العربي من التغيير الجذري في الفكر والاجتماع، بينما يبقى محاصراً في أوساط نخبوية بعيداً عن الإيديولوجيا السائدة، وفي حين لا يتجاوز مبيع الكتب ذات الطابع الحداثي آلاف النسخ لمئات ملايين العرب؟

إلى هذه الأسئلة الإشكالية يجب أن ينصرف النقد وليس إلى المثقف ككبش فداء لما نحن فيه من تخلف وترد تتعاظم وطأته إزاء عالم ماض في ثورته المعرفية من دون هوادة.

المزيد من ثقافة